تهافتت، في شكل مفاجئ، الاستثمارات السعودية والإماراتية على جنوب أفريقيا، في انفتاح اقتصادي يتماهى مع السياسة السعودية القائمة على استغلال الأزمات، عبر فرض الأجندات السياسية مقابل المساعدات المالية. ففي زيارة قام بها إلى الرياض وأبو ظبي، ما بين 12 و15 تموز/ يوليو الماضي، استحصل رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوسا، على تعهدات سعودية باستثمار 10 مليارات دولار في البلاد، مع التركيز على قطاع الطاقة، بما في ذلك بناء مصاف نفطية ومشاريع للبتروكيماويات والطاقة المتجددة. وفي الإمارات، حصل رامافوسا على تعهّد بدفع مبلغ مماثل تستثمره أبو ظبي في اقتصاد البلاد.

وتأتي الاستثمارات السعودية والإماراتية هذه ضمن مساعي الرئيس رامافوسا إلى جذب استثمارات بقيمة 100 مليار دولار إلى بلاده، بهدف تحقيق انطلاقة جديدة في اقتصاد بلاده المتعثر. هذا من وجهة نظر الرئيس الجنوب أفريقي، الذي يترأس أيضاً «حزب المؤتمر الوطني الأفريقي»، وهو الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا منذ إلغاء الفصل العنصري في أيار/ مايو 1994. لكن السعودية والإمارات تنظران إلى أهداف رامافوسا كفريسة يجب الانقضاض عليها، لفرض سياسات خاصة بهما على الدولة الأفريقية. «المكرمات» السعودية والإماراتية لا يمكن أن تُقرأ بعيداً من التطورات السياسية والأمنية في المنطقة، فكيف إذا كانت 20 مليار دولار على شكل استثمارات طويلة الأمد؟ لكن محاولات الرياض وأبو ظبي تواجه صعوبات عدة في البلد العضو في مجموعة الـ«بريكس»، والذي يتمتع باستقلالية قرار قلّ نظيرها في القارة الأفريقية. ففي الأزمة الخليجية المستمرة بين دول المقاطعة وقطر، تلقت السعودية والإمارات صفعة قوية من جنوب أفريقيا، بعد ساعات من زيارة رامافوسا إليهما. فقد كشف سفير جنوب أفريقيا لدى قطر، فيصل موسى، في الـ18 من الشهر المنصرم، رفض بلاده ضغوطات من الرياض وأبو ظبي لقطع علاقاتها مع الدوحة، في أول امتحان سياسي لتأثير الاستثمارات في مواقف جنوب أفريقيا.
العلاقات التاريخية بين إيران وجنوب أفريقيا كانت أيضاً أحد أهم العوامل المؤثرة، التي دفعت السعودية إلى التوجه نحو البلد الأفريقي. فقد لعبت إيران دوراً فاعلاً في دعم «حزب المؤتمر الوطني الأفريقي»، برئاسة نيلسون مانديلا سابقاً، قبل وصوله إلى السلطة خلال حقبة الفصل العنصري. وكان الحزب، بدوره، أول المهنئين بانتصار الثورة الإسلامية في إيران. وعزز مانديلا، ومن أعقبه تلك السياسة، بدعمهم طهران في مناسبات عدة داخل الأمم المتحدة وعدة مؤسسات دولية، لا سيما منها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أيدت جنوب أفريقيا حق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية، قبل الاتفاق النووي.

رفضت جنوب أفريقيا في وقت سابق ضغوطات لقطع علاقاتها مع الدوحة


أعلنت السعودية استثمارها مليارات الدولارات في جنوب أفريقيا في مجال الطاقة، مشددة على قطاع المصافي النفطية. وهو استثمار موجه ضد إيران بالدرجة الأولى، بعد إعلان الأخيرة رغبتها في شراء أسهم في بعض المصافي في جنوب أفريقيا، بهدف ضمان الصادرات الإيرانية طويلة الأمد من النفط إلى البلد الأفريقي. وتأتي أهمية الاستثمار في قطاع المصافي من ناحية امتلاك جنوب أفريقيا ثاني أكبر طاقة إنتاجية في القارة الأفريقية (ما يقارب 703 آلاف برميل في اليوم)، على رغم كونها فقيرة في احتياطي البترول الذي يبلغ استهلاكها منه نحو 550 ألف برميل يومياً، تستورد منها أكثر من 60 في المئة. ويُذكر في هذا السياق أن إيران كانت تتصدر دول «أوبك» المورّدين للنفط الخام إلى جنوب أفريقيا، مُتقدِّمة على السعودية ونيجيريا. ففي عام 2006، وفي ذروة الضغوط الغربية على إيران، كانت طهران تُورِّد لبريتوريا 40 في المئة من حاجاتها النفطية، قبل أن تدرج وزارة الخزانة الأميركية في عام 2012 البلد الأفريقي ضمن قائمة الدول التي ستتعرض للعقوبات إذا لم تخفض مشترياتها النفطية من إيران، لتعود الأخيرة وتستأنف صادراتها النفطية إلى جنوب أفريقيا بوتيرة تصاعدية بعد رفع العقوبات. وكما مصافي النفط، فإن الاستثمارات السعودية في مجال البتروكيماويات تحمل في خلفياتها، أيضاً، محاولات اختراق المعاهدات الجنوب أفريقية ــ الإيرانية في هذا المجال؛ فشركة «ساسول» (SASOL) للطاقة، والمملوكة لحكومة جنوب أفريقيا، ضخّت في خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في إيران، حيث أسَّست مشروعاً مشتركاً تحت اسم «Ayra SASOL» مع الشركة الوطنية الإيرانية للبتروكيماويات، لتبيع بعد ذلك «SASOL» أسهمها لمصلحة المشروع المشترك.
في مجالات التعاون الدفاعي والعسكري، وقعت إيران وجنوب أفريقيا العديد من مذكرات التفاهم، كان أبرزها المذكرة الموقعة في عام 2016 والمتضمنة تعاوناً بين البلدين في مجال الأمن البحري. ومع دخول الممرات البحرية دائرة الصراع في المنطقة بين طهران والمحور الأميركي، فإن الانفتاح السعودي الإماراتي المفاجئ على جنوب أفريقيا يمكن ربطه أيضاً بهذا الصراع؛ إذ يبرز ممر رأس الرجاء الصالح، الذي يقع في جنوب القارة الأفريقية على مقربة من مدينة كيب تاون (عاصمة دولة جنوب أفريقيا التشريعية)، إلى الواجهة، لا سيما أنه في حال تم الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، فذلك سيجبر بعض حاويات النفط من السعودية والإمارات وبقية دول الخليج على تغيير خط سيرها، والإبحار عبر ممر كيب تاون في طريقها إلى القارة الأوروبية والولايات المتحدة، بحسب ما أعلنت أخيراً إدارة «معلومات الطاقة الأميركية». وكانت مصادر في قطاعَي النفط والشحن السعوديين قد ألمحت إلى ذلك بعد تعليق السعودية شحناتها النفطية عبر باب المندب، بتأكيدها أن تكاليف السفن السعودية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة سترتفع بسبب زيادة المسافات، حيث أن الناقلات ستكون مجبرة على الالتفاف عند ممر كيب تاون قبل أن تتابع طريقها.
تهدف الاستثمارات السعودية والإماراتية في جنوب أفريقيا، على ضوء توقيتها والقطاعات الموجهة نحوها وما رافقها من أحداث، إلى إخضاع البلد الأفريقي من البوابة الاقتصادية، باستغلال ما يمر به من أزمات. لكن الرياض تدخل إلى واحدة من القوى الأساسية داخل الاتحاد الأفريقي، والتي تتمتع بنفوذ جيو - سياسي كبير، انعكس بتأثيرها على القرارات المتخذة داخل الاتحاد، مع الأخذ في الاعتبار أن السياسة العامة للحكم داخل جنوب أفريقيا تديرها مجموعة من الثوابت التي رسّخها الراحل نيلسون مانديلا، والتي سيكون من الصعب على أي رئيس جديد القفز فوقها. وبهذا، يبقى قرار البلد الأفريقي مفتوحاً على إمكان إحداث خيبة سياسية جديدة للسعودية، تفتح الباب على تمرد أفريقي شامل، لما لجنوب أفريقيا من تأثير في القارة السمراء. وهو ما قد يدفع السعودية والإمارات نحو سحب استثماراتهما، كما حصل في بلدان عدة رفضت الخضوع للابتزاز المالي.