دمشق | بعد صراع طويل مع مرض عضال، توفي في العاصمة السورية دمشق، القيادي الفلسطيني، موسى محمود العملة «أبو خالد العملة» (1930-2012)، والذي شغل لسنوات طويلة منصب نائب أمين سر حركة فتح الانتفاضة، قبل أن يُفصل منها عام 2006 بقرار اتخذه في ذلك الوقت أمين سر الحركة أبو موسى، على خلفية تورط القيادي الراحل بأحداث مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، ودعمه لجماعة فتح الإسلام السلفية المتشددة. مصادر مقربة من القيادي الفلسطيني الراحل، قالت لـ«الأخبار»، إن «أبو خالد كان يقضي أيامه الأخيرة يصارع المرض في منزله بهدوء وعزلة، مبتعداً عن الأجواء السياسية، وتوفي في ثالث أيام عيد الأضحى الماضي، ودُفن بعد وفاته بيومين في مقبرة الشهداء الجديدة الواقعة وسط مخيم اليرموك جنوب دمشق، بمراسم جنازة متواضعة جداً». لم تُعلّق صور العملة على جدران وزوايا المخيمات الفلسطينية في سوريا، كما سرت العادة، بل اقتصرت الجنازة على حضور عدد قليل من المشيعين والأصدقاء الشخصيين للقيادي الراحل الذين أتوا من الأردن، وعدد من المندوبين عن فصائل المقاومة الفلسطينية، كان على رأسهم القيادي في حركة فتح الانتفاضة عدلي الخطيب «أبو فاخر»، الذي كانت تربطه علاقة صداقة قوية مع العملة، أكدها عندما قدم استقالته من منصبه.

لكن اللافت في التشييع الخجول هو غياب الحشود الكبيرة من لاجئي مخيم اليرموك. وعن ذلك يقول مسؤول فرع سوريا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عمر مراد «أبو المجد»، «وصلنا خبر رحيل أبو خالد العملة في وقت لا يزال يشهد فيه مخيم اليرموك، أحداثاً دموية ومواجهات مسلحة وانفجارات مختلفة. ربما الأوضاع الأمنية السيئة لم توفر ظروفاً مناسبة لمراسم تشييع مناسبة، تليق بالكادر القيادي الفلسطيني الراحل». ويضيف «ربما كنا نختلف أو نتفق كثيراً مع السياسة والنهج الذي كان يتبناه القيادي الراحل، في مفهومه للمقاومة والكفاح الفلسطيني المسلح، لا وقت لمناقشة هذه الأفكار الآن. شاركت مع عدد من كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في تشييع ووداع أبو خالد العملة إلى مثواه الأخير، فالواجب الإنساني يعلو ويسمو فوق أي اعتبارات أخرى». خلال السنوات الطويلة التي قضاها متنقلاً في المراكز العسكرية، عاش الراحل تفاصيل ومحطات كثيرة، كان عنوانها الأبرز هو التقلب والانقلاب. البداية كانت مع الجيش الأردني الذي تطوع فيه ووصل إلى رتبة عقيد، لكنه استقال لاحقاً ليلتحق بركب الثورة الفلسطينية، التي تزعمتها في ذلك الوقت حركة فتح بقيادة الزعيم الراحل ياسر عرفات عام 1965، قبل أن تبدأ سلسلة طويلة من الانشقاقات التي أنتجت العديد من فصائل المقاومة مختلفة التوجهات الآيديولوجية والفكرية.
المحطة الأبرز في حياة أبو خالد جاءت مع الانشقاق الذي قام به عام 1983 عن حركة فتح، ليشكل مع أصدقائه أبو صالح وأبو موسى وأبو فاخر حركة فتح-الانتفاضة، التي خرجت عن مسار حركة فتح الأم، بعد خلافات في وجهات النظر مع أبو عمار حول طبيعة علاقة الثورة الفلسطينية مع السياسة الغربية، وبعض الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام السوري، الذي بارك وأيد ودعم هذا الانشقاق، مما تسبب لاحقاً بمواجهات مسلحة دموية، في مناطق لبنانية مختلفة أثناء الحرب الأهلية ثم تورط في معارك المخيمات بين الفصائل الموالية لسوريا وأخرى موالية لعرفات. استمر أبو خالد العملة في منصبه مسؤولاً عن العمليات العسكرية في الحركة، وحاز على رضى وعلاقة إيجابية جيدة مع النظام السوري، مقابل ارتفاع حدة النقمة عليه وعلى حركته من قبل أطياف كثيرة من الشارع الفلسطيني، التي تتبنى مفاهيم ومبادئ فصائل فلسطينية أخرى، كانت وما تزال مؤمنة بالنهج الذي وضعه عرفات لحركة فتح الأم. وقف أبو خالد العملة مع رفاقه في فتح الانتفاضة في وجه اتفاقية أوسلو، مع أن تواجد الحركة محدود جداً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينحصر نشاطها وتواجد قواعدها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان. الحلقة الأخيرة من حياة أبو خالد السياسة، أعلنها أبو موسى، عندما أصدر في العام 2006 قراراً يقضي بفصله من الحركة، على خلفية ارتباطه ودعمه لحركة «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد، والذي كان السبب المباشر في نقمة النظام السوري على العملة، الذي اعتقل على أثره في دمشق مع بعض كوادر الحركة.
كذلك أحدث قرار الفصل احتجاجات واسعة ضمن كوادر حركة فتح الانتفاضة، عندما تبعته قرارات فصل أخرى طالت كل من أمين سر إقليم الأردن، إبراهيم عجوة «أبو يافا»، وهو من المقربين من العملة. وتراجع أبو موسى لاحقاً عن عملية الفصل المتخذة بحق أبو يافا تحت ضغط الاحتجاجات الواسعة ضمن الحركة، لكن لم يستطع أحد من أصدقاء وزملاء أبو خالد إعادة الاعتبار له، ليقضي السنوات الأخيرة من حياته منكفئاً على ذاته في منزله، يصارع المرض العضال حتى وافته المنية.