قرابة الساعة التاسعة من ليل الخميس الموافق السابع من نيسان من العام الجاري، وتحديداً في شارع ديزنغوف في مستعمرة «تل أبيب» كان الشاب رعد خازم يمشي بخطوات ثابتة وهادئة على قارعة الطريق. ليس من الصعب هنا تخمين ماذا كان يفكّر؟ فنحن نعرف شبابنا، فدائيينا، فبكل تأكيد كانت لحظة روحانية، بمعناها الإيماني، أي صلته بالمُطلق، أي بالله. لكن أيضاً بمعناها الآخر، كنقيض للمادي، فالعمل الفدائي بأحد أبعاده هو نقض طوعي لمحض الوجود المادي للإنسان المنفّذ، أقصى درجات الإيثار التي يمكن أن يصل إليها بشري. من هنا نفهم منطلق المعضلة الفلسفية الأزلية لجميع المجتمعات البشرية حول سحر مفهوم «الشهادة».

أكمل رعد خطواته وهو يرى بشراً يعيشون لياليهم العادية، لكن أي بشر؟ البشر المستعمِرين. أسوأ أنواع البشر، بل المخلوقات الحية، ليس لأنهم قتلة، أو مجرمون، بل لأن الوجود المادي والجسدي الحيوي لهؤلاء البشر هو وجود استعماري، عبارة عن مركّب كيميائي، من ذرات وخلايا، كل جزيء ماء داخل كل خلية فيه، كل عنصر فيه، هيدروجين، أوكسجين، كربون، كالسيوم، عبارة عن ذرات منهوبة ومسروقة، من غيرهم من البشر، منا نحن المستعمَرين.
لكن، ليس هذا ما رآه رعد، بل حين تمشي وسط مستعمرة كـ«تل أبيب» وفي شارع كديزنغوف، ترى تمظهرات ممارسات الترف الاستعماري بكل أشكاله. التقطت إحدى آلات التصوير رعد وهو يعبر أحد الشوارع، كانت هذه الكاميرا تصور وقفة احتجاجية ما للمستوطنين، حول شيء تافه، لا نعلم ما هو، لكنه بالتأكيد شيء تافه، ترف حياة. أكمل المشي، رأى ما لذ وطاب من الطعام، أناس يأكلون فائض سعرات حرارية لجوع المحاصرين في غزة ولبنان والشام، سمع الموسيقى تخرج من المحال، أناس تحتسي الشراب، يتسامرون وصوت ضحكاتهم يعلو، شاب وفتاة في موعد غرامي يتمتمان الحديث، مجموعة تتحدث عن وظائف أو مشكلة مع مدير، خطة سفر للصيف، مرض قطته أو طعامها الجديد الذي لم يعجبها، أو بحث عن مغامرة استهلاكية جديدة، علها حقيبة جديدة أو جهاز جديد. وسط هذا الضجيج، امتشق رعد سلاحه «كارلو» محلي الصنع، بعد أن أخفاه تحت معطفه الكثيف، وأطلق النار.
ماذا يعني أن تأتي من جنين وتطلق النار في «تل أبيب»؟ إنها الجدلية على أرض فلسطين، المخيم والمستعمرة. في عالم مقسوم بين مركز إمبريالي في الشمال وأطراف مستغلّة في الجنوب، يوجد في فلسطين ما لا يوجد في أي بقعة أخرى في الكوكب. فهنا نقطة تماس، البرزخ ما بين العالم الأوّل والثالث، بين الغنى والفقر، الاحتلال والمحتل. تخرج من أزقة المخيم، حيث الموت ممارسة يومية، متوارثة، جزء من الحمض النووي للمجتمع، أو كما يقول الشهيد نزار بنات «نحن مجتمع الشهادة عندنا ثقافة»، ثم بعد دقائق، تدخل المستعمرة، ترى الحياة كممارسة يومية، ممارسة البحث اليومي عن أقصى طرق إشباع الغرائز، السرقة والاستهلاك كثقافة. هنا، لا تحتاج لنظريات، ولا لكتب، لا لينين ولا ماركس ولا أي مفكر أو عالم أو كاتب أو غيره، هنا نقف جميعاً لنتعلم من أبناء المخيّم كيف نمارس الحرية والكرامة.

لماذا «الكارلو»؟
يجيب الشهيد غسان كنفاني على اختلاف الوضع في غزة مقارنة بالضفة، عبر مقارنة تاريخية موضوعية. حيث يشير أنه خلال الإدارة المصرية تم تدريب العديد من الغزاويين، على عكس الضفة. وحينما احتلت غزة، كانت لا تزال هناك خلايا للفدائيين. بينما سلّم الملك حسين الضفة للصهاينة «نظيفة» كما وصفها هو بنفسه. وكذلك فإن العامل النفسي في غزة مختلف، حيث أنها محاصرة، غرباً بالبحر وجنوباً بسيناء وشرقاً بالنقب، وشمالاً بكيان العدو. مضيفاً أنه، وخلال الأشهر الأولى من الاحتلال، كانت عمليات نقل الأسلحة والرجال والأموال للضفة أسهل، فلم يتمكّنوا من مقاومة تطوّر الأساليب المضادة للصهاينة، في حين أن الوضع في غزة كان أصعب وأكثر صرامة ممّا أجبر الفلسطينيين هناك على تبني تكتيكات أكثر نجاعة. الأمر الآخر يتعلّق بشبكة أموال الرواتب التي دفعها النظام الأردني وهي الطريقة التي تحافظ فيها الأنظمة على الولاءات، كما أن الإسرائيليين أيضاً دفعوا أموالاً. ويؤكد كنفاني هنا، أن هذا لا يعني أن الفلسطينيين في الضفة تخلّوا عن خيار المقاومة، أو أنهم كانوا ضدّها، بل إنّ هذه العوامل جعلت عملية ظهور العمل المقاوم عسيرة وأبطأ. أمّا في غزة فكان الوضع مختلفاً، حيث أن ظروف حياتهم كانت أصعب.
مع الانتفاضتين، عاد «الكارلو» للظهور، خصوصاً في غزة إبّان الانتفاضة الأولى، كتبعات لحديث غسان، حيث كانت كمّياته أكثر، إذ كان مصدره مخازن الجيش المصري. وفي الضفة كما في القطاع، كان كغيره من الأسلحة، يدفن في التراب في الأيام الصعبة، ليبعث من جديد مع انتفاضة العمل المقاوم، وهذا هو الوجه الأوّل لرمزية «الكارلو». السلاح السويدي البسيط المصنوع خلال الأربعينيات، ثم لتعمل خطوط الإنتاج الحربي في مصر الناصرية على إنتاجه حتى نهاية السبعينيات، رافق الفلسطيني إخفاءً ودفناً عبر عقود مريرة ولم يتخل عنه، لترصده عدسات التصوير على سواعد المقاومين في كل مرة، وحتى بداية الألفية. في جرد لسلاح المقاومين أيّام معركة جنين الكبرى عام 2002 رصد المناضل جمال حويل وأحد المشاركين في الملحمة قرابة عشر قطع «كارلو» فكان أكثر الأسلحة عدداً. يمثل الوجه الأوّل لهذا السلاح مصداقاً لـ«ولا يمكن قوة في الدنيا تنزع من إيدي سلاحي» («معركة مخيم جنين الكبرى 2002: التاريخ الحي» 2022، جمال حويل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية).
بالعودة إلى رعد، فمع عمليته برز سؤال، لماذا «الكارلو»؟ خصوصاً أن الشهيد ظهر في مشاهد بأسلحة أخرى. الإجابة هنا تدلنا على الوجه الآخر لرمزية هذا السلاح، فهنا ومن بعد عملية ما يطلق عليه العدو «السور الواقي»، وعملية «التنظيف» الجديدة للضفة، والسيطرة الصهيونية التامة، وبداية الهندسة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية للضفة. أصبح «الكارلو»، ولبساطته، رمزاً للإبداع والتصنيع من العدم، وعليه، يكون بعيداً من رقابة الإسرائيلي وعملائه في سلطة التنسيق الأمني، كما أن حجمه الصغير يمكّن حامله من تخطي الأساليب الرقابية. هذا التميّز لهذا السلاح، وفي هذه المرحلة الزمنية، وفي منطقة طبق فيها الاستعمار الصهيوني تراكم خبرات قرون من تجارب المستعمِرين من السيطرة على الشعوب، معززة بتطور تكنولوجي لا سابق له في تاريخ البشر، تجعلنا نفهم مشاهد وصور شهداء كرعد خازم ومحمود كميل وأشرف نعالوة، بشكل مختلف، ضمن سياق معادلة خمسة قرون من الاستعمار الأبيض للكوكب.
في النصف الأوّل للقرن السادس عشر، كثّف المستعمرون الإسبان حملاتهم ضد إمبراطوريات الشعوب الأصلية في أميركا الجنوبية، ولأن المعادلة كانت مستعمرون ضد أصحاب الأرض، فإن قهر القوة المادية كانت حكماً للغزاة، فقد قدم الإسبان عبر خيالة مرتفعة، يراها السكان الأصليون للمرة الأولى في حياتهم، وعجزت سبلهم القتالية عن مجابهتها، ليتلقوا الهزائم تلو الهزائم. وذلك حتى طوروا تكتيكاً جديداً، يتمثّل في استدراج الإسبان إلى داخل المدن، لإجبارهم على الترجل من على صهوة الخيول، ثم كمنوا لهم بالنبال، وألحقوا بهم شر هزيمة، أجبرتهم على الانسحاب، وترك جثث قتلاهم.
عندما أنهى رعد صلاته وغادر المسجد في مدينة يافا المحتلة، ثم اشتبك مع المستعمرين الصهاينة واستشهد، كان يمثّل الشكل التاريخي الراهن من نبال السكان الأصليين، تلك العزيمة والروح التي تقاتل وتهزم قهر القوة المادية للعدو. هذا الوجه لرمزية هذا السلاح هي بدورها الإفصاح المادي لـ«طل سلاحي من جراحي».

خاتمة: مئة عام من القتال
بعد شهادة الشهيدين عبود صبح ومحمد العزيزي، ظهرت صورة تجمع أمهات شهداء الاشتباك أمام جدارية داخل غرفة العزيزي، ربما على الناظر للصورة بكل تفاصيلها أن يلاحظ ويستذكر أحد أبرز استراتيجيات الحرب للقائد ماو تسي تونغ: «يجب على المقاومين التحرّك بين الناس كالسمكة في البحر». أي أن بيئة المقاومة عليها أن تكون الماء الذي من دونه لا يمكن للمقاوم السباحة والاستمرار.
طوال سنين الصراع نجح الصهاينة في تجفيف البحار على المقاتل الفلسطيني، واللعب على التناقضات لقصور وتقصير من الثورة الفلسطينية في لبنان والأردن، لكن أحد أهم أسباب نجاح نموذج حركات المقاومة اليوم هو أن الفلسطيني يقاتل على أرض فلسطينية، عبر مجتمع فلسطيني، في بحر فلسطيني. فـ«الكارلو»، برمزيتيه، سواء بالحفاظ عليه لعقود ثم بإبداع مخارط التصنيع، يدل على استمرارية هذا القتال، منذ الإنكليز، ثم الصهاينة، وما بعد الصهاينة، منذ مئة عام والقتال يستمر، وإن كانت لصورة الأمهات هذه رسالة فهي على أن الرهان على جفاف هذا البحر مستحيل، وما على الصهاينة إلا أن يسجلوا العام تلو العام.