جنون ابن سلمان: حصر إرث المملكة ومحاصرة لبنان


أثناء وصول الملك السعودي إلى الرياض أول من أمس، قادماً من المدينة المنورة (أ ف ب)

تتمسك السعودية، منذ أيام، بخطاب التصعيد الخارجي الذي بلغ ذروته مع الدعوة أمس إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية لتنسيق رد على إيران. وفي تناقض تام، تقوم مصر، في المقابل، وعبر وزير خارجيتها سامح شكري، بجولة إقليمية موسعة، بدا واضحاً من أولى محطاتها أن القاهرة تحمل مبادرة «إطفائية»

على وقع التوتر الكبير الذي تعيشه المنطقة، بعد التصعيد السعودي والأميركي ضد إيران، تشهد عواصم عدة حراكاً دبلوماسياً على أكثر من خط.
وفي تصعيد سعودي جديد، طلبت الرياض، أمس، اجتماعاً طارئاً لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، الأحد المقبل، للبحث في «كيفية التصدي للتدخلات الإيرانية في الدول العربية وتقويضها للأمن والسلم العربي واتخاذ ما يلزم حيال ذلك».

العدد ٣٣٢٣

(أ ف ب)

لا يقتصر تأثير ما يجري في السعودية على المملكة أو المنطقة فحسب. في الجانب الآخر من القضية والمسائل التي تحدث، منذ أكثر من أسبوع، هناك الحلفاء الغربيون، وخصوصاً الأميركيين، وهو ما تطرّق إليه عدد من الصحف والمجلات الأميركية خلال اليومين الماضيين

لا تزال وسائل إعلام أميركية عدة تسعى إلى تقدير ما يحصل في السعودية من تغييرات، محاولة في الوقت ذاته الاسترسال في التحليل، علّها بذلك تتمكن من التقاط طرف خيط يقودها إلى ما قد يحمله المستقبل من نتائج لما يقوم به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من خطوات غير مسبوقة في المملكة التي تعد الحليف الأساسي للولايات المتحدة في المنطقة.
وبالتوازي مع ظهور التداعيات، يحاول عدد من الصحف والمجلات الأميركية، التكهّن بنوعية هذه التداعيات على واشنطن، بنحو خاص، الأمر الذي تطرّق إليه كل من ديفيد آيرون ميلر وريتشارد سولوسكي في مجلة «فورين بوليسي». وفي تقرير تحليلي بعنوان «دونالد ترامب أطلق السعودية التي طالما أردناها وخفناها»، رأى الكاتبان أن «ابن سلمان وضع الشرق الأوسط على مسار تصادمي، فيما سيتلقّى البيت الأبيض العواقب». وقالا: «الآن، سرّع ولي العهد السعودي صعوده إلى العرش، من خلال سلسلة من عمليات التطهير الواسعة النطاق والحركات المتهورة على مستوى السياسة الخارجية».

العدد ٣٣٢٣

في حين كان للإجراءات الداخلية التي اتخذها محمد بن سلمان في الأيام الماضية آثار كارثية على الأسواق المالية الخليجية (باستثناء السعودية والبحرين)، وعلى ثقة المستثمرين السعوديين بدولتهم، ما ظهر ببدء بعضهم بيع استثماراتهم لتحويلها إلى الخارج، كان للمحاولات السعودية إعادة إشعال العدائية في المنطقة تجاه إيران أثر «إيجابي» على أسعار النفط، إذ استقر سعر خام برنت هذا الأسبوع عند حوالى 63 دولاراً للبرميل، أي أعلى بـ 40% من أسعار تموز الماضي

لم يعلن أحد الحرب على الآخر، ولم تتعرض الموارد المادية للنفط للخطر، ولكن ارتفعت رهانات الشركات الاستثمارية على ارتفاع أسعار الخام إلى مستويات قياسية. لم يكن للاضطرابات التي حصلت خلال الأشهر الماضية في دول أخرى مصدّرة للنفط مثل فنزويلا وليبيا ونيجيريا الأثر ذاته على المستثمرين.

العدد ٣٣٢٣

حياة 75 ألف مريض في صنعاء مهددة نتيجة إغلاق مطار العاصمة (أ ف ب)

مهددون بمجاعة وصفتها «الأمم المتحدة» بـ«الأكبر في العالم منذ عقود طويلة وضحاياها بالملايين»، يشارك أبناء العاصمة اليمنية صنعاء، اليوم، بمسيرة حاشدة تنديداً بالحصار السعودي الخانق، في محاولة أخرى لكسر الصمت الدولي والتعتيم الاعلامي

لا سبب يمنع المواطن اليمني من النزول إلى الشارع اليوم. فأمام البلد العربي الأشد فقراً، تقف سياسة الضغط والترهيب والتهديد السعودية التي أخضعت وأذلّت أقوى دول العالم، عاجزة. فبماذا تهدد الرياض شعباً جردته خلال السنوات الثلاث الماضية من كل ما يملك؟ وكيف تتحدى من ليس لديه ما يخسره؟ اليوم، وصلت المملكة وولي عهدها محمد بن سلمان إلى حائط مسدود توقعه كل من راقب تحوّل «الحرب الخاطفة التي ستنتهي خلال أيام»، إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، أثبتت جهل الرياض بأرض اليمن واستخفافها بقدرة شعبه على الصمود والمقاومة والقتال.

العدد ٣٣٢٣

الرياض تشنّ حملة على نادر الحريري واستياء في بيت الوسط من جعجع (هيثم الموسوي)

لم يكتفِ السعوديون بإهمال كل المطالب اللبنانية والعربية والدولية بإطلاق رئيس الحكومة سعد الحريري، بل بدأوا حملة جديدة لفرض بهاء الحريري زعيماً بديلاً. ويبدو أن وسيلة الضغط المركزية انتقلت من محاولة إقناع العائلة وتيار «المستقبل» الى العمل على جزء من الجمهور، بالتزامن مع العمل على إحداث شرخ داخل الفريق السياسي للرئيس الحريري، سواء على صعيد الكتلة النيابية أو على صعيد القيادات السياسية والناشطين، وصولاً الى المجال الاعلامي.
وبقي وزير الحرب السعودي على لبنان ثامر السبهان في حالة استنفار وتواصل مع عدد كبير من الشخصيات اللبنانية، بمعاونة القائم بالاعمال السعودي في بيروت وليد البخاري الذي باشر في الساعات الـ36 الماضية بتوجيه دعوات لشخصيات وجموع من المناطق لزيارة السفارة في بيروت ومبايعة المملكة وخياراتها، فيما ينشط الوزير أشرف ريفي وقيادات من «أيتام 14 آذار» لخلق مناسبة لتحرك شبابي أو شعبي في بيروت.
الغضب السعودي من البيان الصادر عن كتلة «المستقبل» النيابية أول من امس، دفع بالجانب السعودي، بحسب مصادر، الى إعادة الحريري الى مكان توقيفه السابق في مجمع «ريتز كارلتون». ولكن مقرّبين من رئيس الحكومة أكدوا، في المقابل، أنه لا يزال في منزله في الرياض، لكن مع تشديد الاجراءات الامنية حوله وإقفال الطرق المؤدية اليه. وقال هؤلاء إن لقاءات عائلية كانت مقررة مع الحريري ألغيت في اللحظة الاخيرة.
وفي بيروت، واصل السبهان، عبر معاونه البخاري، الضغط عبر التواصل مع «مفاتيح شعبية»، بالتعاون مع الوزير السابق أشرف ريفي، لتنظيم وقفات شعبية تدعم السعودية، سواء في الحملة على إيران وحزب الله أو على صعيد مبايعة بهاء.

العدد ٣٣٢٢

نصرالله: إهانة رئيس الحكومة إهانة لكل لبناني (هيثم الموسوي)

لم يشذّ خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن الجوّ العام في البلد الذي يلتزم التهدئة، والمطالبة باستعادة رئيس الحكومة سعد الحريري من السعودية، ليُبنى على الشيء مقتضاه. ولكنه لم يتوان عن تعرية أهداف السعودية من حربها على لبنان وحزب الله، مؤكداً أنّ ضغوط النظام السعودي لن تنجح في أن يُبدّل حزب الله مواقفه

في مقابل الهستيريا السعودية، بقيادة حليف الولايات المتحدة وإسرائيل، محمد بن سلمان، التي تبغي الانتقام من إيران في لبنان، ودفع البلد نحو الانهيار على الصعد كافة، برز في الداخل اللبناني من يتهيب المرحلة الحساسة، فقرّر تقديم خيار التهدئة والاستيعاب على أي تصرّف آخر.

العدد ٣٣٢٢

رئيس الجمهورية: قبل اموال الامراء السعوديين نريد اميرنا (مروان بوحيدر)

من السبت الاول 4 تشرين الثاني الى السبت الثاني اليوم، اضحت الحقائق اكثر وضوحاً. من مناقشة استقالة مفاجئة لرئيس الحكومة من الرياض ومبرراتها، الى اعتقاد جازم بأن الرجل اقرب ما يكون الى معتقَل

رد فعل اليوم الاول، في السبت الاول، انتظار عودة الرئيس سعد الحريري الى بيروت للاطلاع منه على ملابسات قراره. بعد اسبوع حقيقة مختلفة تماماً: استعادته من مكان احتجازه بعد التأكد من ان ثمة ما يمنعه من العودة.

العدد ٣٣٢٢

محاكمة السياسة السعودية الهوجاء في لبنان، من منطلق التفتيش عن مصلحة للرياض في التطورات السوريالية الأخيرة، تبدو أمراً عصيّاً. في التقييم الاجمالي لسلوك آل سعود، منذ إقالتهم رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري السبت الماضي، يبدو هؤلاء كمن أطلق النار على رأسه، لا على قدمه.

العدد ٣٣٢٢

زيارة القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري إلى قصر بعبدا لم تؤثر بأي شكلٍ من الأشكال على موقف الرئيس ميشال عون من قضية احتجاز المملكة لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، وإجباره على تقديم استقالته من على شاشةٍ سعودية وببيان ممهور بختم ملكي. فالجنرال يُصرّ على مطلبه الوحيد «إعادة الحريري وعائلته إلى لبنان. وهو أخبر البخاري بما يجب أن يسمعه من دون أي تجميل للموقف»، يقول أحد المقرّبين من عون.

العدد ٣٣٢٢

أفادت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني بأن الاستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، عرّضت التقدمات السياسية التي حققها لبنان في السنوات الماضية للخطر، ما قد يجدد الضغوط على الاقتصاد والنظام المالي. لكن «فيتش» لم تخفض تصنيف لبنان من «B-Stable»، وهو تصنيف يعكس على أي حال «ضعف التمويل العام، ومخاطر سياسية وأمنية مرتفعة، وأداءً اقتصادياً ضعيفاً».

العدد ٣٣٢٢

(أ ف ب)

لم يكن تحذير السفير الاسرائيلي السابق في واشنطن، دان شابيرو، من تورط إسرائيلي في مواجهة عسكرية مع حزب الله في لبنان، في هذه المرحلة التي يهدد فيها النظام السعودي لبنان حكومة وشعباً، مجرد تخمين نظري، بل من موقع المطّلع الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع صنّاع القرار السياسي في تل أبيب وواشنطن. واستناداً الى إدراكه لمحدودية الخيارات العملانية أمام السعودية لفرض سياساتها على لبنان، يصبح لسؤاله، عمّا إذا كانت السعودية ستدفع إسرائيل الى شنّ حرب ضد حزب الله وايران، دلالات مغايرة.

العدد ٣٣٢٢

يراقب النائب وليد جنبلاط بعين الريبة تطورات المشهد السياسي، منذ «اختفاء» الرئيس سعد الحريري. يأخذ بجدية تهديدات السعودية للبنان وإجبار الحريري على الاستقالة. يوم أمس، ظهر جنبلاط شديد الحيرة؛ يقول موقفاً، ثم يمحوه. غرّد ليلاً على «تويتر» بأنّه في «أوقات الأزمات، أهمّ شيء التحلّي بالصبر والهدوء والصمت، وإدلاء الرأي عند الضرورة، آخذين بعين الاعتبار أنّ كثيراً من المعطيات نجهلها».

العدد ٣٣٢٢

واشنطن وباريس: تمسك بالحريري ودعوات للتهدئة

بعد مرور أسبوع على وضع الرئيس سعد الحريري في الإقامة الجبرية، تناقش الدولة اللبنانية جدياً خيار تدويل الأزمة مع السعودية، ونقل قضية حبيس السعودية اللبناني الى مجلس الأمن. وعلى الرئيس الحريري أن ينتظر أسبوعاً إضافياً على الاقل، قبل أن يطرق لبنان أبواب الامم المتحدة رسمياً، ويحزم أمره لمواجهة دبلوماسية مع السعودية، من دون أن تكون نتائجها محسومة سلفاً، سيما أنها مع خصم تمتد شبكة مصالحه الاقتصادية ونفوذه بقوة داخل الامم المتحدة، فضلاً عن أنها ستكون أول مواجهة عربية يخوضها لبنان في مجلس الامن.

العدد ٣٣٢٢

باريس | بعد قرابة أسبوع من الصمت الرسمي الفرنسي حيال التطورات المتسارعة في السعودية، أقدم الرئيس إيمانويل ماكرون على خطوة فاجأت حتى أقرب مستشاريه، حين قرر القيام بزيارة خاطفة إلى الرياض، ليلة أول من أمس، في أعقاب زيارته للإمارات. خطوة لم تكن متوقعة، بالنظر إلى الحياد الذي فرضه ماكرون على دبلوماسيي بلاده منذ إطلاق حملة الاعتقالات الأخيرة في السعودية.

العدد ٣٣٢٢

جاريد كوشنر (أ ف ب)

واضح، بلا جدال، أن إجراءات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، داخل المملكة وخارجها، ومن ضمنها الإجراءات العدائية ضد لبنان، تلقى قبولاً أميركياً، أو في حد أدنى، تفهماً لا يستدعي معارضة أو فرملة. لا ابن سلمان قادر على فعل ما يعارض المصالح الأميركية أو تجاوز سقوفها وخطوطها الحمر، ولا أميركا في وارد معارضة ما لا يتعارض مع مصالحها المباشرة.

العدد ٣٣٢٢
لَقِّم المحتوى