«دبوس»: محلات العطارة أفسدها الدهر!



يملأون محالّهم حتى تكاد تفيض ويصبح السير داخلها مهمة شبه مستحيلة (مروان طحطح)

أن تبيع محالّ مختلفة النوع نفسه من البضاعة في شارع واحد أمر قد يكون طبيعياً، لكن ما ليس طبيعياً أن تحمل جميعها الاسم نفسه وتبيع البضاعة نفسها وتتنافس على الزبائن أنفسهم. كيف بدأت محالّ «دبوس»، وكيف حفرت لنفسها مكاناً في ذاكرة البيارتة واللبنانيين؟

لؤي فلحة

في محالّ «دبّوس»، في منطقة برج أبي حيدر البيروتية، يُخيّل إليك أن هنا حلولاً لكل مشاكل الحياة، من علاج الصلع وتساقط الشعر والضعف الجنسي إلى القضاء على الجرذان والفئران ومكافحة النمل والصراصير، وصولاً إلى إبر بوابير الكاز وغيرها من الأدوات التي انقرضت أو في طريقها إلى الانقراض.

تتجاور المحالّ التي تتشابه في كل شيء: في الاسم والرائحة وطريقة عرض البضائع. ولا تكاد تختلف إلا في إضافات صغيرة على أسمائها، فهذا «دبوس الأصلي»، وذاك «دبّوس الأصيل»، وبينهما أكثر من «دبوس» مع صفات مختلفة.
تخصصت محالّ «دبوس»، أصلاً، بكل ما له علاقة بالعطارة والأعشاب على أنواعها، قبل أن توسّع نشاطها لتشمل ما يصعب حصره وعدّه: عطورات وزيوت ومستحضرات وأدوية وخرضوات وأدوات للبناء والصيد ومبيدات للحشرات والقوارض... ناهيك عن «ظهور السلاحف» وجلود الثعالب وعظام الحمام، وكلها تستخدم في علاج بعض الأمراض أو في أعمال السحر والشعوذة.

الجملة التي يحاول أصحاب هذه المحالّ تحاشيها دائماً: «هالغرض مش موجود عنا»، فيملأون محالّهم حتى تكاد تفيض ويصبح السير داخلها مهمة شبه مستحيلة. مئات الأصناف المختلفة تجعل من ذاكرة البائعين القوية شرطاً أساسياً للنجاح، إذ عليهم تذكر الوصفات والعلاجات بدقة وسرعة، وحفظ أسماء الأعشاب والأدوية والمأكولات والأدوات المختلفة ومكان وجودها في المحل.
ورث أسامة منيمنة «المصلحة» أباً عن جد. «العائلة تعمل في المهنة منذ 150 عاماً. البداية كانت في سوق أبو النصر في وسط البلد، ومع اندلاع الحرب الأهلية انتقلنا إلى برج أبي حيدر، وبعدها كرّت السبحة لتتحول المنطقة إلى مركز أساسي لمحالّ دبوس في لبنان»، علماً بأن نشاط «الدبابيس» يشمل صيدا وطرابلس أيضاً. تسأل إحدى الزبونات «الحاج أسامة» عن علاج لآلام المعدة، فيخيّرها بين عشبة التيهان والشعيري الهندي والصبرا الشقرا! ويقول: «خبرتنا تسمح لنا بإعطاء المعالجات المناسبة، لكن شغلتنا الأساسية تلبية الطلبيات وليس إعطاء الوصفات الطبية».
تحت جملة «يصلح العطّار ما أفسده الدهر» يجلس جميل المصري. حذف الـ»لا» من المثل الشهير سببه أن «الأعشاب والأدوية العربية قادرة على علاج الكثير من الأمراض». أما البضاعة فمصدرها «لبنان ومصر وسوريا والخليج وتركيا والصين، والأسعار دائماً مدروسة لتتناسب مع زبائن المحل، وهم في غالبيتهم من الطبقات المتوسطة والفقيرة».

يؤكد وليد شمالية، وهو صاحب أحد محالّ دبوس، أن المهنة تغيرت كثيراً: «سابقاً كانت تقتصر على لوازم العطارة فقط. لكنها اليوم باتت تشمل الأدوات المنزلية والدهانات والخرضوات». والسبب «تراجع شعبية العطارة مع الوقت، ما دفعنا إلى البحث عن موارد أخرى».
الاهتمام بالديكور ليس من أولويات أصحاب هذه المحالّ ذات الأبواب القديمة والجدران المتهالكة. على الرفوف التي يملأها الغبار، لا يزال الطربوش الأحمر يجاور سلال القش القديمة. وطريقة الدفع لا تزال تقليدية، فلا حواسيب ولا آلات حاسبة ولا بطاقات فيزا، بل جارور خشبي عتيق لـ»الغلّة» ودفتر قديم. هنا، تشعر بأن الزمن يعاند رافضاً التحرك، وبأن «دبّوس» مصرّ على أن «ينغز» دائماً ذاكرة البيارتة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com