جبل النفايات يجاور سوق السمك: لا بديل

من خلف جبل النفايات «المولود» حديثاً في منطقة الكرنتينا، يمتد الطريق الى سوق السمك المركزي. قبل نحو شهر ونصف، عمد القيّمون على السوق الى استحداث طريق «فرعي» يُجنّب قاصديه المرور بـ «المكب الوطني»، على حد تعبير أحد باعة الأسماك. الا ان هذا الطريق الذي شُجّر بنباتات صغيرة، وان حاول «التعويض» على المشاهد الموبوءة في المنطقة، لم يستطع أن يمنع «أسراب» الذباب من «احتلال» مدخل السوق، المصدر الرئيس للسمك في لبنان.

من يدخل السوق، يُدرك ان الباعة هنا، يبذلون جهوداً إضافية لتدارك تداعيات البيئة الموبوءة التي تحيط بالمكان. آلات القضاء على الذباب موجودة عند كل بسطة، كذلك اغطية الزجاج الموضوعة على صناديق عرض الاسماك. أما «شطف» الارضية فهو تدبير دوري لدرء الرائحة ولإعطاء طابع النظافة المفقود في المحيط.
يقول الباعة ان التحسين في تدابير النظافة بدأ عقب اعلان محافظ مدينة بيروت القاضي زياد شبيب في شباط الماضي، إقفال السوق بسبب افتقاره الى الشروط الصحية وغيرها (قبل ازمة النفايات)، حينها حصل خلاف بين شبيب ومدير السوق ياسر ذبيان حول «صلاحية الاقفال»، خلص الامر الى اجراء تحسينات قامت بها ادارة السوق لاعادة فتحه تمثلت بإصدار البطاقات الصحية للعاملين في السوق وتبليط البسطات وغيرها. إلا أن الإجراءات المتمثلة بوضع آلات القضاء على الذباب واغطية الزجاج وغيرها، استُكملت بعد اعلان وزير الصحة العامة وائل ابو فاعورفي 30 تموز الماضي إقفال سوق السمك «احترازياً لمدة 3 ايام الى حين معالجة موضوع النفايات». لم تُعالج ازمة النفايات ولم يُقفل سوق السمك الا لمدة يوم ونصف تجنباً لخسائر الباعة (http://al-akhbar.com/node/239030). أُعيد فتحه واختزلت معالجة النفايات بإجراء احترازي تمثّل بشق طريق مستحدثة تجنب روّاد السوق «الاصطدام» بجبل النفايات.
«صحيح ان الزبائن يدخلون بأنوف مسدودة قدر الامكان، لكنهم بالمحصلة يدخلون ويشترون السمك»، يقول احد الباعة ضاحكاً، في اشارة الى ان السوق لديه زبائنه «الاوفياء».
«الي 12 سنة هون، الزبائن هني هني»، يقول عثمان، صاحب البسطة «المرابط» في السوق منذ سنوات طويلة. يتجنّب الرجل الحديث عن»وقع» الازمة المحيطة بالسوق والتي تهدد صحته الشخصية، كما صحة بقية العاملين، وينشغل بالحديث عن «جودة السمك الطازج الموجود في السوق»، لافتاً الى أن كرم هذا السوق وجودته من شأنه ان يحصّنه من «تبعثر» زبائنه مهما كانت الأزمات، مستطرداً: «فكرك المسامك أفضل؟ هون السمك كل يوم بيومو».

يتسلّح غالبية الباعة بمبدأ «قلب السوق» (نفاذ الكميّات وتجديد البضاعة)، لدحض اي «شُبهة» تطال نوعية السمك. يقول رئيس نقابة بائعي الاسماك عبدالله أن جميع الاسماك التي تدخل الى السوق تخضع لفحص عينات «سواء عن طريق المطار او عن طريق البحر»، لافتاً الى قيام اللجنة المكلفة من وزارة الصحة بالكشف دورياً على البسطات وعلى عينات من الاسماك. ويشير مدير السوق ياسر ذبيان إلى ان معايير السلامة الغذائية متبعة «بشكل مثالي»، لافتاً الى ان استحداث الطريق الفرعية الخاصة يجنّب الكثير من المخاطر. ولكن ماذا عن عدد الزبائن الذين يقصدون المكان، ألم يتقلّص؟
بعيداً عن حديث «وفاء» الزبائن، الباعة الذين ينفون تأّثر السوق بـ «نمو» جبل النفايات بالقرب منهم، يعتبرون أن لا بديل من السوق/ المركز: «نحن المصدر الرئيسي لجميع المسامك والمطاعم في لبنان»، يقول غزال، مضيفاً: «هو المصدر الوحيد للسردين البحري اللبناني، ذلك أن جميع الصيادين من الشمال الى الجنوب يودعون لدى السوق يومياً حوالى 15 طناً، توزع على مراكز البيع في المناطق اللبنانية المختلفة»، فضلاً عن أن السوق يشكّل «محطّة» لجميع السمك المستورد من تركيا والسنغال ومصر «التي تتراوح بين 80 و100 طن أسبوعياً».
يُشير عثمان الى بعض الزبائن الموجودين في المكان كـ «برهان» على حديثه عن «حفاظ السوق على زبائنه»، ويطلب سؤالهم متوقعاً ان يقولوا ما يود هو سماعه. في الواقع، لم يخل السوق من عدد محدود من الزبائن الذين كانوا يتبضّعون، معظم هؤلاء أقروا ان «لا بديل لهم من السوق». احدهم قال انه «يلجأ الى شراء السمك المثلّج وانه يثق بالبائع»، ماذا عن مشهد النفايات؟ «البلد كلو هيك» يجيبك مسرعاً. «البلد كلو هيك» هي الإجابة الموحدة عند كل من تسأله عن تأثره بمشهد النفايات الذي يحاذي السوق، لافتين الى أنه يبقى «خيارهم الاوحد في ظل غياب تدابيرالسلامة الغذائية في بقية الاماكن».
إلا ان شهادات عثمان وغيره من الباعة، يقابلها شهادات باعة آخرين شكوا انخفاض عدد زبائنهم، وتقليص حجم غلّتهم. «فرق ما يشترو السمك من التعاونية اللي نظيفة وهيك، فرق ما يجيبوهن من هون»، يعترف محمد، «الخلقان بالسوق»، على حد تعبيره، لافتاً الى «الوضع المأزوم»، فيما يقدّر حسن انخفاض غلته بنحو 50%، «كنت كل يوم اضهر، هلق بطّلت»، يقول شاكياً.
إلا ان انخفاض «الغلّة»، ليس وحده ما يجب ان يُقلق الباعة، ثمة خطر صحي جدي يتهدد سلامتهم. يردّون على هذا الأمر بالقول انهم «اعتادوا على وباء المنطقة»، لافتين الى ان مجاورتهم لمسلخ بيروت المؤقت «ومطحنته الكارثية» أعطتهم «المناعة» الكافية لعدم استغراب واقع مجاورتهم النفايات. «بيضل ارحم من فرّامة العظم» يقول احد الباعة، لافتاً الى انه يُدرك خطر هذا المكان الموبوء، مشيراً الى انه «لا خيار لديه، هو يريد ان يعتاش»، شأنه شأن واقع افتقاد بقية المواطنين حق الخيار.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي