■بعد هجوم باردو، السؤال الطبيعي هو عن حجم المخاوف. كيف تقدّرونها؟

المخاوف جدية، وكانت لها صبغة إلى حد ما محلية، لكن الآن أصبحت لها صبغة دولية. في الحقيقة، الأعمال الإرهابية بدأت منذ 2011 وكبدت للجيش والأمن ما يقارب 70 ضحية.
كان هناك (سباق) صراع بين اتجاهين: ديموقراطي يحاول إثبات الديموقراطية وتدعيمها، واتجاه عنيف يحاول إسقاط هذه التجربة. وكانت هذه المخاوف داخلية، أي إنّ الحجم والأطراف الفاعلة كانت محلية، حتى إنّ الطرف الأهم، ما يسمى أنصار الشريعة، كان طرفاً داخلياً، ثم ارتبطت العملية بأطراف خارجية، أي بالقاعدة أولاً والآن بداعش، وبالتالي حجم المخاوف كبير لتداخل الداخلي مع الخارجي.

لكن هذه التهديدات في حدّ ذاتها، من الجانب الأمني فقط، قد لا تكون خطرة لسببين: لأن الجيش والأمن قائمان بدوريهما، وثانياً لغياب أي قاعدة وحاضنة اجتماعية للإرهاب. وبالتالي ستكون عمليات معزولة، عمليات تصدم الرأي العام، النتائج ستكون مباشرة(؟) لا. لكن بطريقة غير مباشرة. الهدف هو إضعاف المسار وتعميق الأزمة الاقتصادية، وبالتالي تأثيراتها ستكون لا كحركة إرهابية بل كحركة لها تأثيرات على الجانب السياسي... في المجال العسكري، الظاهرة في سياق تطويقها، لكن لها انعكاسات على المجال السياسي، وهو إضعاف الاقتصاد التونسي، وبالتالي ربما الإجهاز على النظام في مرحلة ثانية، أي إدخال البلد في نوع من الضعف والهون، ومن هنا البلبلة، والسقوط في الاتجاه نحو الحل الليبي، لكن هذا صعب جداً.

مفهوم الوحدة الوطنية قديم في تونس، ويعود إلى زمن الحركة الوطنية في الأربعينيات

■عندما تقولون إنّ الظاهرة مطوّقة عسكرياً، هل تعتقدون فعلاً أن للمؤسستين، العسكرية والأمنية، القدرات الكافية؟
عندما أقول مطوّقة، ربما أبدو متفائلاً. لكن هذا في ذاك، أي حجم العمليات، وإمكانيات الجيش والشرطة، ولو أنها محدودة، إلا أنها من الفاعلية. (الاستعدادت) متأتية أكثر من الاستعداد المعنوي، وربما هذا غير موجود في بعض الجيوش الأخرى كما رأينا في العراق، واستعداد سياسي ووطنية، أكثر منه إمكانيات مادية، ربما هذا هو الجانب الذي أردت الإشارة إليه. تطويقها من الناحية هذه. لكن الجيش والأمن، صحيح، ليس لهما المعدات التقنية الكافية...

■ اليوم يعود الحديث عن الوحدة الوطنية بعدما سمعنا كثيراً عن «التوافقات» في مرحلة سابقة. أولاً، ماذا يعني هذا الكلام؟ وثانياً، ألا تعتقدون أنّ ذلك يضع حدوداً (يكبّل) للعملية السياسية؟
لا أتصور ذلك. توافقات سياسية كانت بين أطراف متنازعة حول بعض (الأمور) السياسية. (أما) مفهوم الوحدة الوطنية، فهو مفهوم قديم في تونس، يعود إلى الأربعينيات عندما قادت الحركة الوطنية المعركة، وكان المفهوم الأساسي هو الوحدة الوطنية، أي وحدة كل الأطراف في النضال ضد الاستعمار، ثم خلقت نوعاً من الايديولوجيا، أي ما بعد الاستقلال الوحدة الوطنية كانت ضد التخلف. وبالتالي تحت «يافطة» الوحدة الوطنية كانت هناك ممارسات تسلطية؛ الوحدة الوطنية كانت العنوان الكبير... لكن بعد الثورة والتعددية السياسية، فإنّ الوحدة الوطنية تعني تضافر كل الجهود وعدم الانقسام إزاء عدو داخلي، أي الإرهاب...

■ «نداء تونس» الحاكم يواجه خلافات داخلية، وفعلياً لا يزال طرفاً، أو حزباً، غير مفهوم. كيف تعرّفونه؟ هل هو قادر على الحكم؟
أولاً... يحوم غموض حول نداء تونس لأن الناس في العالم العربي اعتادت الأحزاب العقائدية والايديولوجية... نداء تونس مشكّل على شاكلة الحركة الوطنية (في تونس)، من أربعة أطراف: دستوريون لم يتورطوا مع نظام بن علي، النقابيون بقيادة الطيب البكوش الذي كان أميناً عاماً للاتحاد العام التونسي للشغل، اليسار مثل بوجمعة الرميلي ومحمود بن رمضان، ومستقلون، إضافة إلى مثقفين. هذا على الأقل على مستوى القيادات، وخلق زخماً كبيراً في ظرف عام ونصف، لا لشيء، وإنما لخلق التوازن وإزاحة الإسلاميين عن الحكم، ونجحوا في ذلك.
اليوم، نداء تونس، نظراً إلى هذه التركيبة التي تبدو هجينة... دخل في أزمة. السؤال: هل ستكون أزمة تطور نظراً إلى أنه حزب شاب جديد وحزب حكم؟ أو تكون قاصمة الظهر؟ أي، ينقسم الحزب؟ وإذا انقسم الحزب، فيا خيبة المسعى، لماذا؟ لأن النهضة نفسها تحتاج إلى طرف توازني، لأن مشكلة النهضة أنها وجدت نفسها طرفاً قوياً أمام أطراف ضعيفة جداً وسقطت في محاولة فرض ديكتاتورية سياسية وأسلمة مجتمع. بخلق التوازن، رجعت إلى مواقف عقلانية. إذا انقسم نداء تونس، فإن النهضة ستجد نفسها في المربع الأول، وبالتالي سيدخل البلد في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. وبالتالي حتى النهضة لها مصلحة في ألا ينقسم نداء تونس، فضلاً عن المجتمع المدني والقوى الدولية، وأمام الخطر الداهم...

■ هل تؤمن بشخصية الباجي قائد السبسي؟ أي، هل تؤمن، مثلما يهوى محبّوه القول، بأنه باني الجمهورية الثانية؟
نعم بالطبع، أنا كنت معه ودافعت عنه وساعدت وكنت معهم إلى حدود انتخاب مجلس النواب، ثم انسحبت. أنا من الذين كان لهم خلاف كبير مع الباجي قائد السبسي، حتى في مرحلة كتبت ضده مقالتين... هو شخص كاريزماتي في غير زمانه؛ في زمن الديموقراطية لا نحتاج إلى كاريزما، نحتاج إلى قائد حركة ليبرالية... (نحتاج إلى) شخصيات تقود أحزاباً؛ (راشد) الغنوشي ليس كاريزماتياً بل يقود حزباً، عقائدياً. الباجي قائد السبسي لا، له كاريزما استثنائية مستمدة من شخصه، (أي) من التجربة البورقيبية؛ عايش بورقيبة واستقى منه كل التقنيات (الخطابة وغير ذلك)، وهو الذي استطاع جمع (أطراف النداء)... والأزمة متأتية من أنه خرج من الحزب وذهب القصر. لو كان في الحزب لما حدثت هذه الأزمة. وهذا الخلاف معه: كان يدير نداء تونس بطريقة تقليدية كاريزماتية، أي غير مؤسساتية. هو شخص موهوب ولكن (...) له مسافة مع المؤسسات، وهذا ما يجعل لديه بعض النواقص... هو جزء من مشكل نداء تونس، وجزء من الحل، أيضاً.
(...) هو كان الشخص الاستثنائي الوحيد الذي كان قادراً على الجمع؛ كان من غير الممكن إزاحة النهضة من دون ائتلاف كبير. وهو كان الوحيد القادر على ذلك، ليربط الماضي مع الحاضر. وهو ليبرالي، وكل الانتقادات الموجهة ضده أنه تسلطي وديكتاتوري غير صحيحة.

■ إلى جانب الحديث عن «النداء»، في ما يخص «حركة النهضة»، ألا ترون أنها ظُلمت؟
لا لم تظلم. من ناحية «الميديا» أنا كنت أقرأ تقارير (عن اعتداءات عنف) على الصحافيين من طرف ميليشيات في فترة حكمها؛ اغتيالات، ليست مسؤولة عنها؛ تردي الوضع الأمني؛ السلفية؛ الأئمة الأجانب الذين أتوا بالمئات لأسلمة المجتمع والذين كانوا جزءاً أو أحد الأسباب الكبرى لذهاب الشباب التونسي إلى سوريا. يعني كانت لها ممارسات تسلطية.
(...) في بلد آخر لا يترك لها الحكم بهذه الطريقة... في بلد آخر، وهذا ما حصل في مصر، ما إن رأوا أن البلد ذاهب إلى الإفلاس حتى تصرفوا بطريقة أخرى؛ في تونس، استطعنا أن نخرج من الأزمة عبر حوار وطني وعبر انتخابات....

■ بالحديث عن تجارب أخرى، هل «النهضة» تنتمي فعلاً إلى «الإخوان»؟
تاريخياً هي ضمن الإخوان. وعندما أنشئت (تخلقت) حركة النهضة حميد النيفر وبعض الأطراف ذهبوا وأعلنوا البيعة، هذا موجود في تاريخ حركة النهضة، (إضافة إلى الحديث عن الارتباطات الراهنة)
لكن ما حدث، يبدو لي أن النهضة، خلافاً للإخوان المسلمين الذي خلقوا حزباً سياسياً (العدالة والحرية) وأبقوا الحزب الديني (أي الإخوان)، النهضة أدخلت الواحد في الآخر، وبالتالي سمح ذلك للسياسيين بالتفوق والهيمنة على العقائديين. بينما في مصر العقائديون منظمون في الإخوان المسلمين ــ هم الذين يحددون ممارسات السياسيين في حزب العدالة.
ثانياً، النهضة (... لها تركيبة جعلت العنصر الثقافي مختلفاً). ثم أخيراً، النهضة انصهرت في الإرث التونسي، الإرث الإصلاحي، وقبلت به. وأخيراً وليس بآخر، ما حدث في مصر دفعها مباشرة إلى الحوار؛ فهمَت أنه لا يمكن لها تنمية المجتمع وفرض مشيئتها عليه. وبالتالي فهمت أنه كان عليها القيام بتنازلات، وقامت بذلك.
يمكن أن نقول إن حركة النهضة ذهبت إلى التونسة، أي إنها اختلفت في هذا الاتجاه مع الإخوان المسلمين. وشخصية راشد الغنوشي، أيضاً، لعبت دوراً. عاش في لندن، ولما رجع إلى تونس أراد أن يطبّق أفكاره... ولكنه كان براغماتياً. عندما فهم أنّ هذا الطريق مسدود، غيّر سياسته مباشرة... خرج على المشروع الإسلامي الكلاسيكي.




حمادي الرديسي، من أبرز المتخصصين التونسيين في مجال العلوم السياسية، وهو من الوجوه العربية ــ القليلة ــ المنشغلة راهناً بمسألة التحوّل الديموقراطي. وهو أيضاً مفكر عربي اشتهرت له كتابات «حداثية»، أبرزها «الاستثناء الإسلامي». غالباً ما يحضر إلى بيروت، حيث يحاضر في معهد العلوم السياسية لجامعة القديس يوسف.