أدرجت وزارة الخارجية الأميركية «كتائب حزب الله ـــ العراق» على لائحة الإرهاب في شهر تموز من العام الماضي، بعدما مهّدت الاستخبارات المركزية لهذه الخطوة منتصف عام 2008، بتصنيفها قاذف «بي 29» المضاد للدروع «خطراً على الأمن القومي الأميركي» بسبب الدمار الذي أحدثه استخدام هذا السلاح بدباباتها في العراق


علي شهاب
ليس الحديث الأميركي عن «كتائب حزب الله في العراق» جديداً، فقد ذكر قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي دايفيد بترايوس والسفير الأميركي في بغداد ريان كروكر هذا الفصيل أكثر من مرة في تقريرهما المشترك أمام الكونغرس مطلع عام 2008، فيما كان الناطق باسم الاحتلال الجنرال دايفيد برغنر يصف الكتائب بأنها «أبرز فصيل يهدد استقرار العراق».
خلال الأسبوع الأول الذي تلى اغتيال المسؤول العسكري لحزب الله عماد مغنية، في الثاني عشر من شهر شباط 2008، تعرضت قواعد الاحتلال الأميركي في بغداد لقصف صاروخي عنيف. يومها، أظهرت مشاهد العمليات المصوّرة، التي بُثت على شبكة الإنترنت، صواريخ من عيارات مختلفة كُتب عليها «ثأراً لدم الشهيد الحاج عماد مغنية» مع صورة لمغنيّة ذُيّلت بتوقيع «كتائب حزب الله ـــــ المقاومة الإسلامية في العراق».
لم تكن هذه الأساليب غريبة عن غرف عمليات الجيشين الأميركي والبريطاني، اللذين عايشاها بعد أسابيع من غزو العراق عام 2003، حين انفجرت أول عبوة خارقة للدروع بدورية أميركية. حينها، ظلّ الجيش الأميركي يوحي بأنه يواجه عدواً غامضاً، حتى تشرين الأول 2005، حين أعلن السفير البريطاني في العراق، وليام باتي، أن إيران تزوّد المقاومة العراقية بـ«تكنولوجيا مميتة».
وتبنّت مجموعات متفرقة المسؤولية عن عمليات نوعية تحت أسماء «كتائب كربلاء»، و«كتائب العباس»، و«كتائب زيد بن علي»، و«كتائب علي الأكبر» و«كتائب السجّاد». بثّت هذه الكتائب صور عملياتها على الإنترنت، إلى أن صدر بيان موحّد في الحادي والعشرين من شهر آب 2007 أطلق تسمية «كتائب حزب الله» على هذه المجموعات.

الأهداف والرؤية السياسية

تشير دراسات غربية إلى أنه قبل غزو العراق بنحو أربعة أشهر، بدأ شبّان عراقيون، ممن يناصرون الثورة الإسلامية في إيران، بالتخطيط لتأسيس تنظيم مسلح يعكس خيار شريحة واسعة من الشعب العراقي.
وبالاعتماد على ما تيسّر من أسلحة وعبوات مصنَّعة محليّاً، انطلقت العمليات ضد الاحتلال، فكانت باكورة الهجمات في تشرين الأول 2003 ضد آلية أميركية في العاصمة بغداد.
وبحسب المعلن في بيانها الأول، تهدف «كتائب حزب الله» إلى تحرير العراق من الاحتلال، مع رفضها «جميع المعاهدات والاتفاقيات التي فُرضت» على شعبه.
وفيما يتضمّن البيان أدبيات أمميّة وثوريّة وعقائدية شبيهة بتلك التي تستخدمها حركات إسلامية أخرى في بقع جغرافية متعددة، يبدو واضحاً من خلال مواد إعلامية عديدة أن «كتائب حزب الله» في العراق ترتكز على نظرية ولاية الفقيه المتمثلة حالياً بمرجعية المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، فضلاً عن حيّز خاص تُفرده الكتائب في خطابها إلى محمد باقر الصدر والإمام الخميني.
وبالنسبة إلى الموقف من تنظيم «القاعدة»، تميّز الكتائب ما بين أفراد متورطين مع أجهزة استخبارات إقليمية ودولية وآخرين «ينطلقون من دوافع وطنية وإسلامية ويستهدفون الاحتلال مباشرة»، علماً بأنه، بخلاف الكثير من الفصائل العراقية، تعتمد «كتائب حزب الله في العراق» على خطاب واضح يتجنّب استفزاز «القاعدة».
وينعكس هذا الخطاب ميدانياً، حيث أعلنت الكتائب مراراً تنفيذ عمليات مشتركة مع فصائل أخرى، وتحديداً مع «عصائب أهل الحق».
وفي ما يخصّ الدول المجاورة للعراق، يبدو جليّاً، من خلال بياناتها، الموقف السلبي من الأردن والسعودية والإمارات «التي تموّل مجالس الصحوات»، في مقابل نظرة إيجابية إزاء إيران وسوريا «اللتين تدعمان الأحرار» في المنطقة.
أما العلاقة مع التيار الصدري، فهي محكومة بالتوافق لكون العديد من كوادر «كتائب حزب الله في العراق» خرجوا من رحم التجربة الصدرية. غير أن الوضع مختلف مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية المطالب بـ«العودة إلى المنبع الأصلي للثورة».

التسليح

كما هي حال المجموعات التي تخوض حرب عصابات، يعمل المقاتلون في «كتائب حزب الله ـــــ العراق» ضمن مجموعات صغيرة منفصلة بعضها عن بعض، فلا رابط مباشراً بين مجموعات تأمين السلاح ونقله والاستطلاع والتنفيذ.
وبحسب المعلن في البيانات والمواد الإعلامية الصادرة عنها، تبرز الأسلحة والذخائر التالية في عمليات الكتائب:
ـــــ صواريخ «الأشتر»، وهي عبارة عن عبوات طائرة تعمل بـ«البروبان» وغيرها من المواد. استخدمت للمرة الأولى في عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي. وبحسب دراسات أميركية، تصنع هذه الصواريخ داخل العراق. وتستخدمها الكتائب في عمليات قصف لقواعد أميركية من مسافات قريبة، بحسب ما تُظهر الأشرطة المصوّرة.
ـــــ العبوات الخارقة للدروع «EFP»، وهي سلاح حصري بكتائب حزب الله و«عصائب أهل الحق»، وفقاً لشهادات وتقارير استخبارية وعسكرية أميركية. تستفيد الكتائب من أسلوب العمليات المزدوجة خلال استخدام هذه العبوات من خلال وضع عبوتين تضرب الأولى الهدف، فيما تستهدف الثانية جنود الاحتلال أثناء تجمّعهم بعد انفجار الأولى. تكمن خطورة هذه العبوات في كونها تُزرع إلى جانب الطرق، ولا تحتاج إلى الحفر في الأرض، بالاستفادة من قابلية التمويه، بحيث تتخذ أشكال صخرة أو أي عنصر موجود في الطبيعة، ما يعقّد اكتشافها. كذلك تمتاز هذه العبوات بكونها غير قابلة للتعطيل بواسطة التشويش الإلكتروني. تستخدم بعض أجهزة إرسال إشارات التفجير لهذه العبوات الموجة نفسها التي استخدمت ضد القوات الإسرائيلية في لبنان، بحسب تقرير وضعه خبير عسكري أميركي لمصلحة «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى».
ونقلت «نيويورك تايمز» عن محلّلين في أجهزة الاستخبارات الأميركية قولهم إن أجزاء العبوة الخارقة للدروع المستخدمة في العراق موجودة في مكان واحد في العالم: لبنان، حين سلّمت إيران في عام 1998 السلسلة نفسها من هذه العبوات إلى حزب الله.
ويعدّ هذا السلاح الأخطر بالنسبة إلى القوات الأميركية؛ إذ يشير تقرير معهد «أميركان أنتربرايز» الدوري عن الخسائر في العراق إلى أن 99 في المئة من الهجمات التي استهدفت القوات الأميركية في حزيران الماضي، كانت باستخدام «أسلحة خارقة للدروع شديدة الانفجار».
ـــــ قاذف «بي ــ 29»، وهو سلاح حصري بكتائب حزب الله، بحسب القائد السابق للمنطقة الأميركية الوسطى، جون أبي زيد، الذي أعلن، في مؤتمر صحافي في شباط 2007، العثور بحوزة الميليشيات الشيعية على صواريخ صينية الصنع يمكن أن تصل إلى مسافات بعيدة.
ــ قذائف الهاون من عيارات مختلفة، فضلاً عن صواريخ «غراد» و«كاتيوشا» وصواريخ من عيار 107 مليمترات وصواريخ من عيار 240 مليمتراً استخدمت في قصف تجمعات للبريطانيين في مطار البصرة، علماً بأن 80 في المئة من الصواريخ التي تُطلق على المنطقة الخضراء منذ مطلع عام 2009 «تُطلق من مدينة الصدر»، بحسب العقيد ألين باشكلت.
ـــــ أنواع تقليدية من أسلحة الدفاع الجوي كصاروخ «ستريلا» الذي أسقط مروحية «أباتشي» في 31 تموز 2006 خارج قاعدة أميركية في بغداد.
على صعيد التكتيك، تطوّر «كتائب حزب الله» أساليبها وفقاً لتموضع قوات الاحتلال. في بعض الهجمات، يصل عدد الصواريخ المُطلقة دفعة واحدة إلى خمسين.
على الصعيد الجغرافي، تتركز معظم عمليات «كتائب حزب الله» في العاصمة بغداد، مع بعض المحاولات في البصرة والناصرية والجنوب عموماً.

كتائب وتنظيمات أخرى

أصدر معهد دراسات الحرب في واشنطن، الذي يُعنى بتقديم تحليلات عسكرية للسياسيين والقادة المدنيين، عدداً من الدراسات والتقارير عن «المجاميع الخاصة» في العراق منذ بدء الغزو. وتتقاطع التقارير في «اتهام» طهران والحرس الثوري بدعم هذه المجموعات، إلا أن التفصيل في هيكلياتها التنظيمية يشهد الكثير من التناقض والتضارب بسبب التداخل الناجم عن توزعها وتعاونها على حدّ سواء. هذا التعقيد دفع بقائد قوات الاحتلال، الجنرال ريموند أوديرنو، إلى القول في مقابلة مع معهد دراسات الحرب، إن الجيش الأميركي «لم يكن على علم بوجود نكهات مختلفة لجيش المهدي في العراق، حتى عام 2007»، في تفسير واضح لسبب تحميل الاحتلال «جيش المهدي» مسؤولية معظم العمليات في المرحلة السابقة. وهكذا يمكن أن تُعدَّد، إضافة إلى كتائب حزب الله، الفصائل الآتية:
1 ـــــ عصائب أهل الحق: أعلنت نفسها خلال حرب تموز 2006، مع أن تاريخ انطلاقها، بحسب الأميركيين، يعود إلى عام 2004 بعدما أنشأت، برئاسة الشيخ قيس الخزعلي، تنظيماً يحمل أفكار التيار الصدري ويعمل باستقلالية بهدف مواصلة العمل العسكري، بغضّ النظر عن الظروف السياسية؛ وذلك مباشرة عقب انتهاء معارك النجف.
بداية، حملت لدى إنشائها اسم «أصحاب الكهف» و«كتائب الرسول الأعظم». يرأس هذا التنظيم «مجلس أمناء» يضم مجموعة من تلامذة المرجع الراحل محمد باقر الصدر، ويقوده حالياً الشيخ أكرم الكعبي، الذي يُصنّفه الاحتلال على لائحة الإرهاب. ويضم التنظيم نخبة من الكوادر في التيار الصدري يديرون «كتائب الإمام علي»، و«الإمام الهادي»، و«الإمام العسكري» و«الإمام الكاظم».
تُعدّ العملية النوعية ـــــ المزدوجة التي استهدفت مقر التنسيق المشترك في مدينة كربلاء في العشرين من كانون الثاني 2007، الأبرز في سجل العصائب. بعد شهرين من تلك العملية، اعتقل الاحتلال كلاً من الأخوين خزعلي (قيس وليث) واللبناني علي موسى دقدوق.
ويشمل النطاق الجغرافي لعمل العصائب بغداد والبصرة وذي قار وديالى والنجف وواسط ومحافظة المثنى والعمارة والناصرية.
في الأيام القليلة الماضية، أطلقت الحكومة العراقية العشرات من المنتسبين إلى «عصائب أهل الحق» من سجونها، في وقت كان فيه الناطق باسم الاحتلال يعلن أن «العصائب لم تقرر بعد التخلّي عن العنف والانخراط في العملية السياسية». وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت أخيراً بدء الحوار مع «عصائب أهل الحق» لدمجهم في العملية السياسية، في مقابل وقف الهجمات المسلحة، علماً بأن وزير النقل العراقي السابق سلام المالكي يُعدّ أحد أبرز الوجوه السياسية للعصائب.
2 ـــــ «لواء اليوم الموعود»: أعلن مقتدى الصدر في 14 تشرين الثاني 2008 تأسيس هذا الفصيل، داعياً، في رسالة خطية، أفراد الجماعات الأخرى، وتحديداً «عصائب أهل الحق»، إلى الانضمام إليه. غير أن رسالته لم تلقَ تجاوباً. ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الألوية قد استطاعت ملء الثغر، التنظيمية تحديداً، التي عاناها «جيش المهدي» لدى انطلاقته في عام 2004. تتركز معظم عمليات هذا الفصيل في الحزام الجغرافي المحيط بالمنطقة الخضراء.
3 ـــــ فيلق بدر: الذراع العسكرية للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، يرأسه هادي العامري. انخرط معظم أفراد الفيلق في الأجهزة الأمنية والجيش العراقي، بالتزامن مع قرار المجلس الأعلى الانخراط في العملية السياسية، فيما توزع بعض أفراد هذا الفصيل على المجموعات الأخرى.
4 ـــــ «كتائب ثار الله»: تُعدّ الرابعة من حيث الأهمية ضمن «المجاميع الخاصة»، الاسم الذي تطلقه الحكومة العراقية على المجموعات المدعومة إيرانياً. أُعدم أحد أبرز قادتها، ويدعى يوسف الموسوي، إثر عملية «صولة الفرسان» التي أطلقها نوري المالكي في البصرة في آذار 2007. يتركز نشاط هذه الكتائب في جنوب العراق.
5 ـــــ «كتائب بقيّة الله»: يتركز عملها في جنوب العراق. تعرضت لحملات اعتقالات عديدة من القوات البريطانية والشرطة العراقية.
6 ـــــ «كتائب مالك الأشتر»: ساحة عملها الرئيسية محافظة ديالى.
7 ـــــ «منظّمة الطليعة الإسلامية»: انضمّت في ذكرى الغزو إلى منظمة العمل الإسلامي وكتائب الفتح لتؤسس تنظيماً سياسياً واحداً تحت اسم «حزب العمل الإسلامي»، التابع للمرجع الديني محمد تقي المدرسي. ينحصر نشاطها في الجنوب وتحديداً كربلاء والنجف.
8 ـــــ «جيش العمل الإسلامي» و«جيش المختار»: مثّلا بعد أشهر قليلة من الغزو تنظيماً واحداً.
9 ـــــ «منظمة 15 شعبان» (كتائب الانتفاضة الشعبانية): استمدت اسمها من محاولة الانقلاب التي قام بها آلاف الشيعة على حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عام 1990. نفذت عمليات عدة في عامي 2003 و2004. وضعها الحالي غير واضح.
10 ـــــ منظمة «بنت الهدى»: تتبع لجيش المهدي، وهي تضمّ نساءً جاهزات لتنفيذ عمليات «استشهادية» ضد القوات الأميركية، بحسب بيانات عثر عليها الاحتلال.
إضافة إلى التنظيمات المذكورة أعلاه، تعدّد تقارير أميركية أسماء مجموعات صغيرة كـ«أشبال الصدر»، وكتائب «ثأر الحسين»، ومنظمة «أنصار الإسلام»، ومنظمة «سيد الشهداء»، وكتائب براثا (سمّيت بهذا الاسم نسبة إلى مسجد مقدس لدى الشيعة) وغيرها من المجموعات الصغيرة.



معاناة من التدريع

تخضع المنطقة الخضراء لعملية رصد مستمرة من قبل المقاومة العراقية، بحسب ما توحي به الأحداث. خلال الزيارة السرية الأخيرة لنائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن إلى بغداد، تعرضت المنطقة لقصف صاروخي استهدف مبنى مجاوراً للسفارة الأميركية. وعلى الفور، بدأت وزارة الداخلية العراقية تحقيقاً لكشف كيفية تسرب أنباء عن تحرك موكب بايدن، انتهى إلى إعلان أن «مجموعة خاصة مرتبطة بفيلق القدس الإيراني، يتولى الإشراف عليها وليد الساعدي، أطلقت الصواريخ».
وتُظهر بيانات على شبكة الإنترنت أن أول عملية نفذها فصيل شيعي في العراق كانت بتاريخ «23 تشرين الأول 2003 في منطقة البلديات خلف فندق القناة في بغداد، حيث استهدفت عبوة ناسفة جيب هامر أميركياً، ودُمّر بالكامل».
التركيز على آليات الجيش الأميركي ومدرعاته دفع بشركات التصنيع والتصفيح إلى إدخال تعديلات على نظام التدريع ثلاث مرات منذ بدء الغزو، حتى ارتفعت كلفة صناعة جيب الهامر الواحد من 300 إلى 500 ألف دولار.