بين عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، وحديث تل أبيب عن الفشل والانكسار وعدم تحقيق الأهداف حيال حزب الله، وبين عدوانها على قطاع غزة عام 2008، واعتماد إسرائيل رواية تحقيق النتائج واستخلاص العبر، رابطة عميقة جداً تُظهر مستوى الصدمة في أعقاب الانكسار في لبنان، ومدى إصرار الدولة العبرية على وجوب إعادة الاعتبار لصورة جيشها، كجيش لا يقهر


محمد بدير
أظهر عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، فضلاً عن صدمة الفشل وإدراك حدود القدرة العسكرية الإسرائيلية، أن طبيعة الحروب المستقبلية للدولة العبرية ستكون مشابهة للحرب التي خاضتها مع حزب الله، بما يسميه الجيش الإسرائيلي «الحروب المنخفضة الوتيرة»، أي جيش دولة ضد تنظيمات حرب عصابات، الأمر الذي استدعى «ورشة» عمل مكثفة قام بها الجيش الإسرائيلي لإعادة تكييف نفسه مع التوصيفات الجديدة للحروب، إن لجهة التخطيط أو لجهة التدريب والتسليح والجهوزية.
وكانت توصيات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست كاشفة لهذا المنحى العملي، إذ خلصت، في أعقاب عام من البحث والتحقيق في أسباب الإخفاق، إلى استنتاج أساسي، رأت فيه أن «حرب لبنان الثانية تتميز بأنها أدت إلى إدراك إسرائيل أنها ستعود وتواجه حرباً أو مواجهة ذات خصائص مماثلة في المستقبل، ما يلزمها بإجراء استخلاص صارم للعبر».
ما تنبّأت به اللجنة الأهم في الكنيست الإسرائيلي، وثاني أهم لجنة تحقيق بحثت في فشل حرب عام 2006 بعد لجنة القاضي إلياهو فينوغراد، ما لبث أن تحقق بالفعل بعد أقل من ثلاثة أعوام، لكن على الجبهة الجنوبية وفي مواجهة المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة. كانت عملية «الرصاص المصهور» أول امتحان عسكري حقيقي تخوضه إسرائيل بعد حربها الفاشلة في لبنان، وبالتالي كان من ناحية عملية مسرحاً لترجمة كل العبر التي استخلصتها أكثر من أربعين لجنة تحقيق عسكرية، والتي قيل إنّ الجيش الإسرائيلي استوعبها وطبقها، إن لجهة التخطيط أو التنظيم والتدريب والتجهيز.
ورغم أن هدف عدوان عام 2008، من ناحية سياسية، كان إحداث تغيير جذري في المواجهة القائمة على جبهة قطاع غزة مع حركة «حماس»، وتحديداً لجهة فرض الإرادة السياسية عليها، إلا أنه في موازاة ذلك، كان لتل أبيب أهداف أخرى، لم تكن لتقلّ أهمية، وتحديداً لدى القادة العسكريين الإسرائيليين، وهو أن يظهر الجيش الإسرائيلي كأنه قد استعاد بالفعل قدراته وجبروته قياساً على فشله عام 2006، بل عاد كما كان عليه في السابق، «جيشاً لا يُقهَر».

الإعداد المسبق للحرب

خلافاً لردة الفعل الانفعالية والثقة الزائدة بالنفس وبالقدرات التي اتسمت بها حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، شنّت تل أبيب حربها على قطاع غزة بعد إعداد وتخطيط لأشهر، تخللتهما نقاشات مسبقة ومفصلة داخل الحكومة الإسرائيلية ودوائر القرار. وأشارت بعض التقارير الإسرائيلية إلى أن عدد الدبابات على امتداد خط الجبهة مع لبنان عند اتخاذ قرار الحرب كان قليلاً جداً، بينما في حالة العدوان على غزة، بدأ الجيش بالاستعداد ووضع الخطط والتدرب عليها، قبل أشهر من بدئه.
ومنذ اليوم الأول للحرب، بدأ حشد القوات البرية على حدود القطاع، واستُدعي آلاف من قوات الاحتياط، ووضعت في حالة جهوزية، علماً بأن الحاجة إلى استخدامها لم تكن محسومة في تلك المرحلة. أما في عدوان تموز، فلم يتبلور الاقتناع بالحاجة إلى عملية برية، وتالياً ضرورة استدعاء الاحتياط وحشد القوات، إلا في منتصف الحرب تقريباً.

استعدادات الجبهة الداخلية

الجبهة الداخلية لم تخضع فعلياً لاختبار صمود خلال عدوان غزة
في حرب عام 2006، لم تكن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ككيان تابع للجيش الإسرائيلي، جاهزة لمواجهة صواريخ حزب الله، بل تُرك الإسرائيليون إلى إحسان الجمعيات الخيرية والمبادرات الخاصة، بعيداً عن إدارة رسمية جامعة. أما في العدوان على قطاع غزة، فقد احتلت الجبهة الداخلية حيّزاً مركزيّاً في اهتمام القادة الإسرائيليين، وأُعلنت «حالة اقتصاد الطوارئ» في اليوم الثاني من الحرب، فيما أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية تفعيل خططها الرامية إلى مساعدة السكان في فترة الحرب، على عكس ما جرى خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان.
كذلك نجح الجيش الإسرائيلي في فرض رقابة شبه كاملة على التغطية الإعلامية للحرب على غزة، عبر تفعيل آليات الرقابة العسكرية بصرامة، ومنع دخول أي وسيلة إلى القطاع، إلا ما كان بالفعل موجوداً هناك. في مقابل ذلك، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال عدوان تموز 2006 منفلتة من أي رقابة، بمعزل عن الرقابة الذاتية للمراسل نفسه.

تفعيل مغاير للاستخبارات

كان لافتاً في الحرب على لبنان إخفاق الاستخبارات الإسرائيلية، الذي اتخذ أشكالاً عديدة، منها: عدم وجود بنك أهداف كامل في بداية الحرب، وعدم التمكن من تحديثه في سياقها، إضافة إلى وجود تقادم في المعلومات الاستخبارية ووسائل المساعدة كالخرائط والصور الصناعية وغيرها. أما في العدوان على غزة، فحرص الجيش الإسرائيلي على الظهور بمظهر تدارك استخباراته للإخفاقات السابقة، وأنه بالفعل استخلص العبر المطلوبة وتجنبها.
وشخّصت إسرائيل من اللحظة الأولى التعامل مع العدوان على غزة بوصفه حرباً بكل ما للكلمة من معنى، مرتِّبة على هذا الإدراك ما يقضيه من إعداد واستعداد ميداني، بما في ذلك من أمور عديدة بينها: الأنماط القتالية المستخدمة التي ابتعدت عن أساليب «الأمن الجاري»، وإدارة الحرب على مستوى التنسيق بين هيئة الأركان وقيادة المنطقة، وكذلك التنسيق بين الأسلحة المختلفة، وعدم الاستخفاف بالعدو، وتقدم الضباط للأفراد وعدم جلوسهم أمام «شاشات البلازما»، والإمدادات اللوجستية.
خلاصة القول، أن الجيش الإسرائيلي قاتل، بحسب تقديره، بفاعلية عالية على مستوى الالتزام بالخطط والتكتيكات القتالية وأدائه في الجبهة الداخلية، مُسجِّلاً بذلك لنفسه نجاحاً في امتحان تطبيق العبر والدروس التي تعلمها في حرب تموز. بيد أن الإشكال الأساسي في هذا التقويم هو ارتكازه على مفارقة «الإطلاقية» في مقاربة الإنجازات في ظل «نسبية» ساحة عمليات غزة وخصائصها قياساً إلى ساحة عمليات لبنان.

إنجازاتٌ في الميزان

لا جدال في أن الأداء القتالي للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة كان مختلفاً عمّا كان عليه خلال عدوان تموز. وقد بات مسلماً أن الإسرائيلي تعامل مع «الرصاص المصهور» على أساس أنه فرصة عملانية لاختبار وإظهار مدى استفادته من عبر الفشل في لبنان. وكان الانطباع السائد في الوسط الإسرائيلي هو أن الجيش «وفّر البضاعة» وأعاد الاعتبار لنفسه عبر إثباته جدارته القتالية الميدانية، بعيداً عن النتائج السياسية للمعركة، التي يمكن أن تُعزى الشكوك حول جدواها إلى سوء أداء الطاقم السياسي الذي أدار الحرب. بيد أن ما يغفله الانطباع هو جملة من الحقائق التي يُفترض بلحظها أن يضع الإنجازات المقدرة في إطارها النسبي المتصل بخصائص حالة غزة، الأمر الذي يفتح النقاش واسعاً بشأن وزنها الفعلي خارج هذا الإطار، وخصوصاً في اتجاه الجبهة الشمالية.
في ما يلي إضاءة على بعض العناوين التي يمكن أن يتناولها نقاش كهذا:

الضربة الجوية الافتتاحية

شخّصت إسرائيل التعامل مع العدوان على غزة بوصفه حرباً بكل ما للكلمة من معنى
أثبت عدوان غزة للمرة الثانية، بعد عدوان تموز، أن قرار بدء الحرب من نقطة الذروة، أي من لعب الورقة الأقوى في جعبة البدائل العسكرية، بمعنى تدمير كل ما يُعتقد أنه مراكز الثقل العملياتية والاستراتيجية للعدو وإبادتها، لا يضمن تحقيق النتائج المرجوة المتمثلة برفع الخصم للراية البيضاء، رغم أنه أدى في الحالتين، لبنان وغزة، إلى شعور القادة الإسرائيليين بالنشوة التي اعتقدوا معها إمكان تحقيق هذا الهدف. لقد وجد الجيش الإسرائيلي نفسه في الحالتين أمام معضلة فقدانه لأهم أوراق الضغط العسكرية على العدو، فيما كان مطلوباً منه زيادة هذا الضغط لإخضاعه. وبعد فترة من المراوحة الجوية التي أدت فعلياً إلى استنفاد بنك الأهداف خلال فترة وجيزة، لم يبقَ أمام الجيش الإسرائيلي سوى اللجوء إلى الخيار البري، رغم أنه لم يكن في الحسبان (كما في عدوان تموز) أو كان غير محبذ (كما في العدوان على غزة). والحقيقة أن التداعيات العملية لهذه النقطة تأخذ أبعاداً تتصل بأكثر من جانب من أصول الحرب الإسرائيلية، أهمها إسدال الستار على عصر الحروب الخاطفة والقصيرة التي تحقق الأهداف ضمن الحد الأدنى من الاستنزاف البشري والمادي والنفسي وسط الجيش والمجتمع الإسرائيليين. وفي دولة كإسرائيل، حيث الجزء الأكبر من عديد الجيش هو من الاحتياط، وحيث لا طاقة للمجتمع على تحمل حالة استنفار مطولة، يتخذ هذا التحول طابعاً جذرياً يُشك في إمكان حصول تكيف سريع معه.

ساحة عمليات غزة

تظهر المعطيات الجغرافية لقطاع غزة مدى محدوديته كساحة عمليات قياساً إلى ساحات الجبهات الأخرى مع إسرائيل، كاللبنانية والسورية؛ فمساحة القطاع البالغة 365 كيلومتراً مربعاً توازي، على سبيل المثال، شريطاً بعمق 4.5 كيلومترات على خط الجبهة اللبنانية (البالغ طولها نحو 75 كيلومتراً)، أو مساحة قضاء النبطية تقريباً. هذا فضلاً عن الطبيعة الطوبوغرافية المنبسطة للقطاع وعدم وجود مساحات ذات كثافة نباتية فيه يمكن المقاومة الاستفادة منها في تكتيكاتها الميدانية وخططها الدفاعية.
يضاف إلى ذلك الإمكانات الاستخبارية العالية التي يملكها الإسرائيلي حيال القطاع قياساً بلبنان. كل ذلك يمنح الإسرائيلي ميزات على أكثر من صعيد. لكن أحد كبار الضباط في سلاح الجو الإسرائيلي («هآرتس» 9/2) يحذر من «عدم قدرة السلاح على توفير المساعدة للقوات البرية إذا حصلت عملية برية أوسع من العملية في قطاع غزة». فـ«حماس ليست حزب الله، وبالطبع ليست سوريا، لذلك من المحظور الافتراض أن الأمور ستكون مشابهة في حرب أكبر».

الإمدادات اللوجستية

تغنّى الإسرائيليون كثيراً خلال العدوان على غزة بتقصير فترة الإخلاء الجوي للجرحى قياساً إلى ما كانت عليه خلال عدوان تموز. كذلك تغنّوا بوفرة الإمدادات اللوجستية التي تنعمت بها القوات على الأرض بالمقارنة مع حالات الجوع والعطش التي سجلت إبان عدوان تموز. ما لم تأخذه هذه المقولات في الاعتبار هو أن أعمق نقطة وصلت إليها القوات داخل القطاع ـــــ بعيداً عن «الخط الأخضر» ـــــ لم تتجاوز 4 كيلومترات، علماً بأن هذا العمق كان ضمن أراضٍ مفتوحة لا بُنى قتالية فيها، فضلاً عن عدم وجود وسائل قتالية موجهة عن بعد لدى المقاومة الفلسطينية تغطي هذا المدى، وهو ما كان منتفياً في حالة لبنان.

صمود الجبهة الداخلية

تكفي مطالعة الجداول الإحصائية التي نشرها الإعلام الإسرائيلي بشأن عدد الصواريخ التي سقطت داخل «الخط الأخضر»، إضافة إلى التأمل في دقة إصاباتها وأمدائها وقدراتها التفجيرية ليستنتج المرء، كما أقر عدد من المحللين الإسرائيليين، أن الجبهة الداخلية لم تخضع فعلياً لاختبار صمود خلال عدوان غزة. وبالطبع، مردّ ذلك إلى خصوصية وضع المقاومين في قطاع غزة وقدراتهم في تلك الفترة، إذ إن نحو 600 صاروخ وقذيفة موزعة على فترة 22 يوماً لم تجبِ إلا أثماناً بشرية محدودة، وما كانت قادرة بالفعل على إيجاد ضغط شعبي على قيادة الحرب لدفعها إلى تعديل مسارها، كما حصل في لبنان. لذلك، يمكن الجزم بأنّ الحديث الإسرائيلي عن صمود الجبهة الداخلية ليس أكثر من شحنٍ ذاتي بالمعنويات بعيداً عن الإطار الموضوعي للتقويم الحقيقي.

تقبّل الخسائر البشرية

حاول الإسرائيلي جاهداً بعد عدوان تموز تكريس ثقافة تقبل الخسائر وسط قواته، بحيث لا تكون عاملاً مؤثراً في الاتجاه السلبي، فضلاً عن أن يكون حاسماً، في سير المعارك والعمليات الحربية. لكن ما حصل في عدوان غزة أثبت بما لا يقبل التأويل أن هذا الهاجس لا يزال يحكم تفكير القادة الإسرائيليين، ولا يزال يحتل مكانة العقدة في نفوسهم. وقد حفلت الأدبيات الإسرائيلية خلال الحرب بكلام يجزم بأنّ سلامة الجنود مقدمة على كل اعتبار، بما في ذلك سلامة المدنيين الفلسطينيين. وصنفت بعض التقارير الخشية من سقوط خسائر بشرية، في واحد من المحاذير الثلاثة التي مثّلت أطراً لحركة الإسرائيلي خلال الحرب، وهي، إلى وقوع الخسائر، عدم احتلال القطاع، وعدم الدخول في أزمة مع الإدارة الأميركية.
أُريد للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أن يعيد صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، والتأكيد أن إسرائيل استوعبت عبر العدوان على لبنان عام 2006، وبات جيشها جيشاً آخر. أرادت إسرائيل أن تستخدم عدوانها على غزة لتعيد بلورة صورة مغايرة لانكسار جيشها في لبنان. إلا أن ما يعاب على هذا التوجه أن العدوان على قطاع غزة لم يكن صالحاً، نظراً لجغرافيته وإمكانات المقاومين فيه، لأن يكون مقياساً حقيقياً لإظهار قدرات الجيش الإسرائيلي وأنه بالفعل استفاد، أو هو قادر على الاستفادة من الإخفاقات والفشل في لبنان.


عقدة لبنان

أظهر العدوان على غزة وجود ما يمكن تسميته «عقدة لبنان 2006»، الأمر الذي فرض أداءً خاصاً على القادة الإسرائيليين، ليس أقله امتناعهم المتعمد عن الإفصاح عن الأهداف الحقيقية للعدوان، والاكتفاء بعناوين «مطاطية» يمكن أي نتيجة تخلص إليها الحرب أن تتماشى معها واعتبارها إنجازاً، وظهر ذلك بوضوح لدى قرار المجلس الوزاري المصغر عشية الحرب، بأن هدف العدوان هو «واقع أمني أفضل»، من دون الحديث عن اجتثاث «حماس» أو تركيعها واستسلامها، كما جرى في العدوان على لبنان حيال حزب الله. بهذا المعنى، بقيت الحرب على لبنان تظلّل أداء القادة الإسرائيليين، من اللحظة الأولى للحرب، وفي كل مفصل وتفصيل فيها.
كان من الممكن لمتابع الإعلام الإسرائيلي خلال الحرب، وفي الفترة التي أعقبتها، أن يلاحظ وجود مقارنة دائمة بين العدوان على غزة والعدوان على لبنان. كانت هذه المقارنة علامة فارقة في كل التغطية الإسرائيلية، بل يمكن القول إن عدوان تموز كان «وحدة قياس» يقاس عليها كل إجراء عسكري وسياسي إسرائيلي، لتحديد مدى نجاعته.