«التحالف المدني» الأردني: أسئلة الهوية والمكوّن الفلسطيني... وتعريف العدوّ



عمل مؤسس التحالف مروان المعشر سفيراً في إسرائيل والولايات المتحدة

يدور الجدل في الساحة السياسية الأردنية حول «التحالف المدني» الذي يحاول حجز مساحة له في المشهد. ففي وقت لم تتضح فيه بنود التحالف ولا لوائحه الداخلية، لا يظهر منه سوى مروان المعشر بتاريخه في عملية التسوية مع العدو، وأمام أسئلة صعبة حول الهوية الشرق أردنية والفلسطينية وموقف تحالفه من هذه الأزمة، خاصة في ظلّ الحديث المتزايد عن مصير حق العودة

أسماء عواد

عمان | مشروع حزب أردني جديد يلوح بالأفق لكنه خارج عمّا هو مألوف في طريقة تشكّل الأحزاب اليمينية واليسارية والوسطية على حد سواء في المملكة، وهي التي انتظم العمل بها منذ ما يسمى مرحلة «الانفراج الديمقراطي» عقب «هبّة نيسان» عام 1989، وقبل توجه الوفد الأردني (ضامّاً وفد «منظمة التحرير الفلسطينية») إلى مؤتمر مدريد للسلام، وتوقيع معاهدة وادي عربة بعد ذلك بثلاث سنوات.

العنوان العريض لهذا الحزب هو «الدولة المدنية»، والمبادئ التي أعلن عنها لا تمثل إلاً «شكلاً جديداً» لمواضيع المواطنة والديموقراطية وسيادة القانون والحريات التي وردت في أدبيات الأحزاب الحالية، والأخيرة يصرّ المنضمون إلى التحالف «الجديد» على أنها أحزاب متكلّسة وغير ناجحة.
هذا الخطاب «المدني»، بصيغته التي يطرحها التحالف، كان قد تقدم به تيار صغير تبلور قبيل الحراك الأردني الذي انطلق عام 2011 بالتزامن مع «الربيع العربي»، وقد خاض التيار المذكور الانتخابات البرلمانية الأخيرة في قائمة «معاً» التي استطاعت إيصال نائبين إلى المجلس هما رئيس التيار وشاب «صادف» أن يكون حفيد أحد الأمناء العامين لـ«الحزب الشيوعي» الأردني. لكن أحد النائبين وقف الآن في خندق «التحالف المدني» مع جمهور كبير من قائمة «معاً» التي نفى المتحدث الرسمي باسمها أن تكون ضمن أطر هذا التحالف، وأكد أنها ليست حالة انتخابية بل تياراً سياسياً قيد التأسيس.
يقودنا الحديث عن التحالف المستجد مباشرة إلى رموزه وما كانوا يمثلونه، خاصة مع غياب لوائح داخلية وبرنامج سياسي ونظام داخلي يضبط الانتساب إليه. أبرز شخصيات «التحالف المدني» هو مروان المعشر، ابن النظام وأحد الشخصيات اللامعة في السلطة التنفيذية منذ عام 1989، وهو أيضاً من كبار رجال الدولة الذين عاصروا حكم الملكين حسين وعبد الله الثاني، وما رافق ذلك من تحولات اقتصادية وسياسية على المستوى المحلي والإقليمي، كما كان في مناصب حساسة متعلقة بالإعلام والخارجية في مراحل مفصليّة من عمر الدولة الأردنية منذ دخولها مرحلة الخصخصة والتوقيع على اتفاقية التجارة العالمية والشراكة مع «صندوق النقد الدولي» لتطبيق برنامج «التصحيح الاقتصادي»، إضافة إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
يعني ذلك أن المعشر جزء من التشكيلة السياسية والاقتصادية الرسمية التي اتخذت قرارات حرجة جوبهت بمعارضة محلية، ما انعكس نفسه على التحالف الذي لا هوية طبقية واضحة يتبناها ولا مرجعية أيديولوجية ينطلق منها. وإذا كان التحالف (مشروع الحزب الذي تأجل إعلانه) يقوم على رؤية برامجية، فليس هناك حتى برامج متبلورة مطروحة على الطاولة سوى عدة مبادئ فضفاضة قد تكون آلية تحويلها إلى برنامج عملي صعبة التوافق.
مع ذلك، في يوم إشهار التحالف، أي العشرين من الشهر الجاري (بعد أن منعت السلطات حفل الإشهار قبل شهر)، توافد عدد كبير من المهتمين الذين تقدموا بطلبات للانضمام وسط حضور «رفيع» لم يكن ليحضر دون جهود المعشر خاصة، تمثل بوجود رئيس الوزراء السابق عبد الكريم الكباريتي، ووزيرة التخطيط السابقة ريما خلف التي استقالت من منصب الأمينة التنفيذية لـ(إسكوا)، وذلك على خلفية سحب تقرير دولي يتهم إسرائيل بممارسة اضطهاد للشعب الفلسطيني.
الهالة حول المعشر، الذي يعمل في «مؤسسة كارنيغي للسلام»، خطفت الأنظار من باقي الشخصيات البارزة في التحالف، وذلك كونه عمل سفيراً في تل أبيب، في حين يرفع «التحالف المدني» شعار الوقوف مع القضايا العربية والإنسانية العادلة كافة وعلى رأسها قضية فلسطين. وكان قد ورد للمعشر قول في الإعلام رداً على ذلك بأنه «خبرة في التعامل مع الإسرائيليين».


وقبل عدة أشهر، وجهت «الأخبار» إليه أسئلة عقب ندوة عن «الهوية الوطنية الأردنية»، منها هل تعريف العدو الخارجي يعتبر بوتقة جامعة في موضوع الهوية الوطنية، وكانت إجابته أنه يتحدث عن الوضع الداخلي فقط، علماً أنه بدأ الندوة بالحديث عن التنظيمات ما دون الوطنية وخص «داعش» وحزب الله و«المليشيات الشيعية في العراق»، أي إنه على الصعيد الخارجي حدد معسكره بكل وضوح (وهذا أمر لم يتحدث عنه التحالف أبداً).
أما إجابته عن موضوع المكوّن الفلسطيني في الهوية الوطنية، وربْط ذلك بحق العودة في ظل حديث المعشر عن مكونات المجتمع الأردني، فكانت كما يأتي: «ألم يحن الوقت أن نعترف بأن المكون الفلسطيني جزء أساسي من الهوية الأردنية الجامعة لأننا نعرف أن العدد الذي سيرجع قليل جداً، وثانياً الدستور والقوانين وقت الوحدة كانت واضحة: المواطنة الأردنية للمكون الفلسطيني لا تمنع حق العودة، أما أن يستعمل حق العودة كشماعة نعلقها حتى لا نبني هوية أردنية وطنية جامعة ونقول إن هؤلاء سيرجعون، فهذه مخالفة صريحة للدستور».
يأتي طرح المواطنة في هذه المرحلة، وهو موضوع ملتبس وتخشاه تيارات شرق أردنية وفلسطينية أيضاً، ولا سيما أن الفرق بينها وبين التوطين شعرة، بجانب الحديث في موضوع حق العودة خصوصاً مع عودة الحديث عن ضم الضفة الغربية إلى الأردن، علماً أن إسقاط حق العودة يعني عملياً توطين ومحو فلسطينية مليوني شخص، وهو ما نصّت عليه معاهدة وادي عربة في الفقرة (ج) من المادة ٨ التي تتحدث صراحة عن «توطين اللاجئين والنازحين عبر تطبيق برامج الأمم المتحدة المتعلقة بهم».
حديث المعشر بكل شفافية عن مكونات المجتمع الأردني، ومنه أنه عرّف نفسه كشرق أردني مسيحي، جاء مقبولاً منه بالنظر إلى الاتهامات بالمحاصصة السياسية والفلسطنة إذا كان من رفع شعار الحقوق المدنية أطراف ذات أصول فلسطينية أو جهات ترفع شعار الإسلام كحل. وكان لهذا التعريف الواضح والواثق أثر في التفاف عدد كبير ممن يرون أنفسهم أقليات يحميها الدولة أو علمانيون يبحثون عن ملاذ بعيداً عن الأحزاب الراديكالية حول التحالف الذي يبدو كأنه مشروع يواجه المشروعين الفلسطيني والإسلاموي في المملكة، أي إنه صراع نخب وحضور إعلامي أكثر من كونه تعبيراً عن معضلة اقتصادية تتصادم فيها مصالح الفقراء مع الأغنياء.
ويبقى تأسيس الحزب ضرورة لـ«التحالف المدني» من أجل تثبيت نفسه، علماً بأن حديث المعشر كان في إطار إشهار حزب في نهاية العام الماضي وليس إشهار تحالف يشبه جلسة عصف ذهني على مستوى واسع. ويبدو أن طريقاً مختصراً سيسلكه التحالف في موضوع تأسيس الحزب، إذ إن النائب في البرلمان جميل النمري، وهو الأمين العام لـ«الحزب الديموقراطي الاجتماعي» الأردني انضم إلى التحالف، وسيكون من السهل الاندماج مع حزبه القائم لحجز موقع مستقبلي في المشهد السياسي، ولا سيما مع النية الواضحة للنظام للتوجه إلى تفعيل الحكومات البرلمانية. رغم ذلك، يجمع مراقبون في الساحة الأردنية على أن هذا التحالف يعيش حالة تقاطع مؤقتة حول عدة عناوين، لكنه دون ركيزة تنظيمية واضحة سيكون أقرب إلى التلاشي.


حياة سياسية متأخرة للأحزاب

تعطلت الحياة السياسية في المملكة وأُعلنت حالة الطوارئ مع حل حكومة سليمان النابلسي عام 1957، فيما تأخرت عجلة الحياة الحزبية عن الدوران إلى أن أعلن تشكيل لجنة ملكية لصياغة ميثاق وطني يحدد إطار العمل الحزبي، وذلك في حزيران 1991، ثم صدور قانون الأحزاب بعدها بعام، وكان أبرز ملامحه تحوّل مجموعة من الأحزاب التي كانت تمارس نشاطها سراً إلى العلن (عدا جماعة «الإخوان المسلمون»)، خاصة أحزاب المعارضة التي ما زالت تعمل إلى اليوم، ومنها ما كان يمثل فروعاً لفصائل فلسطينية لم تستطع السلطات حتى اللحظة التعامل معها على أنها أحزاب أردنية خالصة لها برنامجها المحلي المرحلي المرتبط باسترداد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ووفق موقع وزارة التنمية السياسية والبرلمانية، يوجد في المملكة 49 حزباً مرخصاً، وحتى بداية الأزمة السورية، كان هناك ما يسمى «اللجنة العليا لتنسيقية أحزاب المعارضة الأردنية» التي جُمّد لاحقاً العمل بصيغتها ومكوناتها التي ضمّت ستة أحزاب قومية ويسارية بالإضافة إلى «جبهة العمل الإسلامي» (الذراع السياسية لجماعة «الإخوان» التي أفرزت فيما بعد أحزاباً أخرى نتيجة انشقاق تيارات مختلفة). أما الأحزاب الستة، فهي منضوية حالياً تحت مظلة «ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]