لا يزال قرار وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الصادر في 11 كانون الثاني/جانفي الماضي، بجعل تعليم لغة «تمازيغت» (الأمازيغية) إجبارياً في معاهد إعداد الأئمة في ولايات البويرة وتيزي أوزو وباتنة، يُشعل النقاش في الجزائر. فإذا كان بعض المعلقين قد أشادوا بهذا القرار، باعتباره يُشكِّل تقدماً حاسماً على طريق تكريس التنوع الثقافي ودمج هذه «اللغة» في بوتقة هوية متعددة، إلا أنّه استُقبل بريبة من العديد من المراقبين الذين يرون فيه رغبة في إعادة النظر بأسس الهوية العربية ــ الإسلامية.


في عام 2002، حصلت الـ«تمازيغت» على صفة اللغة الوطنية بموجب المادة 3 مكرر من الدستور الجزائري، وبعد ذلك، عُمم تدريسها بنحو واسع في المناطق التي تُعدُّ متداولة فيها. لكن ناشطي الحركة الأمازيغيّة اعتبروا أن تعليم الـ«تمازيغت» لا يزال اختيارياً، إذ إنّ القرار يُمثِّلُ استراتيجية سياسية تهدف إلى حصر نطاق تعليمها بغية إبقائها في مصافّ «اللغة من الدرجة الثانية» والحفاظ على هيمنة العربية الكلاسيكية (التي يُرسِّخها قانون صادر في 16 كانون الثاني/يناير 1991 والذي ينص على «تعميم استخدام اللغة العربية»، ولكنه جُمِّد في العام التالي مع وصول محمد بوضياف إلى الحكم، قبل أن يُعاد تطبيقه من جديد عام 1996 ويدخل حيز التنفيذ في 5 تموز/يوليو 1998).
وبالتالي، تأخذ هذه المسألة اللغوية شكل الرهان المركزي بين مطالب ثقافية متزايدة لناشطي القضية الأمازيغيّة المدافعين عن «الإحياء الهوياتي». لكن البعض يتهم هذا التيار بحمله رغبة في إحداث تمزق هوياتي من خلال إعطاء اللغة الأمازيغية مكانة في تعريف هوية الجزائر، وبالسعي إلى إعادة إنتاج هوية للشعب الجزائري متعارضة مع التاريخ والثقافة العربية السليمة.
وعلى الرغم من أنّ الهوية تتشكل على أساس اجتماعي وليس على أسس عرقية أو بيولوجية، فإنّ «الرفض الغريزي» للعروبة من أنصار الأمازيغية في الجزائر يتغذى من تمثُّلات تاريخية متمحورة حول عرقية بربرية شكّلها «الدب الاستعماري» الذي نصّب أساطير حول الخصوصيات المميزة «للبربريين» (مصطلح استعماري)، وأكساهم خصوصية تاريخية. وبالتالي أثّرت هذه الأنثروبولوجيا الاستعمارية، التي تعزز الرؤية السكونيّة والواحديّة للهوية الاجتماعيّة، بشكل واسع في إنتاج هذه الهوية البربرية.
يرتبط هذا البناء لذاكرة جمعية وهوية مميزة حصرياً بجمود المخيال الجمعي، ويتعاظم مع تفاقم الأزمة متعددة الأشكال التي تواجهها الجزائر منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ولأنّ الهوية متحركة في الواقع، ومعقدة، فإنّها لا تدور حول نواة مركزية حصرية، بل حول كوكبة هويات جزئية تنهار مع دخول كل مكون في أزمة. ومما حفّز ضعف الوعي القومي تحت تأثيرات ممزوجة للحصار السياسي وتخريب استراتيجية التنمية ذات التركيز الذاتي لمصلحة ميثاق استعماري جديد، يفرض تبعية للرأسمالية المركزية. الانحسار المنكفئ على هوية أمازيغية غير مكتملة تكافح للبقاء على قيد الحياة هو نتيجة لتصور عرقي وجامد للهوية. بناءً على ذلك، تظهر خيبة الأمل كنتيجة طبيعية للتشكيك في التوزيع الاجتماعي للدخل والفقر المستشري.
خلقت التصفية الأيديولوجية والاقتصادية للتراث الثوري والاشتراكي الجزائري تحت الضربات المتكررة للهجوم الليبرالي الذي أدى إلى عودة توزيع العائد إلى شكله السابق وتحول جهاز الدولة، وما تلا ذلك من رعب تسعينيات القرن الماضي، أرضيّة ملائمة لما سمّاه المفكر اللبناني جورج قرم «إنكار الوعي الجمعي»، والانطواء على هويات ثقافية عتيقة أو إقليمية سابقة. وتبدو الهوية الأمازيغية «ملاذاً» يعكس رغبة في إحداث قطيعة جذريّة مع أيديولوجية سلطة «فقدت شرعيتها» ومع العالم الثقافي العربي في آن واحد.
اليوم، يقوم أنصار أمازيغية الجزائر بتقويض تنوّع اللهجات البربرية المختلفة (القبائلية، الشاوية، الشاوية، الساحلية، الشناوية، الميزابية، الطوارقيّة، التشلحيت، التقارقرنت، والزينيت) لمحاولة تأكيد هيمنة القبائل (اللهجة القبائلية) التي تستوعب جميع هذه المتغيرات من أجل أن تفرض نفسها مرجعاً وتحلّ محل العربية.
من الناحية اللغوية، لا تعكس الأمازيغية المدروسة التنوع اللغوي للبربر ولا هي لغة موحدة معيارياً بشكل حقيقي، بل تفصح أكثر عن القواعد التي سنّتها غالبية قبائلية داخل حركة بربرية أقلية. من ناحية أخرى، هؤلاء الذين يطالبون في الوقت الحالي بتعميم تعليم الأمازيغية لا يزالون بعيدين عن الاتفاق حول الأبجدية التي ينبغي تبنيها في الدراسة. وهكذا، فإن رئيس هيئة العلماء المسلمين الجزائرية، عبد الرزاق قسوم، يُصرُّ على كتابة الأمازيغية باستخدام الأبجديّة العربية، فيما يُقدِّر آخرون مثل الروائي والكاتب الجزائري أمين الزاوي، أنّ «الطريق نحو الحداثة سيكون أسهل للغة الأمازيغية بتبني أبجدية لاتينية».
وحدها «الأكاديميّة الأمازيغيّة» ــ المعلنة من قبل السلطات الجزائرية ــ يُمكنها أن تسوّي مجمل المسائل التقنية المتعلقة بإعداد الكتب باللغة المازيغية من أجل توفيق استخدامها. لكن من الناحية القانونية، يُعدُّ شرطاً مسبقاً وإلزامياً إخضاع تعريف اللغة الأمازيغية (تمهيداً لتدريسها) بغية إيجاد الأكاديمية التي ستُنشئ بموجب إطار قانون تنظيمي لا يزال قيد الانتظار. إلى ذلك الحين، قرارات الوزارات المختلفة تعميم اللغة الأمازيغية أو جعل تعليمها إجبارياً، حتى قبل ولادة الأكاديميّة، التي تبدو إقامتها متوافقةً مع أحكام الدستور الجزائري.