«آلة الأخبار الوهمية»: التلاعب بالرأي العام



تكاليف إدارة حملة إخبارية مزوّرة تبدأ بـ15 دولاراً

لم يعد انتشار الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي أمراً بسيطاً، فقد باتت هذه الأخبار تولّد ردود أفعال قوية وتخلق وهماً لدى الرأي العام بما ينعكس على قراراته. اليوم، بات هناك شركات متخصّصة في التلاعب بالجمهور من خلال الأخبار الكاذبة، وتكلفة هذه الشركات زهيدة مقارنة بالتأثير الذي يمكن أن تحدثه. من هنا، تجهد الشركات الكبرى في مكافحة انتشار هذه الظاهرة، إلا أنها لم تنجح إلى اليوم. وتعتقد شركة Trend Micro أن السبب يعود إلى التكلفة المنخفضة التي يتطلبها شنّ حملة زائفة

إيفا الشوفي

منذ مدة، تواجه مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث مشكلة كبيرة متمثلة في انتشار الأخبار الكاذبة والزائفة والحسابات الوهمية على مختلف الشبكات. بسرعة البرق ينتشر الخبر الزائف بين المستخدمين، ما يمكن أن يؤدي إلى ردود أفعال غير متوقعة.

إجراءات عديدة اتخذتها أبرز الشركات مثل فايسبوك وغوغل وتويتر وغيرها لحل مشكلة الأخبار الزائفة، إلا أنها حتى اليوم لم تنجح في التصدي لها. لكن قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الظاهرة هو تكلفتها الزهيدة مقارنة بتأثيرها، وهو ما خلصت إليه دراسة حديثة لشركة الأمن السيبراني Trend Micro، حيث قام الباحثان ليون غو وفيودور ياروشكين بالبحث عن كلفة هذه الخدمات، ليكتشفا أن تكاليف إدارة حملة إخبارية مزوّرة تبدأ بـ15 دولاراً!
تحت عنوان "آلة الأخبار الوهمية: كيف يستغل المروّجون الإنترنت ويتلاعبون بالجمهور"، تشرح الدراسة كيفية القيام بهذه الحملات وتكلفة كل خدمة، من نشر مقال كاذب، خلق شخصية مشهورة على الانترنت، تشويه صورة صحافي وناشط حقوقي، وصولا إلى التحريض على الاحتجاج في الشارع.
تقول الدراسة إن نماذج تسعير الأخبار الكاذبة بسيطة، حيث هناك مبلغ ثابت مقابل عدد محدد من الإجراءات الممارسة على شبكات التواصل الاجتماعي من إعجاب، نشر، تعليق... كذلك يضمن البعض نوعية الخدمة من خلال نشر الأخبار الكاذبة عبر حسابات حقيقية وليس بوتات (برامج تقوم بمهمات تلقائية على شبكة الانترنت). تتجاوز الخدمات المتاحة في هذه الأسواق نشر الأخبار المزيفة، وغالباً ما تشمل إنشاء القصص الإخبارية وتسويقها لمستخدمين مستهدفين، حيث إن أقسام التعليقات (Comments) هي أيضاً عرضة للتلاعب، ويمكن أن يتم إغراق المقال الإخباري بمجموعة من التعليقات لخدمة أهداف العميل.
إن صناعة الأخبار الكاذبة تحتاج إلى أدوات يعجّ بها العالم السفلي للإنترنت، وقد تكون هذه الأدوات مشروعة وقانونية مثل ترويج المحتوى، لكن يتم استخدامها بطريقة تهدف إلى التلاعب بالجمهور. وقد كثرت الشركات التي تتخذ من هذا الهدف عملاً لها، لدافعين أساسيين: مادي وسياسي. في الصين، تبلغ تكلفة المقال الإخباري الكاذب الذي يتألف من 800 كلمة 15 دولاراً، و30 دولاراً لـ1500 كلمة، تتولى شركة Xiezuobang كتابته ونشره. في روسيا يمكن بأقل من نصف دولار الحصول على 100 متابع على تويتر، كما يمكن ترويج مقطع فيديو على الصفحة الرئيسية ليوتيوب لمدة دقيقتين بـ621 دولاراً.


تحت عنوان "العالم السفلي للشرق الأوسط: سوق ناشئة للأخبار الكاذبة" تضيء الدراسة على شركتين تعملان في هذا المجال هما: CoolSouk وDr.Followers. تختلف الأسعار وفق المنصة وحجم الاستهداف، فـCoolSouk تأخذ 3 دولارات لترويج محتوى على يوتيوب لأول ألف مشاهدة، ليصل السعر إلى ألف دولار من أجل الحصول على مليون مشاهدة. أما إضافة 500 متابع على انستغرام فتكلّف 25 دولاراً. تقوم Dr.Followers بعمل مشابه، ويبلغ سعر 500 إعادة نشر للتغريدة retweet من قبل بوتات أجنبية دولارين، و130 دولاراً إذا أعيد نشر التغريدة من قبل حسابات عربية حقيقية. أمّا الإعجابات التلقائية Auto-likes على فايسبوك، فلها اشتراك شهري يبلغ 150 دولاراً مقابل 2200 إعجاب من قبل حسابات عربية، ويصل إلى 800 دولار مقابل 10 آلاف إعجاب.

2600 دولار ثمن الشهرة الزائفة

يغوص الباحثان في دراسة عدد من الحالات الخاصة التي استخدمت فيها الأخبار الكاذبة والحسابات الوهمية لغايات مختلفة. يمكن للعالم السفلي للإنترنت أن يخلق شخصية مشهورة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر بـ2600 دولار فقط، فاللعبة الاساسية على هذه الشبكات هي الشهرة!
يأخذ الباحثان عملية تحويل حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الموقع الأكثر شهرة في الصين "Weibo"، إلى شخصية مشهورة. تتم العملية بشراء متابعين بشكل يومي للحساب كي لا يصبح الأمر مكشوفاً، بحيث يصبح هناك 11500 متابع للصفحة خلال أسبوع. في المرحلة الثانية يجري تعزيز إعادة نشر محتوى الصفحة بمعدل 500 إعادة نشر يومياً، وتزداد أعداد المتابعين بحيث تتم في هذه المرحلة زيادة 5 آلاف متابع يومياً، لنصل إلى 55 ألف متابع في الأسبوع الثاني. في المرحلتين الثالثة والرابعة، يجري التركيز على استقطاب متابعين إقليميين، مع زيادة أعداد المتابعين بمعدل 10 آلاف متابع يومياً في الاسبوع الثالث، و20 ألفاً في الأسبوع الرابع.

التحريض على الاحتجاجات: خلق قضية وهمية

التحريض على احتجاجات في الشارع لا يكلّف سوى 200 ألف دولار، حيث تقوم الشركة المحرّضة بداية بخلق مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تناقش أموراً حساسة، استناداً إلى أخبار كاذبة، إذ يتم إغراق هذه المجموعات بمقالات زائفة والترويج لها. تتم فبركة الأخبار المزيفة كحقيقة تتناسب مع ايديولوجيات الجمهور المستهدف، وتتضمن أفكاراً تعده بأوهام في المستقبل بشكل كاف لحضّه على الانضمام الى قضية "غير موجودة" في الواقع. بعد ذلك تتم برمجة 40 ألف إعجاب تلقائي بعدد من المنشورات المحددة، إضافة إلى نحو 20 ألف تعليق عليها لإظهارها على الـnews feed. من ثم يقوم المحرّض بترويج ما بات "قضية" من خلال 50 ألف إعادة نشر للتغريدة وإعجاب، ومن ثم نشر نحو 50 فيديو على يوتيوب، وجعلها تنتشر بشكل سريع. بعد ذلك يقوم المحرّض بتنظيم احتجاج فعلي ويدعمه بكافة الأمور اللوجستية، ما يمكن أن تصل تكلفته إلى 20 ألف دولار. أما عندما يقرر المحرّض تشتيت الاحتجاجات بعد تحقيق هدفه، فسيكلفه الأمر فقط 10 آلاف دولار.

تدمير الناشطين والصحافيين بـ55 ألف دولار!

تتابع الدراسة البحث في كيفية تدمير صورة صحافي لإسكاته أو منعه من نشر تحقيقات من خلال إفقاده مصداقيته عبر حملة كاذبة بكلفة 55 ألف دولار فقط، وهو ما حصل مع الصحافي المكسيكي البيرتو اسكورسيا الذي تعرض لحملة من الأخبار الزائفة على تويتر. يقول الباحثان إنه "يمكن للمهاجم شنّ حملة إخبارية وهمية لمدة أربعة أسابيع لتشويه سمعة الصحافي باستخدام الخدمات المتاحة. يمكن شراء الأخبار المزيفة المضرّة بالصحافي مرة واحدة في الأسبوع، والترويج لها عن طريق شراء 50 ألف إعادة تغريد أو إعجاب و100 ألف زيارة للموقع وشراء تعليقات لخلق وهم من المصداقية. وتبلغ التكلفة حوالى 2700 دولار في الأسبوع. وهناك خيار آخر للمهاجم، هو شراء أربعة مقاطع فيديو ذات صلة وتحويلها إلى مقاطع فيديو شائعة على يوتيوب". بعد خلق نوع من المصداقية للحملة المسبقة، يقوم المهاجم بإطلاق حملة مباشرة ضد الصحافي عبر دسّ نحو 200 ألف بوت في حساب الصحافي على تويتر، تقوم بنشر تعليقات سيّئة تتضمن روابط للأخبار الكاذبة عن الصحافي.

تغيير نتائج استفتاء: اللعب مع الوقت

التأثير على نتائج استفتاء أو انتخابات أو قرار مهم يتطلب 400 ألف دولار، وعشرات المواقع التي تروّج للأخبار الكاذبة وآلاف البوتات التي تعمل بشكل مفترس لإعادة نشرها والتعليق عليها والإعجاب بها، ويتطلب أيضاً الوقت، إذ إن اللعبة الاساسية هنا تتعلق بالتأثير على أكبر عدد من المستخدمين قبل ظهور النتيجة. هنا، اللعبة أكبر، وتحتاج تقريباً إلى سنة، إذ إن المطلوب من المهاجم أن يبني وهماً من الثقة حول الأخبار المنشورة، وعليه، يقوم بشراء 5 مواقع إلكترونية على الاقل تتقاطع في ما بينها المعلومات وينشر فيها روابط أخبار صحيحة تقود إلى الأخبار المزيفة، على أن يتم الترويج لها تدريجياً على شبكات التواصل الاجتماعي. مع اقتراب الاستحقاق يتم الترويج للأخبار المزيفة بشكل قوي، وهذه المرة باستخدام أشخاص حقيقيين، لإيهام الناس أن هناك دعماً حقيقياً للحملة.

■ للطلاع على الدراسة انقر هنا

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]