أحمد فؤاد نجم... بهية تبكي شاعر الغلابة

هذه المرّة «تجمّع العشّاق» أمام جامع الحسين. الجنازة البسيطة التي خرجت من المسجد القاهري، صوّرتها الكاميرات من كل الزوايا الممكنة. من يقول إن في هذا الصندوق الخشبي المرفوع على الأكف وسط آهات وهتافات خافتة، أحد أكبر شعراء مصر والعرب في القرن العشرين؟ وريث عبدالله النديم وبيرم التونسي، وأحد هؤلاء الذين أعطوا العامية المصرية فصاحتها إلى جانب فؤاد حدّاد وصلاح جاهين والآخرين. أحمد فؤاد نجم تكلّم بلسان الناس، وغنّى أوجاعهم، حمل هموم الفقراء وغضبهم وأحلامهم وعزيمتهم وفطرتهم وحسّهم الساخر. «شاعر الغلابى» الذي نبكيه الآن بصمت، شكّل وجدان أجيال، وأرّق مضاجع عظماء، بكلماته العارية، ولسانه السليط، ونقمته الهادرة، وضحكاته المجلجلة.

العدد ٢١٦٧

خلال احدى إطلالاته التلفزيونية منذ فترة

القاهرة | خرج المثقفون المصريون ظهر أمس لوداع أحمد فؤاد نجم (1929 ــ 2013) من «مسجد الإمام الحسين» إلى «مقابر الغفير» في «السيدة عائشة». جنازة أرادوها شعبية على بعد خطوات من حوش قدم في الغورية، المكان الذي شهد الولادة الحقيقية لموهبة «الفاجومي». كان بإمكان خبر الموت أن يكون شائعة كما اعتاد انصاره، لولا أنّ مقربين من الشاعر، وعلى رأسهم الناشر محمد هاشم، أكدوا الخبر على صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي فجر أمس حين توفي عن 84 عاماً، أمضى أغلبها مطارداً من السلطات.

العدد ٢١٦٧

خلال تشييعه أمس

القاهرة | سلك أحمد فؤاد نجم أمس «الطريق اللي ملهوش راجع» بعدما ودعه أصدقاؤه ورفاقه وتلاميذه، إلى مثواه الأخير في «مقابر الغفير». الطريق الذي سلكه نجم كان طويلاً. عن عمر يناهز 84 عاماً، رحل فجر أمس في منزله في المقطم. ورغم رحيله في هذه السنّ، إلا أنّ خبر وفاته كان مفاجأة للجميع، فالرجل لم يرقد يوماً، بل كان عائداً من السفر منذ ثلاثة أيام فقط بعد مشاركته في مهرجان تراثي في عمان، حيث تنبأ بثورة ثالثة في مصر قائلاً: «ما تخافوش على مصر. النصر قرّب من عينينا. الناس قلقانة على مصر. عندنا الشباب دول شياطين. ماحدش حيقدر يضحك عليهم زينا».

العدد ٢١٦٧

القاهرة | فؤاد نجم والشيخ إمام... مَنْ يحسدُ مَن على الرحيل؟ السؤال يفرض نفسه بعد وفاة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، واهتمام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بنبأ رحيل «شاعر الثورة».
حين توفي الشيخ إمام في السابع من حزيران (يونيو) 1995، لم تهتم وسائل الإعلام الرسمية بالنبأ الجلل. وبالطبع، تجاهل التلفزيون الرسمي الخبر، ولم يلق بالاً برحيل «مطرب الشعب». اكتفت صحيفة «الأهرام» بزاوية صغيرة ونعي لم يتجاوز سطرين؛ إذ نشرت: «المغني الكفيف الشيخ إمام (78 عاماً) توفي أمس.

العدد ٢١٦٧

يصعب على الباحث أن يحدد على وجه الدقة كم قصيدة كتبها أحمد فؤاد نجم، فقراؤه يكتشفون كل يوم قصيدة له. الملاحظة الوحيدة التي يمكن رصدها خلال مراجعة قصائده ودواوينه أنّ أغلبها كتبها في سجون النظام، سواء كان في سجن جمال عبد الناصر، أو أنور السادات من بعده.

العدد ٢١٦٧

خلال تظاهرة عام 2005

القدس المحتلة | [إلى مصطفى إبراهيم صاحب «المانيفستو»]
يشاء القدر أن أكتب لك في يوم هو الألم مجسّداً. فليس في كل يوم تستقبل الأرض شاعراً، كما أن إرجاع شاعر إلى التراب ليس بالأمر الهيّن. وعلى كثرة ما يتخيّل خيالي، فإني لا أتصور أحمد فؤاد نجم ميتاً. يمكن لي أن أتخيله مطلّاً على مشيعيه بتعليق ساخر أو ممازحاً «التربي» الذي حفر قبره. كل ذلك ممكن ولكن لا أتخيله وديعاً مستسلماً. كما أني لست الوحيد الذي فوجئ اليوم أنه ابن 84 سنة. فحتّى إطلالالته الأخيرة، والوهن باد على صحته، ظلت فيها فتوة الشباب بل ومسحة طيش تحول دون حسابه من الشيوخ.
أتذكّر كم كانت تسحرني «بذاءته» وأرى «الأدب» كلّه فيها.

العدد ٢١٦٧

عكا | لمحبيه من أبناء الأرض المحتلة وبناتها علاقة خاصة مع «النجم». والأهمّ أنّ حبّ الناس له لم يكن يوماً موسمياً، وكلماته لم تكن متعلقة بفترة زمنية وإنسانية محددة، بل هي حية منذ لحظة كتابتها حتى يومنا هذا. وبذلك، استطاع كشاعر أن يجعل الكلمة السياسية بمثابة سرد وجودي غير متعلق بزمكانية ما؛ فهي تحكي عن انتفاضة الخبز عام 1977، وتحكي عن ثورة «25 يناير» بالضبط. وحين قال: «وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات/ وكلّ يوم بحبّك أكثر من اللي فات»، كان يخاطب مصر، ولكنّ حبّه لـ«بهية» لم يختلف عن الحبّ لفلسطين ولم يحتج إلى كلمات أخرى للتعبير عنه.

العدد ٢١٦٧

مع ابنته زينب عام 1993 (رندا شعث ــــ مصر)

القاهرة | منذ الثامنة من صباح أمس، التقط ملايين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في مصر أنفاسهم وتوقفوا عن الجدل السياسي الذي لا ينتهي منذ عزل الرئيس محمد مرسي. تفرّغ هؤلاء لنعي أحمد فؤاد نجم واستعادة أشعاره العزيزة على قلوبهم. لم يتداول الحزانى قصائد بعينها، بل تحول الـ«تايم لاين» إلى ديوان يجمع كل أشعار نجم تقريباً، وأعاد البعض تسجيلات نادرة له، سواء مع الشيخ إمام، أو آخرين، فضلاً عن صور ومواقف مرت في سنواته الـ84. وهناك من اختار قصيدة «جيفارا مات» للراحل مع تحريف مطلعها وتحويلها إلى: «الفاجومي مات» أو «نجم مات».
الحدث كان أيضاً مناسبة لممارسة الشماتة من قبل بعض المنتمين إلى الإخوان. بداية، اشتبك الحزانى على وفاة «الفاجومي» مع أنصار الجماعة، قبل أن يتفرّغ محبّو «الشاعر البندقية» لمتابعة أخبار الجنازة. وكان الحدث مناسبة ليتأكد كثيرون أنّ الحساب المنسوب إلى أحمد فؤاد نجم على تويتر الذي شارف على بلوغ نصف مليون متابع لا يخص الراحل. ورغم أنّ صاحب الحساب نفسه وابنة نجم الكبرى نوارة أكدا مراراً أن لا حسابات للشاعر على تويتر، استمر الإقبال على الحساب وتداول ما ينشر من تغريدات.

العدد ٢١٦٧

دمشق | لدمشق حصتها في ذاكرة أحمد فؤاد نجم، مثلما له حصته في ذاكرة الشام، منذ أن وطئت قدماه ترابها لأول مرّة، مطلع ثمانينيات القرن المنصرم. أتى برفقة الشيخ إمام كي يحييا أمسية غنائية. الصوت الشجي للشيخ الضرير، والقصائد الغاضبة لـ«الفاجومي». احتشدت صالة «ملعب تشرين الرياضي» بجمهور متعطش لنصٍ مغاير. غادر الشيخ إمام دمشق بعد أيام، وامتدت إقامة أحمد فؤاد نجم إلى خمس سنوات كاملة. البيت الذي استأجره في شارع العابد، وسط دمشق، كان محطة لشباب اليسار ، و«غرزة» لاستنشاق لحظة حرية مقموعة، ومشاريع لإطلاق أغنية طليعية، انتهت بتأسيس فرقة «المسحراتي» التي انطفأت برحيله إلى القاهرة.

العدد ٢١٦٧

«شيوعي»، «تهمة» جاهزة لكل من يسمع أغنيات الشيخ إمام. وما أحلاها تهمة، حينما يقارنها المرء بـ «تهم» هذا الزمان التي لا تخلو من الطائفية والتعصب. و«الشيوعي» تستدعي تهمة ثانية جاهزة أيضاً: «كافر»، وفي رواية أخرى: «ملحد»، وأحياناً: «زنديق». وكل ذلك لأنك تستمع إلى الشيخ إمام يغني من كلمات أحمد فؤاد نجم. فالثنائي الذي افترق قبل وفاة إمام، بسبب الخلافات، كان «يوصم» بالشيوعية من قبل السلطة، ومن قبل المعارضات الإسلامية، وقد عبّر نجم خير تعبير عن هذه التصنيفات في قصيدته «ده شيعة واحنا سنة»، حين قال: «وناس تقول شيوعي وعامل نفسه شيعي، عشان خايفين طبيعي ليبقوا ثورتين».

العدد ٢١٦٧

القاهرة | «مات المناضل المثال، يا ميت خسارة ع الرجال»، هكذا أعرب عدد من المبدعين المصريين عن حزنهم على رحيل أحمد فؤاد نجم. الشاعر وائل فتحي قال لـ«الأخبار» إن الحديث عن نجم يستدعي الحديث عن شاعر القبيلة والشاعر الصعلوك، «بوصفهما نموذجين ظلا مطروحين في الأدبيات النقدية العربية، وربما أدى التكلس النقدي إلى البقاء عليها إلى يومنا هذا، رغم انفلات الشعراء عامة من أسر تلك المفاهيم التي باتت جامدة، ولا تعبر عن الواقع، ولم تنتبه لشعراء العامية المصرية على وجه التحديد».

العدد ٢١٦٧

القاهرة | قبل أن يتسلم «جائزة الأمير كلاوس» الهولندية يوم الحادي عشر من كانون الأول (ديسمبر) في احتفال رسمي في القصر الملكي في أمستردام، ترجّل أحمد فؤاد نجم أمس عن عمر يناهز 84 عاماً. طوال مشوار حياته، عرف «عم نجم» بمعارضته للسلطات التي تعاقبت عليه، ورفضه لها، منذ ديوانه الأول «صور من الحياة والسجن». ورغم تقديره للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي وصفه بـ«أمير الفقراء المصريين»، إلا أنّه انتقده مراراً، وخصوصاً بعد النكسة، وسخر من انسحاب الجيش المصري في قصيدة «الحمدلله خبطنا تحت بطاطنا»، وسخر أيضاً من شعارات المرحلة التي فُرِّغت من مضامينها كـ«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

العدد ٢١٦٧

إعداد: سيد محمود

رازي نابلسي*
ومن ذا الذي يجرؤ على أن يتهم الشاعر بالموت؟ نهضت اليوم من فراشي. ككل يوم، أتفحص شبكات التواصل الاجتماعي. وإذا بي أرى خبر وفاة جسد شاعر العامية الثائر الحر، أحمد فؤاد نجم. فما كان مني سوى النظر نحو مكتبتي، فوقع نظري على غلاف «أحمد فؤاد نجم ــ الأعمال الكامله». ابتسمت وقلت: لا يعقل أن يموت، لقد كتب للثورة، للحرية وللشعوب، لقد كتب للاحرار، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يعلن موته؟

العدد ٢١٦٧
لَقِّم المحتوى