لا ريادة أعمال من دون بحث علمي



لدينا القليل من الصناديق الاستثمارية التي تمول الأبحاث (هيثم الموسوي)

اختتم مؤتمر «عرب نت» أمس دورته الثامنة في بيروت بغياب الابتكارات المبهرة. معظم الشركات الناشئة طرحت أفكاراً مستوردة من الخارج وأعطتها نفساً محلياً، في ظل انتشار كبير لنموذج المنصات الإلكترونية والتطبيقات التي تربط موردين أو مقدمي خدمات بعملاء، في استنساخ لنموذج «أوبر» إنما بمجالات مختلفة. ركّز معظم «رواد الأعمال» على التطبيقات الاستهلاكية والخدماتية، فشكل العثور على اختراع جديد مسألة صعبة جداً. وإذا كان هذا هو اقتصاد المعرفة الذي يسعى البلد إليه، فهذا يعني أننا نتجه نحو تعزيز الخدمات من دون إضافة أي قيمة فعلية إلى الاقتصاد. فاقتصاد المعرفة ليس تطبيقات فقط، إنما هو اختراعات تكنولوجية جديدة وتقنيات عالية؛ هو تحفيز للصناعة

إيفا الشوفي

إذا أردنا الحديث عن ريادة الأعمال بمعناها السليم، أي ريادة الأعمال القائمة على تعزيز الابتكارات والاختراعات وليس ريادة الأعمال التي تشجع الاستنساخ وتركز فقط على التطبيقات الاستهلاكية، فإن أساس هذه العملية هما طرفان: الدولة وقطاع التعليم.

من جهة، على الدولة أن تخلق بيئة مشجعة لريادة الأعمال، وأن تسنّ قوانين داعمة للابتكارات، وأن تتيح بياناتها للناس وحق الوصول إلى المعلومات للجميع وأن تعزز قطاع الصناعة، ومن جهة أخرى على قطاع التعليم، وتحديداً الجامعات، أن يقوم بتحفيز الطلاب على الابتكار وتدريبهم نظرياً وعملياً، والأهم دعم وتحفيز البحث العلمي لسبب رئيسي: مهما بلغت الأموال المرصودة لريادة الأعمال، فإن الابتكارات والاختراعات المؤثرة تحتاج إلى أبحاث.

البحث العلمي وريادة الأعمال: علاقة متبادلة

يعطي المدير العام لـ IM Capital نيكولا روحانا مقاربة مبسطة لعلاقة الأبحاث والتطوير بريادة الأعمال، “فالبحث والتطوير هو المكان الذي تُضخّ فيه أموال لإنتاج معرفة جديدة، وريادة الأعمال هي المكان الذي يأخذ المعرفة الجديدة ليضخ أموالاً”. اليوم لدينا القليل من الصناديق الاستثمارية التي تمول الأبحاث، والكثير من الصناديق التي تضخ أموالاً في الشركات الناشئة من دون معرفة إذا ما كان هناك سوق فعلية لها. وفقدان هذه الحلقة الأساسية يؤدي ببساطة الى النتيجة التي نشهدها في العالم العربي اليوم: الكثير من التطبيقات الاستهلاكية المقلدة وشبه غياب للابتكارات المؤثرة. وفيما يتطلع رواد الأعمال والصناديق الاستثمارية والحاضنات والمسرعات الى أن يكونوا مثل الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها رائدة في هذا المجال، حيث تنتج سيليكون فالي مستقبلنا، تنفق الولايات المتحدة الأميركية ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الأبحاث والتطوير.

يشرح مؤسس مركز بيروت للأبحاث والابتكارات الدكتور حسن غزيري أن هناك “مشكلة على المستوى التشغيلي، إذ لا يوجد تمويل لبيئة الأبحاث والتطوير، إضافة الى أنه لا يمكن أن نطور حلولاً علمية لمشكلة ما خلال 6 إلى 9 أشهر، في حين أن جميع الصناديق الاستثمارية لا تمول الشركات الناشئة إلا إذا باتت قريبة من مرحلة إطلاقها في السوق”. لا يقتصر الأمر على صناديق الاستثمار، إذ إن الجامعات أيضاً لا تعطي وقتاً لإجراء الأبحاث.
يقول غزيري إن "الناس المستعدون لأخذ المخاطرة في تمويل الأبحاث هم المستثمرون الملّاك angel investors وهؤلاء ليس من السهل إيجادهم في العالم العربي". تمويل الأبحاث يجب أن يترافق أيضاً مع تنظيم هيكلي على مستوى المؤسسات مثل إيجاد مكاتب ومختبرات تكنولوجية مع رؤية استراتيجية ومراقبة لجميع الأنشطة كي لا يقوم الجميع بالأبحاث نفسها، مع التأكيد على وجوب حماية الملكية الفكرية للباحث ورائد الأعمال.
غياب الأبحاث تتحمل مسؤوليته بشكل أساسي الجامعات، إذ يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت ساري حنفي إن “المشكلة تبدأ من الجامعات، حيث إن المعايير المعتمدة فيها تشكل عائقاً أمام الإبداع لأنها لا تسمح للكليات الشابة بأن تقضي وقتاً بالاتصال بالمصانع المحلية والخبراء لإنتاج الأبحاث”، فعلامَ تركز جامعاتنا اليوم في ريادة الأعمال؟

حاضنات أعمال أم جامعات؟

تفاخر الجامعات الخاصة، التي تلقفت موجة ريادة الأعمال، ببرامجها التي أنشأتها لتدريب طلابها على أن يكونوا رواد أعمال. عشرات البرامج والمبادرات تم إطلاقها خلال السنوات الماضية، معظمها يدور حول مراحل ريادة الأعمال وكيفية تحويل الأفكار إلى منتجات وبعض الأمور التقنية، إلا أن تعزيز البحث العلمي بقي شبه غائب عن برامجها برغم كونه أساس الإبداع.
أنشأت الجامعة الأميركية اللبنانية معهد “الأسرة والأعمال الريادية” وأطلقت برنامجاً تعليمياً خاصاً بريادة الأعمال وبرنامجاً خاصاً بدعم المرأة في ريادة الأعمال، وهي اليوم بصدد قيادة أبحاث خاصة بمجال ريادة الأعمال، حتى إنها أدخلت برامج ريادة الأعمال في الاختصاصات التقليدية حيث يمكن للطلاب اختيار التركيز على ريادة الأعمال ضمن اختصاصاتهم. تقول مديرة معهد “الأسرة والأعمال الريادية” الدكتورة جوزيان سريح إن استراتيجية الجامعة المستقبلية تتجه نحو توسيع البرامج بهدف خلق بيئة محفزة لريادة الأعمال، مشيرة الى أنه في نطاق جامعة "ماساتشوستس" يوجد اليوم آلاف الشركات التكنولوجية التي وجدت بسبب الجامعة.
كذلك أعلن أمس عميد كلية الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت عن اتفاقية تعاون مع ZRE، الشركة المؤسسة لمنطقة بيروت الرقمية BDD، بعنوان innovate@ fea، أي ابتكر في كلية الهندسة، وهي مبادرة تعليمية تستهدف طلاب الهندسة في السنة الثالثة. تهدف المبادرة الى: خلق شركات ناشئة، تأمين وظائف، تعزيز بيئة ريادة الأعمال، دعم رواد الأعمال وإعطائهم فرصة الحصول على تدريب في منطقة بيروت الرقمية والاستفادة من جميع المميزات التي تقدمها بهدف بناء جسر بين التعليم الأكاديمي وبيئة ريادة الأعمال العملية.
لكن هل هذا هو الدور الفعلي للجامعات؟ نقطة مهمة يشير إليها بيجان أزاد، مدير في مركز دروازة لإدارة الابتكار وريادة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت: لا يجب على الجامعات أن تكرر دور حاضنات الأعمال، إنما يجب أن تكمل هذا الدور.

الطلاب لا يريدون أن يصبحوا رواد أعمال

يعبّر شاب من الحاضرين عن معاناته مع الجامعات، إذ "طوّر فكرة جهاز قابل للارتداء يمكنه قياس مستوى السكر في الدم، لكن الجامعة الأميركية رفضت أن يستخدم مختبراتها لإجراء الاختبارات لأنها لا تتعامل مع شركات ناشئة"، كما قال الشاب، وبالتالي عليه أن "يسافر إلى الخارج لإجراء الاختبارات لأنه لا يوجد في لبنان سوى مختبرات الجامعة مجهزة لهذا النوع من الاختبارات".
في مناقشة عدد من أساتذة الجامعات للصعوبات التي تواجه الجامعات اليوم، بالكاد تم التطرق إلى نقص البحوث العلمية. فقد ركز هؤلاء على عوائق، تعتبر واقعية أيضاً، تتمثل في فهم التلامذة لريادة الأعمال على أنها فقط إنشاء شركاتهم الخاصة، إضافة إلى سعيهم إلى تحقيق الأرباح سريعاً. تقول سريح إن "هناك نسبة فشل مرتفعة في ريادة الأعمال، وعلى الطلاب أن يعلموا هذا الأمر منذ البداية، 4 من أصل 5 مشاريع تفشل ولا يمكن أن يصبح الجميع "فايسبوك"، إلّا أن هذا لا يعني الابتعاد عن ريادة الأعمال، إنما التعلم من الأخطاء".
في الواقع، تلفت سريح ــ على عكس الفكرة التي تروج لها مؤسسات ريادة الأعمال أن الجميع يريدون أن يصبحوا رواد أعمال ــ إلى أنه في السنوات الماضية كان هناك اندفاعة قوية من الطلاب لأن يكونوا رواد أعمال، لكنهم أخيراً فقدوا حماستهم. ترتكز سريح على ما ورد في الأبحاث، حيث إن 50% من الطلاب في السنة الأولى أعربوا عن رغبتهم بأن يكون لديهم عملهم الخاص، إلا أن 5% فقط منهم حافظوا على هذه الرغبة في سنتهم الجامعية الأخيرة.

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | Eva_choufi@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]