جغرافيا الموت


فيصل القاق

عندما تنتهي من قراءة هذا المقال، ستخسر أربع نساء حياتهن جراء الحمل والولادة، وبنهاية اليوم ستفقد العائلات والأطفال والمجتمعات 830 امراة وأماً للأسباب نفسها، وسينقضي النهار وكأن شيئاً لم يكن لهذا العالم.
إذا قُدر لكِ أن تحملي في البلدان النامية، فمخاطر موتك من أسباب ترتبط أو تتأثر بالحمل ستكون واحداً من 76 وتصبح مضاعفة (140:1) إذا كنت من سكان لبنان والشرق الأوسط، بينما تتضاءل تلك المخاطر لتصبح واحداً من 8000 إذا جعلك الحظ من سكان العالم المتطور. تتضاعف مخاطر الموت من الولادة أكثر من مئة ضعف بين امرأتين ومنطقتين وعالمين على مسافة ساعات بالطائرة.

إذا قُدِّر لك أن تحملي وتضعي في أيسلندا ــ حيث معدل الوفيات صفراً ــ فلا موت من الولادة ولا من يحزنون. أما في جنوب السودان وأفريقيا الوسطى، فأمنية «الحمد لله ع خلاصك بالسلامة» عزيزة ومطلوبة، ولها مغزى مختلف، حيث معدل الوفيات 1200 لكل مئة ألف ولادة حية.
في عام 2015 بلغ مجموع وفيات الأمهات في العالم 33,000 امرأة وأم، نحو 99% منهن من الدول النامية، وأكثر من نصفهن بقليل عِشن في ستة بلدان فقط. حوصرت النساء ضمن جغرافيا الموت من جنوب آسيا إلى شرقها، إلى بعض الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى معظم القارة الأفريقية وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية. تتعدد أسباب موتهن، لكنها تجتمع على تراخي سياسي وغياب استراتيجيات اجتماعية اقتصادية وصحية تأخذ صحة النساء على محمل الجد، إذا ما استمرت ستخسر ٣ ملايين امرأة حياتهن في العشر سنوات المقبلة.
لكن يكون المواليد والأطفال بمعزل عن بيئات الموت. في عام 2016 وحده، فقدت الأمهات والأُسَر 5,6 ملايين طفل قبل عيد ميلادهم الخامس، كانوا أغلبهم في الجغرافيا الأفريقية حيث احتمال موتهم يبلغ نحو عشرة أضعاف مقارنة بأقرانهم في جغرافيا الدول المتطورة.
عام 2000 اجتمع قادة أكثر من 190 دولة، وقطعوا وعداً بخفض معدل وفيات الأمهات بـ75% خلال 15 سنة. جاء عام 2015، لكن الوعد لم يتحقق، وبالكاد لامس المعدل 40%. وحده لبنان إلى جانب 23 دولة حقق المطلوب. انشغلت باقي الدول بأولويات أخرى ومشاريع أخرى، ولَم تعمل عَلى معالجة الأسباب المتعددة لوفيات نسائها.
ترتفع معدلات موت الأمهات في جغرافيا الاكتظاظ السكاني والخصوبة المرتفعة والحمول غير المرغوبة، ما يدل على عجز النساء عن ممارسة حقهنّ الإنجابي في غياب العدالة الإنجابية والاجتماعية، وغياب الدول عن تحقيقها. فعلى سبيل المثال، إن استثمار خمسة دولارات إضافية بصحة الفرد سنوياً في بعض البلدان النامية سيمنع وفاة 5 ملايين وفاة للأمهات.
«حبلت بالغلط» أو «زوجي ما بدو إياني استعمل وسيلة منع»، وانعدام القدرة على الحصول على مانع للحمل وغيرها من المواقف سترفع معدلات الحمول غير المرغوبة إلى نحو 40% من مجمل الحمول، وستُعرّض الحوامل لإجراءات الإجهاض أو توقيف الحمل، ما يزيد من مخاطر المرض والوفاة جراء ذلك.
مع التغيرات الديمغرافية في العالم، ستتغير أيضاً جغرافيا الموت، ستدخل إلى الحمل نساء متقدمات في السن، وقد يعانين من أعباء أمراض مزمنة تؤدي إلى موتهن. ارتفعت في الأعوام الأخيرة نسبة وفيات الأمهات في البلدان المتطورة والمرتبطة بأمراض القلب والدم، وارتفعت نسبة وفيات الأمهات نتيجة الانتحار لتصل إلى ٧٪؜ في بريطانيا، كان ثلثا وفيات الأمهات نتيجة أسباب غير مباشرة.
يلاحق الموت النساء في ربيع أعمارهن في مناطق ومجتمعات لا تنظر إلى حياتهن كقيمة جديرة بالحفاظ عليها وصونها. يلفظنَ أنفاسهنّ الأخيرة مع بداية أنفاس مواليدهن على تماس الموت والحياة.
يقول د. محمود فتح الله، الرئيس السابق للاتحاد الدولي لأطباء النساء والتوليد: «لا تموت النساء من أمراضٍ لا يمكن معالجتها... تموت النساء لأن المجتمعات لم تقرر بعد ما إذا كانت حياتهن جديرة بالإنقاذ». عندما نُقرر، عندها فقط تصبح مجتمعاتنا جديرة بالحياة، وتكون سياسات الحكومات جديرة بالاحترام.
بين جغرافيا الحياة وجغرافيا الموت، لا تزال جغرافيا السياسة والتنمية تخطف الأرواح بلا خجل وبلا رحمة.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية

صحة
العدد ٣٣٨٤ الاربعاء ٣١ كانون الثاني ٢٠١٨

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]