غزّة | ليس جديداً ما أُثير عن فتح قنوات اتصال بين حركة «حماس» والقيادي المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان. التقارب بدأ تظهيره تدريجاً، حتى طفا على السطح حين حطّت أقدام ثلاث قيادات فتحاوية محسوبة على التيار الدحلاني أرض غزّة الشهر الفائت، وسط استقبال حمساوي رسمي ترأسه وكيل وزارة الخارجية غازي حمد، تزامناً مع رفع الشبان المؤيدين لدحلان صور زعيمهم على الملأ. سفيان أبو زايدة، وماجد أبو شمالة، وعلاء ياغي عبروا غزّة من خلال البوابة الاقتصادية المتمثّلة في افتتاح مشاريع إماراتية وفسح المجال أمام عمل لجنة التكافل الاجتماعي المموّلة من الإمارات.


غير أن «حماس» غلّفت ذلك بمبادرة رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية الإيجابية الداعية إلى احتضان القيادات الفتحاوية الفارّة من غزّة إبان أحداث الانقسام عام 2007، ليتبين في ما بعد أن جسر التواصل الذي أعيد بناؤه أخيراً بين «حماس» والتيار الدحلاني كان هدف الأولى، ممسكةً بذريعة تنشيط ملف المصالحة.

السر اقتصادي

لا يخفى على أحد أن «حماس» تكتوي اليوم بنار حصار مصر لها. ومع غياب كل الوسائل المباشرة لتطبيع العلاقة الحمساوية ـــ المصرية، انبرت الحركة إلى الارتكاز على طرق التفافية تتوسّط لها عند مصر، ويكون عنوانها هذه المرّة خصمها الأشرس محمد دحلان، بحكم علاقاته الوثيقة مع وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي والمخابرات المصرية. وجدت «حماس» أن منح تسهيلات لجماعة دحلان في غزّة قد يضغط باتجاه حل أزماتها، ويشرع الباب أمام التقاط أنفاسها، ففتحت ذراعيها على نحو غير معلن لدحلان عبر لجنة التكافل الاجتماعي التي تضخّ دولة الإمارات العربية أموال أنشطتها ومشاريعها المصوّبة نحو تيسير الزواج والإفطارات الجماعية، فضلاً عن مشروع مخصّص لإيواء الأسرى المحررين في مدينة سكنية مموّلة من الإمارات أيضاً. هذه اللجنة الناشطة في غزّة منذ نحو عامين تتخذ طابع التوافق الفصائلي شكلاً لإمرار إرادة «حماس» في إدارة الملف المالي المتعلّق بعمل اللجنة، وتحقيق شرط الإمارات بضرورة وجود التيار الدحلاني فيها. وزّعت اللجنة حقائبها على ستة فصائل، فنالت حركة «فتح» ملف العلاقات الاجتماعية، وأدارت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ملف الإعلام، فيما حظيت «حماس» بما اشترطت به على «فتح» لتسيير أمور اللجنة في غزّة، فامتلكت الحقيبة المالية بإدارة إسماعيل الأشقر.
وأخيراً، عاد ماجد أبو شمالة إلى الواجهة بعد أن اشترطت «حماس» وجوده في غزّة لتحويل الأموال للمشاريع الإسكانية الإماراتية، وذلك وفق ما أفادت به مصادر مطّلعة لـ«الأخبار». وكشفت المصادر عن أن وفداً من «حماس» التقى دحلان قبل نحو عام في الإمارات، ضمّ روحي مشتهى وصلاح البردويل وأحمد يوسف وإسماعيل الأشقر وآخرين، ورافقهم النائب عن «فتح» في المجلس التشريعي والمقرّب من دحلان أشرف جمعة. دحلان الذي يحظى بنفوذ قوي في الإمارات، حيث يعمل مستشاراً أمنياً لحاكم إمارة أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، رأت فيه «حماس» الرجل الأقوى لمهمة رفع الحصار المصري عنها عبر طرح ذلك على القيادة الإماراتية، طالما الأخيرة أكثر القيادات العربية مؤازرةً للمشير السيسي، وتحديداً في ما يتعلق بالشق المالي.


عودة الفتحاويين لا تندرج ضمن المصالحة

كذلك مدّت «حماس» اليد لدحلان عبر تفعيلٍ غير معلن في غزّة لدور مؤسسة التواصل الفلسطيني الإنساني «فتا» التي تمتلكه عقيلة دحلان، جليلة. «فتا» الناشطة في المجال الإغاثي في المخيمات الفلسطينية في الداخل والشتات آخر ما قدمته من مساعدات عاجلة لنحو 500 أسرة منكوبة في كانون الأول الماضي فترة ضرب المنخفض الجوي قطاع غزة.
وفي السياق ذاته، أكد عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، إبراهيم أبو النجا، لقاء عدد من نواب «فتح» و«حماس» في المجلس التشريعي بمحمد دحلان في الإمارات أكثر من مرة في الفترة الأخيرة بهدف تفعيل دور لجنة التكافل الاجتماعي المدعومة من الإمارات، مشيراً في حديث لـ«الأخبار» إلى أنه «ليس من حق أحد العمل في اللجنة والبحث عن التمويل للمشاريع» باسم نواب «فتح»، في إشارة واضحة إلى جماعة دحلان التي تتولّى هذه المهمات في اللجنة.
وحول مسألة التقارب ما بين دحلان و«حماس»، قال أبو النجا إن «دخول الشخصيات الثلاث التابعة لدحلان لقطاع غزّة لا يأتي ضمن سياق تعزيز المصالحة. كذلك فإن «فتح» لم تكلّفهم البتة زيارة غزّة لبحث شأن المصالحة»، موضحاً أن «مبادرة هنية بخصوص عودة الفتحاويين إلى غزّة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعدّ تحريكاً لعجلة المصالحة، لأن طريق الأخيرة واضح يتمثّل في تنفيذ ما اتُّفق عليه في الدوحة والقاهرة». وحول سؤال «الأخبار» عمّا إذا كان دحلان معنيّاً بإحداث انشقاقات وتصدّعات داخل «فتح» عبر التواصل مع «حماس»، قال أبو النجا إن «محمد دحلان زار مصر الشهر الفائت بصحبة وفد إماراتي، ما يعني استقواءه بالخارج لتحقيق أهدافه الخاصة»، مشدداً على أن «من يخرج عن إطاره وسربه ويتسلّح بآخرين، لا نجد له دعماً أو تأييداً». ولفت في حديثه إلى تنامي دور مجموعة من شأنها أن تشكّل إزعاجاً حقيقية للسلطة الفلسطينية و«فتح»، مستبعداً في الوقت ذاته اتساع نفوذ هذه المجموعة في غزّة؛ لأن «حماس» تحكم قبضتها على القطاع.

انقسام في صفوف «حماس»

تشهد مسألة السماح لدحلان بزيارة غزّة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة انقساماً حاداً بين القيادتين السياسية والعسكرية لحركة «حماس»، حسب ما أفاد به مصدر مقرّب من الحركة لـ«الأخبار». الحركة ترفض بنحو قاطع عودة دحلان إلى غزّة على عكس القيادة السياسية التي لمحت إلى دراسة الموضوع مستقبلاً وإمكانيّة الانفتاح معه، بحسب ما اكد الناطق باسمها صلاح البردويل. غير أن أصواتاً حمساوية أخرى كمحمود الزهار ويحيى موسى ترفض التحالف مع دحلان بهدف كسر الحصار عن غزّة.
القيادي الحمساوي يحيى موسى شدد في حديث لـ«الأخبار» على أنه «لا يمكننا أن نتعامل مع المقاولين. موقفنا واضح من هذه الشخصيات، كذلك فإن «حماس» تدرك أن فكّ الحصار لن يجيد دوره شخصٌ ما كدحلان»، مؤكداً أن عودة القيادات الفتحاوية الثلاث إلى القطاع جاءت كمطلب فتحاوي دائم من «حماس»، غير مرتبطة بترميم العلاقات مع دحلان. وأضاف موسى: «حماس ترفض أداء دور التناقضات البينية داخل «فتح» ودعم الانشقاقات بصفوفها، فلا تقف مع صف ضد آخر، كذلك فإنها لا تساوم على مبادئها وثوابتها مهما كانت الإشكاليات».

دحلان أم حماس؟

في غزّة من يعتقد بأن «حماس» تضرب بالتقارب من دحلان عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية تحسّن علاقاتها المتهاوية مع الحاكم المصري الحالي، ومن ناحية أخرى تنتهز سوء العلاقة بين دحلان واللجنة المركزية لحركة «فتح» لإحداث انقسامات وتفسّخات جديدة داخل الحركة. المحلل السياسي إبراهيم أبراش أوضح أن «ما اعتبره هنية في خطابه منتصف كانون الثاني الماضي تنازلات لحركة فتح لإنجاح المصالحة، هي في الحقيقة تنازلات لمصالحة مع محمد دحلان، لا مع فتح الشرعية التي يمثلها الرئيس محمود عباس». وتساءل أبراش، في حديث لـ«الأخبار»: «هل سيكون محمد دحلان أول من يستجيب لدعوة إسماعيل هنية للشراكة في إدارة قطاع غزّة ومواجهة الرئيس محمود عباس عدوهم المشترك؟ وهل ستكون عودة دحلان تمهيداً لسيطرته الكاملة على السلطة والحكم في القطاع بمباركة ودعم مصري وعربي وأميركي وإسرائيلي؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة وسترى من يضحك على من؟ دحلان أم «حماس»؟

الرئيس المقبل!

محمد دحلان المشهور بانتهازيته واقتناصه للفرص يستغل حالياً مسألة تحالفه غير المعلن مع «حماس» ليوجه لخصمه الفتحاوي محمود عباس ضربة قوية، من أجل تحييده عن المشهد والضغط باتجاه تقلّده منصب رئيس السلطة الفلسطينية. كل الظروف مواتية لتحقيق مآرب دحلان، فقيادة الاحتلال الإسرائيلي ترى فيه الرجل الأقدر على تحقيق تسوية شاملة معها وتقديم المزيد من التنازلات، وهو ما لمّحت اليه صحيفة «معاريف» بحديثها عن لقاء مبعوث رئيس حكومة الاحتلال، يتسحاق مولخو، بدحلان في دبي. كذلك طلبت القيادة المصرية في أكثر من مناسبة إعادة دحلان لغزّة، في ظل حالة التوتر الأمني التي تعيشها شبه جزيرة سيناء. غير أن عباس زار الرياض في شهر تشرين الثاني الماضي للاحتجاج على مطالبة السيسي له بإعادة دحلان للحركة وتنصيبه على غزّة.

يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | @OroubaAyyoubOth




رجل دايتون

شغل محمد دحلان مناصب عدّة، أبرزها رئاسة جهاز الأمن الوقائي في غزّة ومستشار الرئيس للأمن القومي ووزيراً للداخلية حين كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس رئيساً للوزراء عام 2003. يعتبر من أهم الشخصيات التي تولّت مهمات تعزيز وجود التيار الفلسطيني «المعتدل» مقابل قمع كل قوى المقاومة، وخصوصاً حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وذلك بإيعاز إسرائيلي أميركي تمثّل بالتحديد في خطة «دايتون» التي عملت على تحسين القدرة التنفيذية لأمن الرئاسة وتدريب الجنود وتحصين المقارّ وتزويدها بالسلاح غير القاتل للقضاء على حاملي لواء الكفاح المسلّح.
لم يفوّت دحلان آنذاك أي فرصة لتعذيب وقتل معارضي أتفاقية «أوسلو» في سجون الأمن الوقائي الذي ترأسه من عام 1994 حتى 2001، فضلاً عن خلقه لحالة فوضى عارمة في القطاع عبر تشكيله لـ«فرق الموت» التي صفّت كثيراً من الشخصيات المعارضة للسلطة، إضافةً إلى محاولة تنفيذه مخططاً أميركياً لإفشال حكم «حماس» في غزّة. كل ما سبق كان كفيلاً بعداء «حماس» لدحلان الذي لاذ بالفرار من غزّة عام 2007، متوّعداً حماس، ومتحدياً لها بالقول: «حرقصهم خمسة بلدي» و«قناصة مش قناصة. خلي «حماس» تطخني». إلا أن رياح التغيير التي هبّت على مصر وتأثّرت «حماس» بها بشكل جلي دفعتها إلى طيّ صفحة العداء التام مع دحلان، والتفكير بنسج علاقةٍ مرنة نسبياً معه.
تربط دحلان علاقة صداقة قوية برئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان الذي يودّ، كما الإمارات، اقتلاع جذور «حماس» من غزّة. تجدر الإشارة إلى أن الحرب الشعواء بين عباس ودحلان قرعت طبولها حين طلب الأخير من ابو مازن فتح الملف المالي لحركة «فتح» وتقرير مصير الأموال التي كانت تحت رقابة الرئيس الراحل ياسر عرفات، أي السعي إلى وراثة عباس وهو حيّ. هذا الأمر حدا عباس إلى فصل دحلان من اللجنة المركزية عام 2011 وسط موافقة 13 عضواً في اللجنة على ذلك وبتصديق المجلس الثوري للحركة. ومنذ ذلك العام حتى اللحظة، لم تنخمد الانتقادات والاتهامات ما بين الطرفين، فاللجنة المركزية وصفت دحلان بأنه «صاحب مشروع تآمري»، وقالت إنه طُرد من حركة فتح لـ«مسؤوليته المباشرة عن اغتيال العديد من كوادر حركة فتح في قطاع غزة، إضافةً إلى سوء استغلال منصبه بعد أن جمع ملايين الدولارات بنحو غير قانوني وغير شرعي لحسابه الخاص».