الموسيقى في الاتحاد السوفياتي



(أ ف ب)
بشير صفير

الموسيقى في الاتحاد السوفياتي، موضوع كبير جداً والإحاطة به غير ممكنة إلا اختصاراً. فالنشاط الموسيقي في روسيا، واستطراداً في دول المنظومة الاشتراكية، اتسم بالغنى على جميع الأصعدة، في الفترة الممتدّة بين الثورة البولشفية وانهيار الاتحاد السوفياتي.

بداية، يجب الإشارة إلى أن الموسيقى الروسية (وشقيقاتها في بلاد السوفيات) بأنماطها المختلفة (الموسيقى الشعبية والفولكلورية والموسيقى الكلاسيكية بشكل أساسي) لم تبدأ مع الاتحاد السوفياتي ولم تنتهِ مع انهياره. لكن أهمية الحقبة السوفياتية هي أنها حضنت التركة الكلاسيكية والشعبية التي سبقت الثورة، ثم قدّمت تجربتها الخاصة، لتترك إرثاً ضخماً بعد أفولها، سيدوم تأثيره على البشرية إلى الأبد. حصلت بعض الأخطاء المنهجية (في فترة حكم ستالين) مثل التضييق على اتجاهات إبداعية، بحجة أنها «غير ملائمة مع ذائقة الشعب»، لكن هذا ثانوي نسبةً إلى ما أُنجز على كل الأصعدة.
الشعب الروسي يحب الموسيقى. هي جزء من حياته، سماعاً وممارسة (تأليفاً و/ أو عزفاً). في القرن التاسع عشر ظهرت شخصيات كبيرة في مجال الموسيقى الكلاسيكية، مثل تشايكوفسكي وغلينكا وسكريابين وأنطون روبنشتاين وريمسكي-كورساكوف وموسّورغسكي وبورودين وبالاكيريف (الأسماء الأربعة الأخيرة شكلت ما عرِف بـ«عصبة الخمسة» إلى جانب مؤلف مغمور اسمه سيزار كْوي) وغيرهم. بعد الثورة، ولمّا كانت الفنون وأهميّة تأثيرها الإيجابي في النفس البشرية في صلب اهتمامات الشيوعية، كان من البديهي أن يولي النظام الجديد اهتماماً استثنائياً بالموسيقى، خاصّة أن أبا الثورة، لينين، كان من عشّاقها وكان يتمتّع بثقافة واسعة في هذا الإطار، في مجالي الموسيقى الشعبية الروسية والكلاسيكية الغربية (الروسية والأوروبية عموماً، وبالأخص تشايكوفسكي وموسّورغسكي وشوبرت وبيتهوفن). ستالين أيضاً كان يهوى الموسيقى، على الرغم من بعض الأخطاء التي مارسها تجاه صناعتها ورموزها في فترة حكمه. إذاً، بعدما كانت الموسيقى حكراً على البورجوازية في روسيا القيصرية، دعا لينين إلى عدم تدميرها أو معاداتها (كردّ فعل ثوري تافه) بل إلى «الاستيلاء» عليها والاستفادة منها وتعميمها على الشعب الذي طالبه قائده بأن يتحلّى بالمعرفة الثقافية الشاملة، من الفنون والعلوم، إلى التكنولوجيا والسياسة. هكذا وُضعَت المناهج الجديدة وانتشرت معاهد التعليم في أنحاء البلاد وبات في كل بيت روسي آلة موسيقية (بيانو بشكل خاص) أو أكثر.


سفياتوسلاف ريختر

الصالات الموسيقية والمسارح والنوادي نشأت بعشرات الآلاف (أكثر من مئة ألف). الأمسيات الموسيقية (والأوبرالية وعروض الباليه) لكبار الرموز العالمية (الروسية أو الزائرة) لا تحصى وبمتناول الجميع مقابل حفنة من الروبلات. حققت هذه السياسة ثلاثة إنجازات أساسية: أولاً، مؤلفون قدّموا ريبرتواراً ضخماً وقيِّماً للبشرية جمعاء، ثانياً، موسيقيون محترفون (أوركسترات وقادة أوركسترا وعازفون منفردون بالإضافة إلى الجوقات والفرق الموسيقية العسكرية) بعشرات الآلاف، من بينهم مئات من الأسماء المرموقة وعشرات الأسماء الفائقة الموهبة وبضع أساطير، وذلك على المستوى العالمي والتاريخي لا السوفياتي وحسب. ثالثاً، شعب مثقّف موسيقياً وذوّاقة بجميع فئاته (الجمهور الذي نراه في أمسية عازف البيانو فلاديمير هوروفيتز المصوّرة في موسكو عام 1986 لم يشهد مثله تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، بشغفه البادي من حركته الاندفاعية في اللقطات المأخوذة عند باب المسرح، وبصدقه البادي في عيونه، وبثقافته البادية من تفاعله مع هوروفيتز وبرنامج الأمسية).
لناحية المؤلفين، الرقم واحد هو ديمتري شوستاكوفيتش، العبقري بكل تجرّد، الذي قدّم أعمالاً من كل الفئات ومن أنماط مختلفة (وصلت إلى الجاز)، وأبرزها أعماله السمفونية (ذات توجّه الوطني في الشكل وأحياناً في المضمون أيضاً، بمعنى مناسبة التأليف أو عنوان العمل أو النصوص المغناة فيه في حال وجودها) لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية تهميشها في عزّ الحرب الباردة، وذلك بضغط من قادة أوركسترا مقيمين فيها. يشير أعداء الاتحاد السوفياتي، بنحو مقصود، إلى التشنّج الذي طبع علاقة شوستاكوفيتش بالسلطة (ستالين تحديداً)، غافلين قناعة المؤلف الكبير بالاشتراكية، فضلاً عن أن العلاقة الشائكة بالسلطة هي صفة ضرورية يجب أن يتمتّع بها أي فنان حقيقي. ولو كان الرجل منزعجاً إلى الحد الذي يُحكى بمبالغة عنه، لكان بمقدوره مغادرة بلده، كما فعل رخمانينوف وسترافينسكي، وكذلك بروكوفييف (الذي عاد لاحقاً وبقي حتى وفاته في اليوم ذاته الذي رحل فيه ستالين). هذا الرجل، رغم عظمته وشهرته الكبيرة وضرورة وجوده في بلد شكّلت الفنون محوراً في سياسة نظامه وفي اهتمامات شعبه، تطوّع في فوج الإطفاء أثناء حصار لينينغراد، مستبدلاً ريشته الثمينة بخرطومَ المياه لردّ الحرائق عن شعبه. عقلية كهذه لدى فنان بحجمه لا نجدها خارج الاتحاد السوفياتي، وهذه ليست صدفة.
الاسم الثاني الكبير هو سيرغي بروكوفييف الذي شكّل ثنائياً استثنائياً مع السينمائي الكبير آيزنشتاين في صناعة السينما وموسيقاها، بالإضافة إلى أعمال كبيرة من موسيقى الباليه والسمفونيات والكونشرتوهات والسوناتات وكذلك الأعمال الأوبرالية. المؤلف الثالث في الثلاثية التي شكّلت مجد السوفيات لناحية التأليف الموسيقي هو من خارج روسيا، إنه الأرمني آرام ختشادوريان الذي كان من أبرز من كتبوا موسيقى الباليه (عملان شهيران بعنوان «غايانيه» و«سبارتاكوس») منذ تشايكوفسكي، بالإضافة إلى أعمال أخرى ذات أهمية ثانوية نسبياً. من الأسماء المهمّة نذكر أيضاً ألفريد شنيتكه، وهو من أصول ألمانية، وبرز اسمه في المراحل الأخيرة من الاتحاد السوفياتي، وانتشرت شهرته بنحو واسع في الغرب بعد سقوط المنظومة الاشتراكية. كذلك لا بد من الإشارة إلى نيقولاي مياسكوفسكي، المؤلف البولوني الأصل والأعتق بين زملائه، لكن الذي لم تعرف أعماله شهرة كبيرة، باستثناء كونشرتو للكمان، رغم غزاراته الإنتاجية (ترك، مثلاً، 27 سمفونية، سجّلها كلها يفغيني سفيتلانوف، القائد الروسي الذي لم يخدم أحد الموسيقى الروسية بقدر ما فعل). أما الاسم الأبرز الذي ما زال حيّاً وشاهداً على زمن غليان الساحة الفنية السوفياتية فهو روديون تشِدْرين (1932) الذي كان غزير الإنتاج أيضاً، لكن موسيقى باليه «كارمن» (وهي مبنية على جمل لحنية من أوبرا «كارمن» الشهيرة للفرنسي جورج بيزيه) تبقى تحفته الأبرز، إذ وضعها خصيصاً لزوجته الباليرينا الأسطورة الراحلة مايا بليسيتسكايا. النساء كان لهنّ دور كبير في التأليف في روسيا السوفياتية، لا بل كُنّ أكثر طليعية في الرؤية الموسيقية من الرجال. الرمز الأشهر على الإطلاق هو الروسية التتارية الأصل صوفيا غوبايدولينا (1931)، تليها الراحلة غالينا أوستفولسكايا، تلميذة شوستاكوفيتش الذي كان مذهولاً بموهبتها الكبيرة. يضاف إلى هؤلاء اسمان كبيران، هجرا روسيا السوفياتية لكن أعمالهما شكّلت محور ريبرتوارات الأوركسترات والعازفين السوفيات. إنهما رخمانينوف وسترافينسكي، الرجلان اللذان صنعا مجداً لروسيا قبل الثورة ثم خارج حدودها بعد عام 1917، وباتجاهين فنيَّين متباعدَين. الأول، شكّل البيانو أساس عمله «الكلاسيكي» نسبياً، والثاني شكلت الأوركسترا «آلته» الأساسية لإحداث ثورة في الموسيقى، انعكست بدورها على فن الباليه.
في ما يتعلّق بالموسيقيين، الأمر مختلف كلياً لناحية العدد، أما المستوى فلم يشهد العالم مثيلاً له في تاريخه الحديث (نهاية القرن التاسع عشر لغاية اليوم)، إلّا في ألمانيا فقط. إذا همّشنا الموسيقيين المكتملين وفئة المحترفين، واكتفينا بالمواهب الكبيرة والأساطير (وحصرنا الإضاءة بأربعة عناوين فقط هي البيانو والكمان والتشيلّو، بالإضافة إلى الأوركسترا)، يبقى العدد كبيراً وغير قابل للتناول هنا. لذا، سنكتفي بالأساطير وببعض الأسماء الكبيرة. البيانو: أن تبرز في بلد فيه 50 شخصاً يتقنون العزف على البيانو شيء، وإن بلغت شهرة فائقة في هذا المجال في الاتحاد السوفياتي شيء آخر كلياً، إذ عليك أن تتخطى عشرات الآلاف من الهواة المكتملين، وآلاف المحترفين وعشرات الخارقين، وكل ذلك ينطبق على الرجال كما النساء. سنضع سفياتوسلاف ريختر أولاً، ثم بعده إميل غيللز الذي كان يعزف للطيارين الروس قبيل انطلاقهم وأثناءه لقصف الغازي النازي (لم تكن أعماله تتمتع بقيمة ثورية، بل برقي فني ومن تأليف «خائن» الثورة، رخمانينوف!). بعدهما، هاينرش نويهاوز، صاموئيل فاينبرغ، فلاديمير سوفرونيتسكي، لازار بُرمان (صاحب الأنامل الفولاذية)، يفغيني سوكولوف (العملاق الذي لا يتعب)، فلاديمير أشكينازي، ميخائيل رودي، ليف أوبورين (الحائزة الجائزة الأولى في الدورة الأولى لـ«مسابقة شوبان» عام 1927)، نيقولاي ديميدنكو، ميخائيل بلتنيف... ثم من الجيل الذي نشأ في الاتحاد السوفياتي ويحمل راية البيانو الروسي اليوم نذكر بوريس بيريزوفسكي، نيقولاي لوغانسكي، أركادي فولودوس و«الطفل المعجزة»، لكن ناكر الجميل والسيئ الذكر واليهودي المذعور لاساميّاً يفغيني كيسين (يحمل اليوم الجنسيّتين البريطانية والإسرائيلية ولا يفوّت فرصة لشتم الشيوعية والدفاع عن إسرائيل)، وغيرهم كثيرون.

لناحية «الجنس اللطيف»، الذي نافس الرجال بجدّية في مجال العزف على البيانو، نذكر، بالتساوي، الكبيرتَين ماريا يودينا (حبيبة قلب ستالين) وتاتيانا نيقولاييفا، ثم المعلّمة بيلّا دافيدوفيتش (هاجرت إلى أميركا عام 1978 حيث خفت نشاطها الفني) والجورجية إليزابت ليونسكايا (هاجرت عام 1978 أيضاً إلى النمسا)، وغيرهنّ... أما الاسم الروسي الأبرز ممن لمعوا خارج الحدود، فهو ــ من دون منازع ــ فلاديمير هوروفيتس الذي ترك بلده منتصف عشرينيات القرن الماضي ولم يعد إليه إلا بعد ستة عقود، حيث قدّم أمسيته الشهيرة عام 86 في موسكو (كان في الـ83 من عمره!) كما أشرنا أعلاه.
الآلة الثانية التي برع عليها السوفيات هي الكمان. هنا، يمكن، مع بعض الإجحاف بحق آخرين، الاكتفاء بـ«فنان الشعب»، الأسطورة ديفيد أويْستراخ، ثم العملاق ليونيد كوغان (وتلميذته ذات الشهرة الواسعة اليوم فيكتوريا مولوفا). أما بالنسبة إلى التشيلّو، فغطى مستيسلاف روستروبوفيتش على كل من أتقن العزف على هذه الآلة في الاتحاد السوفياتي وحتى خارجه. بقي الأوركسترات السوفياتية وقادتها. إن أردنا التوسع، الأسماء كثيرة وكبيرة، وإن فُرِض علينا الاختصار، كما هي الحال هنا، فرأس الحربة، النسر السوفياتي الذي أرعب زملاءه في «أوركسترا لينينغراد الفلهارمونية» (سنكتفي بها لناحية الأوركسترات) لنصف قرن كامل (بين 1938 و1988)، الشيوعي الأرستقراطي يفغيني مرافينسكي. مع ذلك، لا يمكن تهميش العميد الحي غينادي روجدستفنسكي (1931) ورأس حربة المدرسة الروسية اليوم فاليري غرغييف (1953). أخيراً، واستطراداً عن الفئات التي اخترناها للكلام عنها، ثمة ضرورة قصوى لذكر رباعي الوتريات الأشهر في الاتحاد السوفياتي وهو الأقدم عالمياً اليوم، أي «رباعي بورودين» الذي سجّل ريبرتواراً ضخماً وقيّماً، على رأسه الأعمال الـ15 التي كتبها شوستاكوفيتش في هذه الفئة.
أما خارج إطار الموسيقي الكلاسيكية، فقد عرف الاتحاد السوفياتي تجارب متواضعة في مجالَي «الجاز» (مع توجّه محدد نحو الـ«بيغ باند» والسوينغ والجاز مانوش أو الغجري) والروك (في السنوات الأخيرة قبَيل الانهيار)... بالإضافة طبعاً إلى الموسيقى الفولكلورية والشعبية التي احترمت القيادة المركزية خصوصيتها في بلدان الأطراف ودعمتها، أما في روسيا فقد حملت لواءها الفرق الموسيقية العسكرية، على رأسها «كورس الجيش الأحمر» الذي لا يزال بكامل أناقته متربعاً على عرش الشهرة في فئته عالمياً.
هذه الجردة صنعها الشعب للشعب في الاتحاد السوفياتي. عندنا هي لحفنة من النخبة والأثرياء (كأكسسوار إجباري أحياناً)... الشعب له القمامة الفنية، وهو يتحمّل جزءاً من المسؤولية في ذلك. فما العمل؟

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]