عمان | لم يكد تدبيج مقالات الولاء للقيادة الملكية في الأردن يخبو، بعد إلغاء وليّ العهد، الأمير حسين، زيارته للقدس وما أعقبها من منع طائرة رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من عبور المجال الجوي تجاه الإمارات، حتى جاءت الحادثة الأليمة في مستشفى حكومي في مدينة السلط (10 كلم غربي عمّان)، لتخرب كلّ شيء، بعدما تسبّب إهمال إداري في انقطاع الأوكسيجين في المستشفى ووفاة سبعة مرضى. أطاحت الحادثة وزير الصحة، نذير عبيدات، الذي قدّم استقالة أدبية بعد زيارته المستشفى، لكن سرعان ما قال المتحدّث باسم الحكومة إن الاستقالة جاءت «بأمر ملكي».

وسط حالة الغليان وفرض طوق أمني في المستشفى وحوله، توجَّه الملك ببزّته العسكرية إلى هناك، ووبَّخ مدير المستشفى علناً وأمر بإقالته. لكن الحادثة التي لا تخرج عن سياق التقصير الإداري «غير الجديد» في المملكة أخذت أبعاداً عدة، ولا سيما مع تداعيات التعديل الوزاري الأخير، ورسالة الملك إلى المخابرات لتحجيمها، واستمرار التخبُّط في التصريحات الحكومية حول «كورونا»، وعودة الحظر الجزئي الساعة 7 مساءً في المملكة، إضافة إلى الحظر الكلّي يوم الجمعة والتلويح بالحظر الشامل. كلّ ذلك في ظلّ وضع اقتصادي سيّئ، وارتفاع نسبة البطالة، وازدياد مقلق في عدد حالات الإصابة بالفيروس.
السخط على الحادثة تنامى، وتجاوَز التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي إلى خروج تظاهرات في مواقع محدَّدة عُرفت من قبل بأن حراكاتها البارزة معارضة للنظام، وخصوصاً في حي الطفايلة (عمّان الشرقية) وذيبان (70 كلم جنوبي عمّان)، وهتافاتها تطاول رأس الهرم، إضافة إلى تحرُّكات في محافظة البلقاء حيث تقع السلط. وأعادت هذه التحرُّكات، على محدوديتها، الهتافات ضدّ الملك والنهج الاقتصادي. وجاءت محاولات الاحتواء الأمني للحادثة كتحدٍّ أوّل لوزير الداخلية الجديد، العميد مازن الفراية، ذي الخلفية العسكرية، الذي جاء من قيادة «خلية الأزمة» المكلَّفة ملف كورونا إلى «الداخلية»، ليكلَّف أيضاً الآن تسيير أعمال وزارة الصحة بدلاً من عبيدات، ما يضع رئيس الوزراء، بشر الخصاونة، في موقف ضعيف جداً، وخاصة مع بروز الملك على الساحة وإمساكه بناصية المشهد ككلّ، وهذا يسحب مبدأ الوصاية العامة من الخصاونة تماماً ويضعفه أكثر، ولا سيما بالنظر إلى استقالة وزير العمل السابق، معن القطامين، بعد يوم واحد من أدائه اليمين أمام الملك لدى تسلّمه مهماته.

ظهر التخبُّط سريعاً في أداء حكومة مكتب الملك الضعيفة


من الواضح أن الملك يستعين الآن بالمؤسّسة العسكرية، ويعطيها المجال الأكبر في الساحة الداخلية، في ظلّ أمر دفاع ليس في جوهره ــــ بعد مرور عام على إصداره ــــ إلا قانون طوارئ ما من أفق لإنهائه. أمّا مستشارو الملك، فيبحثون عن شعبوية له بجعله ينخرط أكثر في الشأن الداخلي، وأن تبدو توجيهاته أكثر علنية وتتجاوز مهمّاته الدستورية لتصل إلى مهمّات رئيس الوزراء، وسط تصفيق كبير من التيار الليبرالي، وخاصة في أوساط الكتّاب والصحافيين، عدا الموالاة التقليدية. في المقابل، ظهر الأخ غير الشقيق للملك، ووليّ العهد السابق، الأمير حمزة، في السلط، مُقدِّماً واجب العزاء بأحد المتوفّين في الحادثة، وهو ما يعيد إلى الذاكرة تحجيم الملك إخوته الذكور، وتقاعدهم ــــ بعد رسائل من الملك إليهم ــــ من مهمّاتهم، مع الإبقاء على الأمير هاشم (الأخ غير الشقيق لعبد الله والشقيق لحمزة) في منصبه كبيراً للأمناء. وبهدوء تام، تمّ تعيين أمير آخر قبل مدّة وجيزة مكانه، بلا توجيه أيّ رسالة وفق البروتوكول المعمول به، وفي المدّة نفسها التي وجَّه الملك فيها رسالته إلى المخابرات.
على خطّ موازٍ، ومن دون سابق إنذار أو حتى سبب وجيه، برزت توجيهات السفارة الأميركية لمواطنيها، في العاشر من الشهر الجاري، بتجنُّب أماكن معينة في المملكة، منها السلط، بسبب خطر العمليات الإرهابية، علماً بأن آخر العمليات الإرهابية التي شهدتها المدينة كانت في أيلول/ سبتمبر 2018. وبعيداً من نظرية المؤامرة، أو ما إذا كان التحذير تصادف مع حادثة إدارية غير متعمَّدة، فإن الوضع الداخلي من بَعد قضية نقابة المعلمين قابل للانفجار في أيّ لحظة، والسخط موجَّه إلى عبد الله الثاني نفسه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا