رسائل صبابة وحنظلة | الشابورة... أقرب نقطة إلى الشمس!


زويا إبراهيم

في طريقك إلى مخيم الشابورة، في رفح، تلفتك الصور والشعارات الملصقة على جدران المخيم. يمكنك أن ترى الصور في كل مكان، حتى إن بعضها صار داخل البيوت. تتغير الشعارات كما يمليه الوضع السياسي والاجتماعي. ففي حال أدى أحدهم مناسك الحج، أو تزوج، تتحول جدران المخيم إلى «حيطان» للتهاني. وفي حال استشهد أحد أبنائه، يتّشح المخيم بالسواد وتعلق في كل بيت، أو كل سنتيمتر، صورة للشهيد.

مرّةً كنت أجلس مع جدتي على عتبة المنزل. اقترب شاب مستأذناً بوضع صورة شهيد بالقرب من باب المنزل. نظرت جدتي إليه مستعجبة من سؤاله، وقالت: «ليكون يمّا اللي بيجوا يحطوا صورهم بالانتخابات بالمخيم أشرف منه وأنا مش عارفة؟!.. طب أقولك أعطيني وحدة بدي أعلقها بالدار كمان».
في بيت جدي، صور عائلية كثيرة معلقة، ولكن هناك صورة لأخي وهو ملثم بالكوفية، ويمسك بيده بندقية «لعبة»، قد وضعت في «صدر الدار». بمجرد دخولك البيت، ستكون أول صورة تقع عينك عليها. تقول جدتي «بحبها هالصورة»، وتسألني: «عارفة ليش حطيتها بنص الدار يا ستي؟.. هم بيفكرونا نسينا بس هيهات يا ستي هيهات».
تروي جدتي سبب وضعها الصورة: في الانتفاضة الأولى كانت هناك اشتباكات في مخيم الشابورة مع الاحتلال، وكان أخي عمره خمس سنوات، فخرج مع الأطفال لرمي الحجارة وإذا به يصيب أحد جنود العدو في عينه. هرب أخي خوفا إلى المنزل، فاقتحم الجنود البيت وأمسكه أحد الجنود ورفعه عاليا، ثم علقه على مسمار. صرخ الجندي في وجه أمي: «سوف أفلته الآن ليسقط ثم أقتله». دخلت معه أمي في جدال لإقناعه بأنه ولد صغير، كأنه لا يعلم. تجمع أهالي المخيم حتى أفلتوا أخي من يد الجندي. وتكمل جدتي: «وضعت صورة أخيكِ بالمكان الذي علقو فيه الجنود نكاية بهم، فهو الذي قلع عينهم».
يعلمك المخيم أن النسيان في مواقف كهذه نقمة، وأنه من المعيب أن تنسى ما فعله الاحتلال بك، بل يجب عليك ابتكار أساليب تبقي ذاكرتك متيقظة على الدوام عند أي حدث، مهما صغر حجمه. كان هذا أحد أساليب جدتي في التذكر.

بطيخ «الأونروا»

بيوت المخيم يشبه بعضها بعضا في الشكل وأسلوب المعيشة. ففي الظهيرة، تعبق الشابورة برائحة الطعام «الطبايخ». كان جدي يعود من عمله في سوق رفح على موعد الغداء، حاملا بيده بطيخة، ويطلب من جدتي كل يوم بعد تناوله الطعام، وبحماسة عالية، أن تأتي بصينية لكي يضع عليها بطيخته الكبيرة ويبدأ تقطيعها. كالعادة، يدخل في مشكلات مع جدتي لأنه لم يضع البطيخة في الثلاجة لتبرد، فيرد عليها: «من امتا البطيخ بينحط بالتلاجة؟». ولا يجد شيئا ليخفف غضبها سوى قوله إنه وضع البطيخة على أرض المطبخ وبردت. تضحك جدتي وتقول: «وين بمطبخنا اللي اسخن من الفرن ياخوي يا ابو الزينكو؟”. يتجاهلها كعادته، وحتى يشجعني على أكل البطيخة معه وهو يقنعني بأن «من أسس أكل البطيخ أن يكون ساخنا».
«ولاد المخيم معهم مصاري بيجيهم دعم من كل مكان، بيكفي مصاري الأونروا»، كثيرا كنت أسمع هذه العبارة، وفي كل مرة أسمعها أضحك وأتذكر حادثة البطيخ. فكما تجري عادة أكل البطيخ اليومي في الشابورة، وضع جدي ذات يوم قشر البطيخ بعد أكله في سلة على باب البيت، وعندما ذهبت من بعده لأرمي الكيس المتروك على الباب في الحاوية، وجدت أثار أسنان أطفال المخيم الصغيرة على قشر البطيخ الغليظ، وقد حولته إلى قشرة رقيقة. ربما «الأونروا» أغدقت على أولاد المخيم بالنعم ونسيت أن ترفق البطيخ الساخن ضمن المساعدات!

مروحة الطلاق

في بيت جدي مروحة مشاغبة معلقة بسقف «الزينكو»، كان ولا يزال جدي يخاف منها كلما همت جدتي بتشغيلها من شدة الحر. كان يطفئها ويحاول إقناعها بأن عمل المروحة في بيت الصفيح هذا لا فائدة منه لأنها توزع الهواء الساخن. وبالفعل، كانت هذه المروحة المشاغبة تهتز أكثر من أن تدور، كأنّ في نيتها الوقوع على رأس أحدنا.
«والله إنك خايف منها يا محمود»، تستفزه جدتي بهذه العبارة فيقوم من مكانه ويطفئها، ويحلف بالطلاق على جدتي اذا فكرت في تشغيلها مرة أخرى، رغم أن هذه المحادثة تدور بينهما يومياً طوال فصل الصيف.
رغم تأقلم جدي وجدتي مع حر الصيف لكنني حاولت أن أتصور تعابير وجه جدي، لو قلت له إن عضوا في «اللجنة المركزية لحركة فتح» اشتكى ذات يوم أنه جلس في أحد الاجتماعات التي كانت تدور حول الانتخابات المحلية لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات من دون تكييف، لأن الاحتلال قطع الكهرباء عن المنطقة، وكانت درجة الحرارة 30.
الاحتلال اقتلع جدي قبل 67 عاما من قريته القبيبة، وأسكنه مخيم الشابورة، وهي قطعة الأرض المقتطعة من الشمس لشدة الحر في المخيم. أعتقد أن الشمس في مخيم الشابورة تكون عند أقرب نقطة لها مع الأرض. بالنسبة إلي: الاحتلال والعالم والشمس أيضا كلهم يتحالفون ضد المخيم.
«انجبرت على العيش بالمخيم وصرت أحبه لانه احسن من غيره»، يقول جدي دائما، وعندما أسأله عن الأمور التي يشتاق إليها في «البلاد»، أي في قريته، يقول لي: «الفضا يا سيدي والبراح والهوا اللي بيرد الروح»، وجدي منذ أن غادر القبيبة، انقطع عنه الهواء.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com