يخوض هذا المقال في أحد أوجه إعادة إنتاج الخطاب الطائفي في لبنان، عبر معالجة بعض نصوص الكاتب وضاح شرارة وطرح فرضيات حول وظيفية موقعه الإعلامي. فالإعلام المكتوب في لبنان، بالرغم من انتشاره الضيّق، يمثّل مساحةً مهنيّة من إنتاج الأفكار الصالحة للاستيراد إلى حقل السياسة


رائد شرف *
اشتهر بعض كتّاب الصحف بإطلالاته التلفزيونية لدرجة أنه أصبح من الصعب التمييز بين تكيّف التلفزيون معه وتكيّفه مع التلفزيون. إذ يبدو أن البعض، لكثرة إطلالاته، لا يُستقبَل لإبراز تنوّع «الآراء»، كما يدّعي الخطاب التلفزيوني عن نفسه، بل لتماشيه المناسب مع خطاب القيّمين على التلفزيون من السياسيّين. خطاب يأخذ في الأزمة الأخيرة وجهاً طائفيّاً معلناً، حيث إن تلفزيون المستقبل مثلاً، جعل من مذيعة أشهرت طائفيّتها علناً أيقونةً للقناة، لها برنامجها الخاص، وقد افتتحت القناة بعد الإقفال القسري في أيّار الماضي. لكنْ لبعض كتّاب الإعلام المكتوب دور آخر، فهم ليس لهم إطلالات على التلفزيون. ويبدو أن أقل القوى السياسية اهتماماً «بالثقافة» تولي قلمهم اهتماماً زائداً (عفواً، لا قوى سياسية في لبنان تحتضن برنامجاً ثقافياً، بالمعنى المعولم للثقافة). طبعاً، هناك طبعٌ بورجوازي عند السياسيين القيّمين على الإعلام، يحسّسهم بالمسؤولية، فلحبّ «القلم» وظيفة في إقناع الذات بأنها مستجيبة لشيء نبيل وفوقي: هكذا يمكن مجرمَ حربٍ هجّر الجبل من سكانه أن يصبح حامي الثقافة والمثقفين والتراث في بيت الدين. وغيره من السياسيين يموّل الصحف للأسباب عينها، مع أن البعض يأخذ عليه حماية قاتل(ة) مخرج سينمائي من العدالة.
وضاح شرارة ليس من كل هؤلاء، فكتاباته فيها من العمق ما قتل... الكتابة. على أن شرارة يؤدي وظيفة «رص صفوف» معنوي لخبراء «إعلام المستقبل». فنصوصه، بالرغم من فذلكتها، تلبي طلب محيطٍ من المثقفين في بناء أسس للتكبّر وللمحاججة في صلب الخطاب الطائفي في لبنان. ولا تلبي مثلاً، طلب مجتمع من العلماء، يصححون لبعضهم ويتناقشون في إيقاع قد «يقرّبهم من الموضوعية»، كما توحي الفذلكة المصطلحية في خطاب شرارة.
ضمن تلبية طلب صحفي ــ سياسي، يدخل مقال وضاح شرارة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي. فبعدما كان شرارة يرى في المفاوضات السورية «إنجازاً دبلوماسياً ودليلاً ساطعاً على المرونة وعلى فهم العلاقات الدولية فهماً عميقاً وراهناً» (انظر نصه في كتاب «ذاكرة لبنان: ١٩٩٣» ص ٨٣) أصبح يرى في العمل الحربي لحزب الله، الذي لم يتغير (إن لم يزدَد احترافاً)، «مسرحاً احتياطياً وفرعياً تستدرج إليه السياستان الحرسية الخمينية والبعثية الأسدية القوات الإسرائيلية، وقوات دولية متفرقة، إلى قتال عبثي وغير متكافئ» (انظر مقاله عن القومي). لكن صوابية «التنظير الاستراتيجي» ليست سوى قشور، ولكتابة شرارة فعّالية من نوعٍ آخر.

خلط بين أدبيات الأحزاب ومؤيديها

نشر نص وضاح شرارة الذي ننطلق منه في جريدة المستقبل، في ملحق «نوافذ» العائد تاريخه إلى ٧ كانون الأول ٢٠٠٨. عنوانه: وجه عمر حرقوص الأعزل والعاري... مسرحاً من مسارح الحرب على «اليهودي».
بدءاً من العنوان، يظهر النص نفساً بصرياً، قد يعتقد القارئ أنه سيتبع بتوسّعٍ في وصف الحادثة أو ضحيتها بالأسلوب نفسه. لكن ذلك ليس أسلوب وضاح شرارة، فهو قبل كل شيء رجل مصطلحات «علمية». بيد أن تطور أسلوبه، في السنوات الأخيرة، تميز بميل إلى الاستعانة بأوصاف بصرية، إن لم يكن فقط بالاستعانة بعبارات تنادي القارئ إلى استيعابها بأسلوب حسيٍّ صرف (مثلها مثل بعض المضامين البصرية). يمكن من أراد فحص هذه الظاهرة الامتثال بكتابه «دولة حزب الله: لبنان مجتمعاً إسلامياً» وبالتحديد إلى الفصل الأخير من الكتاب، في تحليل خطاب حسن نصر الله في المؤتمر الصحفي الذي تبع عملية «الوعد الصادق» في ١٢ تموز ٢٠٠٦، ومقارنة أسلوب هذا الملحق، الذي أضيف إلى الكتاب بعد ٨ سنوات من الطبعة الأخيرة، بأسلوب ما سبقه في الكتاب. فالفصل الخاص بخطاب حسن نصر الله يأتي على ذكر قائد حزب الله مراراً وتكراراً بصفة «المتكلم الخطيب» من دون سبب تحليلي تفكيكي وجيه سوى ابتعاد منظّم عند الكاتب من صوغ أي شكل من التقديس و«السحر» للشيء الذي يعالجه نصه («السيد» حسن نصر الله)، مميزاً نفسه عن جماعة «نصر الله». كذلك فإن هذا الملحق من الكتاب، يزخر بالجمل البطيئة الإيقاع. نجد هذا التعاطي مع الكتابة في نص وضاح شرارة الأخير عن قضية «القومي» وعمر حرقوص، مثلاً عندما يقول: «والمشكلة هي الخلاف الناجم عن احتمال حال من الأحوال رأيين أو موقفين وحلين. وبيان الجماعة المتحزبة يرد «الإشكال» إلى «مشادة شخصية». وتعليل «الإشكال» هذا ينحرف به من كونه سبباً معقولاً، ويعود إلى الحال أو الظرف «الموضوعي»، إلى نتيجة مترتبة على قصد وإرادة وحساب». أو عندما يقول شرارة في النص نفسه: «والبيان الإذاعي والإعلامي لا يقول: أراد التصوير، ولا باشره، ولا بادر إليه، رغم أنف القومي (لا سمح الله، فالقومي، تعريفاً، لا يرغم، وهو «وقفة عز فقط»). فالخلفية الداعية إلى «التفجيم»، على قول مدير أخبار «أخبار المستقبل» حسين الوجه، هي «محاولة» تصوير. والمحاولة لا تعصى الصد والامتناع بواسطة غير الضرب القاسي والمبرح».
يبرز المثل الأخير الصورة الكاملة لأسس كتابة وضاح شرارة الاجتماعية ووجهاً من وجوه الحاجة، في إعلام المستقبل، إلى قلمه. فالجملة تحتوي من التفسير ما لا يستدعيه الفهم من حاجة. ومنطق وضاح التحليلي بسيط، هو يعزو أفعال الناس إلى انتمائهم إلى جماعة»، يسميها «الأهل»، والجماعة تجد أمر تجسيد سلوكها في «نص» مؤسسها أو منظرها (الخميني في حال حزب الله، أنطون سعادة في حال القومي) ولكل أشكال سلوك أفرادها «وحدة موقف» كما لنص أدبي أو ديني اجتهادي «وحدة موقف». وهو منطق يعطي شرارة الفرصة «ليجوهر» من ينتقدهم ويمحو صفتهم الإنسانية وليمارس، تباعاً، كبرياءه الأدبية على نصوص «مقدّسيهم»، لتنقلب هذه الوصفة فتبقي على مجموعة غير محددة من الناس، ضاع تحديدهم بين نقد المقاتلين ونقد المنظرين ليصبح كل من يناصرهم يأخذ صفة «الأهل». وظاهرة الخلط، في تحليل سلوك الناس، بين مصطلحات النصوص و«الوحي» الكامن وراء سلوك الناس عملياً، هي من صفات «انحياز العالِم»، نجد تحليلاً لها في بعض أعمال بيار بورديو (انظر مثلاً عن le biais scholastique في كتابه meditations pascaliennes).
ففكرة أن داخل كل عضو من حزب اللّه، فكراً خمينيّاً «خاماً» متجذّراً في العقل والسلوك (وأصعبهم تكيّفاً الجسد، كما يقترح شرارة في مقطعٍ وصفي من كتابه عن حزب الله يعالج اللطم في مجلس عزاء)، أو أن في كل «قومي اجتماعي» إرشادات أنطون سعاده وتعاليمه، فيها من الفكاهة بقدر من يقول إن في عقل كل إنسان شارك في تظاهرة ١٤ آذار منطق... وضاح شرارة. كان يمكن شرارة، إن أراد حقاً أن يندرج في عمل المثقّف «التوضيحي» (كاتب التاريخ وعلم الاجتماع) أن يناقش منطق القوميين الحربي بالمنطق نفسه، ويبرهن أن التعدّي على صحافي يعمل في جريدة كـ«المستقبل» غير ضروري، لا بل غبي، يأتي مردوده أقله بدعاية سيئة للحزب القومي. لكن طبعاً، وضاح شرارة لا يسعى إلى التوضيح، ولا يندرج في هذا الصنف من العمل الثقافي، فمنطقه وأسلوب كتابته المضجر والصعب على القراءة يدخل في صلب الصراع الطبقي في لبنان. وهذي سخرية حال غالبية المثقفين في لبنان بمن كان يسارياً منهم وانتهى ليبرالياً: رغم تنظيرهم المتقن وقولهم بطائفية الصراع في لبنان (بعد اكتشافهم «وجود العصبيات» في أيام الحرب، ووضاح اكتشف يومها «الأهل»)، هم خير برهان في سلوكهم على طبقية الصراع في لبنان. تندرج غاية استعانة بعض السياسيين المتموّلين بخبرتهم في بناء منظومة أيديولوجية يأتي الرجل السياسي بعنوانها الطائفي، ويلحقه المثقف (وظيفيّاً) بالبراهين الحسية. براهين طبقية المنطق رغم أنف تحليل المثقف. فسعد الحريري ينادي بشعار «بيروت خط أحمر»، المفضوح الطائفية، ويتبعه وضاح شرارة بالتنظير عن اختلاف «الأهل» في الضاحية أو الجنوب عن «الأهل» في بيروت.
لكن وضاح شرارة أضعفهم تحليلاً، وقد أعطى قسطه من التحليل في ماضيه اليساري، في أبحاث فيها أكثر من الاستعانة بنظرية غرامشي (وبعض الاستعانات «التنويرية» بماو) منها بوضاح. وقد أعطانا كتاب شرارة عن حزب الله خير دليل على محصول «منطق وضاح شرارة النظري»، عندما «يستوي» الرجل أيقونة كبرياء لبعض المثقفين، وتنشر كتبه دار النهار التي كان ينتقدها لعنصريتها سابقاً. ويستعين بمصطلح أني كريغل عن «المجتمع النقيض»، وأني كريغل في التحليل التاريخي السوسيولوجي توازي، في الغرب، ما توازيه مي المر في كتابة التاريخ في لبنان... لكن النقلة من غرامشي إلى كريغل لها دلالاتها.

الهوس المبتذل بمعاداة السامية

في مقاله عن الحزب السوري القومي الاجتماعي وعمر حرقوص، يستشهد وضاح شرارة بالفيلسوف إمانويل ليفيناس، وشرارة شديد الدقة مع الأسماء، فهو مستاء من «القومي» لتجنّبه الطائفية تجاه «أهل السنّة» وإغفال القومي اسم «عمر» في تسميته «حرقوص» في بيان الحزب التوضيحي عن الجريمة تجاه الصحافي عمر حرقوص. كذلك فإن وضاح شرارة غير راضٍ عن تسمية «خالد علوان» لتقاطع عبد العزيز ـــــ الويمبي. ولعل شرارة باختياره فيلسوفاً «يهودياً» للاقتباس، قصد أن يدغدغ ما يراه «حقد الأهل»، بمنطق فيه من الغلاظة الصالونية أكثر منه فكراً منسجماً. لكن التقديرات تدل على أن «ملة وضاح» لا تتعدى قطر المئة متر في محيط ساحة «تقاطع عبد العزيز ـــــ الويمبي» الخالدة، زائدهم قارئ مثقف ومجرم حرب في ضيعة المختارة. فالأهل لن يقرأوا دغدغة شرارة لعصبيتهم المفترضة ضد اليهود.
ولفيناس يدخل ضمن صنف من الفلاسفة في فرنسا الذين يمثّلون المنطلق الأكاديمي لغير الأكاديميين. سنكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى مناداته بحكم «العامة» في تقويم العمل الفلسفي، مع ما تعنيه هذه الحجة من تماهٍ سفسطائي مع منطق التسويق، أمثال برنارد هنري ليفي وألان فنكلكروت. وهما، لمن أراد فهم موقعهما من الفلسفة، من أولئك الذين قد يستشهدون بهيدغر في مقال عن «حصر البول» مثلاً، وغير ذلك من المآسي الاجتماعية التي تعني «العامّة». لكن شرارة لا يحب «العامة»، إذ يقول في مقاله عن «لغة» القومي: «في لغة العامة الدارجة والسائرة وغير المهنية ولا المتفاصحة» (لا يوضح وضاح كيف للعامة أن تكون مهنية؟). وشرارة لا يستشهد بهيدغر، بل بلفيناس وأني كريغل، وجلّهم ناس موقعهم الثقافي (علميّتهم وجديّتهم) تحت الشبهة، عند المثقفين في الغرب. فهل يجب أمام هذه الحقائق قراءة موقع لبنان التبعي بالنسبة إلى الغرب في الهرمية الثقافية؟ في استعارة مثقفيه كل جديد «باضه» الغرب من دون تقويم هذا الجديد في المجتمع الغربي، بما فيه «صهيونية» هذا الجديد المعلنة أو، في حال لفيناس، «طائفيته». لماذا يستشهد بعض مثقفي لبنان بناس لا يقل غباء فكرهم عن فكر أي طائفي محلي؟
بعيداً عن تهمة العمالة للعدو، يبدو أن ليونة مثقّفينا مع أسوأ ما أنتجه «الغرب» من طائفيين، هي نتيجة وقوعهم في حيلة «الذوق». هكذا يصبح «اليهودي» الغربي الناجي من المجزرة والمنادي بكبر طائفيته أعلى شأناً من «اليهودي»، ابن المجزرة أيضاً، والذي ترفّع عن الوقوع بفخ جلاده بتبنّي صفة «اليهودية»، فتمسّك بالعلمانية وبرفض كل أشكال الظلم (مناسبة لنتذكر المقابلة المعيبة التي نشرتها «النهار» مع نورمان فنكلستين عند زيارات الأخير لبنان وتضامنه مع المقاومة ضد العدو العنصري المحتل لفلسطين). أي يصبح الفكر الطائفي نفسه الذي ينتقده وضاح شرارة عند ميشال عون وحزب الله أعلى شأناً من الفكر العلماني. فصحيفة المستقبل نشرت مع بروز أزمة جورجيا وروسيا ترجمة لمقال لبرنارد هنري ليفي نشر في «لو موند» عن الموضوع، وبرنارد هنري ليفي الذي يجد بعض محرري المستقبل أخيراً المناسبة في الاستشهاد به، معروف في فرنسا لوقوفه إلى جانب إسرائيل في كل المناسبات، وتقديمه الدعاية للكيان الصهيوني. وما بال «المستقبل» تنشر لبرنارد هنري ليفي؟ هل علينا أن نصدق أن نشر مقالاته يعود استجابةً لطلب جمهور القراء من مشجعي الأنصار والنجمة؟
ولعلم مثقفينا المفجوعين أمام «اللاسامية» المنتشرة في مجتمعنا، وعلى سبيل مجادلة لا تمت إلى مجتمعنا بصلة كما هي حال فكرهم المستعار، يقول المؤرخ إريك هوبسباوم في مذكراته، عن الحركة الصهيونية في الثلاثينيات المطالِبة بفهم خصوصية تاريخية لـ«اليهودي»، أنها كانت ضعيفة الانتشار في برلين الكوسموبوليتية بين المنحدرين من الطائفة اليهودية، وكانت أرضها الخصبة بين يهود إمبراطورية النمسا ـــــ المجر، حيث البلاد كلها كانت قابعة تحت المشاكل الإتنية الصدى. ذلك فقط لنقول إن فهم المسألة اليهودية بمنطقها «الطائفي»، كما يشجعه أمثال أني كريغل، ليس بالضرورة نتيجة خوف وضرر ألحقته المحرقة بـ«خيرة الناس». هذه المجزرة التي ينسب شرارة (وغيره) ممارسات الحزب القومي إليها في نصه، ربما منبهاً (والتنبيه بغير محله)، إذ يقول في استخدام القومي «لليهودية» تهمةً: «على ما ذهب إليه تراث «قومي ـــــ اشتراكي» أفضى إلى معتقلات القتل الجماهيري». وهو بذلك يقع في تقليد «فلسفي الهوى» غير معني بقياس الحقائق التاريخية والاجتماعية لا بل، وهنا تكمن الخطورة، مجحف ومحوّر لمعنى المسؤولية في «المجزرة»: أن القومي سلم «للعدالة» بعض عناصره، بينما لم نسمع شيئاً بعد عن نتائج تحقيقات ما يسميه القومي من دون وضاح شرارة «مجزرة حلبا». كذلك إن السخرية من تمسّك القوميين بعبارة «الحياة وقفة عز فقط» ليس بمحله عندما نرى مناضليهم في القرى يقاومون مستشهدين إغراء الطائفية ودعوات رجال الدين إلى القتل على الهوية، بينما شرارة وغيره من إعلام المستقبل لا يجرؤ على انتقاد ميليشيا أمل (وليس حزب الله)، الضالعة الأولى في «غزوة بيروت». ولا ضرورة لعقل «مهني» للقياس بين هول جريمة حلبا، والجريمة بحق عمر حرقوص. في نهاية المطاف، سذاجة أنطون سعادة في استعارته الزوبعة ومصطلح «اليهود» من الغرب لا تختلف كثيراً عن سذاجة مثقفي الليبرالية العربية، ومنتقدي سعادة، في استيرادهم انتقادات المجزرة اليهودية القائمة في الغرب على يد مفكرين طائفيين، لا يختلفون عن كمال الحاج وعن غيره ممن يسميهم شرارة «بالأعراب» (دائماً عنصرياً)، إلا باقتباسهم النازي هيدجر. هل يجهل وضاح شرارة كل ذلك؟

منطق «الأزمة»

تدل ظاهرة «التخبيص» في تطبيق المصطلحات للشيء في مكان ولنقيضه في مكان آخر إلى أمرٍ إضافي، في علاقة بعض مثقفي لبنان بممارساتهم الثقافية، ومنهم وضاح شرارة. هي ثقافة غير آبهة بموقعها هي في مجتمعها، وهذا من حقها... غير أنها تشكو مما تعتبره وضعها، وشكواها تؤدي دوراً وظيفياً. نرى ذلك في التمثيلية التي تلت أحداث ٧ ايار، بالمزايدة في حب بيروت و«الحمرا» و«الحياة» جراء خضة «الغزوة الحزب إلهية». وشرارة كان من المتأثرين، فكتب يومها نصاً عن «الأهل» (المستقبل في ٨ حزيران ٢٠٠٨)، مع شقٍّ من التاريخ الذاتي، حيث تذكر، تحت وطأة الأسر جراء المعارك التي يخوضها «الأهل» في الشارع، مناسبة دفن حضره برفقة جده، في بلدة عيثا، «حيث يقيم الأهل» على حد قوله، وحيث انتابه الخوف نفسه عندما أقام أحد الشيوخ الصلاة على الميت. وفي النص صلة منطقية يقيمها شرارة بين تجربة سياسية بحتة هي ٧ أيار وتجربته لمنطقة من لبنان وكل ما تحتويه من حياة بشرية. الرواية نموذجية، لا تقل من العنصرية تجاه الجنوب وسكانه وتحمل عناصر أدبية لبعض من الوزن العاطفي لمن انتقل اجتماعياً من بيئة إلى أخرى (الصعود الاجتماعي في نظر مختبره أحياناً)، وهي اختبار مرّ به الكثير من الناس في لبنان القرن العشرين. والنص نموذجي، بمعنى أنه يبرز أحد الوجوه الاجتماعية لكاتبه كما لتجربة اجتماعية، الأزمة والتحولات الاجتماعية العنيفة، التي تمثّل أحد مرتكزات صناعة الأيدولوجية المهيمنة في لبنان، كصناعة محافظة: أيديولوجية تمرّن الأحاسيس على «الخوف من التغيير»، (الحريرية في لبنان تتكيف مع شعار «فلتعد الأمور إلى طبيعتها» عندما يسقط الأمر السعودي بالحرب على المقاومة، والسيد نصر الله مستعد للاستجابة بالعودة إلى معادلة «المقاومة ـــــ الإعمار») يتولى إنتاج أساسها طبقة من الـ«أدبيين»، قد يأتي انضواؤهم تحت لواء هذه الأيديولوجية لكونهم اختبروا التغيير الاجتماعي (والحرب والأزمات). فهم نفسهم، أحاسيسهم مفتوحة على أشياء، ومغلقة على أشياء. فهل من المعقول، إن كان المنطق طليقاً وحرّاً، أن يجهل وضاح شرارة المنحى الطائفي والعنصري الصرف (من دون تعقيدات نصوصه) لتيار المستقبل وغيره ممن يكتب هو عندهم؟ هل سمع بأن أحد مجرمي الحرب المدعي التثقف ينصح زواره بقراءته هو، وضاح شرارة؟ أيعقل أن يعالج موضوع مناصرين الحزب السوري القومي الاجتماعي في كرههم للمستقبل، وكأن كرههم معيب، في الوقت نفسه الذي تعرف البلاد كلها ما حصل في حلبا؟ الحقيقة أن هذه الأسئلة تحمل أسساً نقدية لا يريد وضاح شرارة وغيره سماعها. فهو منذ التسعينيات ينتقد مرحلة من تاريخ المنطقة اتّسمت «بالاضطرابات»، متناسياً أن تخريب آل سعود لإرث النهضة ولنضالات الشعوب لم يكن قد بلغ حد «الاستواء» الذي هو عليه الآن. ومنذ ما قبل الأزمة الحالية في لبنان وشرارة يتخوّف من «طاغوت» حزب الله ويصنّف جورج حبش بالإرهابي. وللجرأة الصالونية تفسيرها في هذا التصنيف، ليس فقط للقول بإرهاب جورج حبش، بل أيضاً للتلذّذ بسخافة هذا القول، لكنّها لا تفسّر كلّ شيء.
* باحث لبناني