أهلاً بكم في بلد لينين



السوفيات هم في الصور المعمّمة الأميركية «فقراء جائعون» دائماً (الصورة من كتاب «بلد لينين»)
صباح أيوب

كيف فعل الروس ذلك؟ سأل الناس الذين شاهدوا بذهول النهضة التي تحققت في روسيا بعد الثورة البولشفية. كيف لأكبر دولة في العالم أن تزدهر بهذه الطريقة المدروسة في كلّ بقاعها وفي فترة زمنية قصيرة؟ كيف لأكثر الدول تخلّفاً (في عهد القيصر) أن تنهض بالصناعة والزراعة والعلوم والفنون، وتطور أول محطة نووية وتفتح الفضاء وتحمي كافّة حدودها في آن واحد؟

ما الذي فعله فلاديمير لينين بروسيا لتقف كدولة عظيمة بعد حكم قيصري جائر وحروب دامية وحراك ثوري شعبي؟ ماذا فعل لينين بالاتحاد السوفياتي ليبقى قوة عظمى موحّدة لعشرات السنين؟ لماذا أخافت أفكار لينين الأنظمة الرأسمالية الى هذا الحدّ... وما زالت تخيفهم حتى يومنا؟
لا يمكن التكهّن بحجم الجهد الذي كان يبذله قائد الثورة البولشفية ليترجم مبادئه أفعالاً، لكن ما تحقق على الأرض بعد تسلّمه ومجموعة مسؤولين الحكم، كفيل بتخيّل العمل الجبّار العبقري الذي قام به لينين لوضع خطط التنمية لروسيا ما بعد الثورة والإشراف على تطبيقها كما يجب.

هو الرجل الذي تحمّل مسؤولية توعية الرأي العام للثورة قبل اندلاعها، ثم مسؤولية تنظيمها وقيادتها وإنجاحها، ومسؤولية وضع الخطط المستقبلية لحياة المواطنين وللبلد. هو الذي كتب رسائل إلى الفلّاحين والعمّال على كافّة الأراضي الروسية يفسّر لهم فيها ـ بِلُغتهم ـ معنى الاشتراكية والشيوعية، هو الذي خاطب المتعلّمين والأمّيين والعسكر والسياسيين فوثقوا به وتبعوا تعاليمه... فكان لهم البلد الحلم. بلد يبنيه العمّال ويحكمه العمّال ويعيشون فيه برفاهية وازدهار. بلد لينين.
هذا بالضبط ما أرعب الأنظمة التي كانت قائمة على الفردية في نمط الحياة وفي العمل. العمل عند هؤلاء يهدف فقط إلى تجميع الثروات، ولو على حساب حياة الآخرين. والعامل هنا، بصفته عاملاً فقط، لا يساوي شيئاً قبل أن يحقق ثروته الفردية الخاصة. يقول البعض إن الولايات المتحدة الأميركية رفضت في البداية الأفكار الشيوعية الاشتراكية وعادتها «لأنها لم تفهمها»، ثم عندما فهمتها عملت كلّ ما بوسعها للقضاء عليها.
هكذا، نجح الأميركيون منذ منتصف القرن التاسع عشر بنَسب فكرة «تحقيق الحلم» حصرياً إليهم. حلمهم الذي بدأ مع استيلاء بضع أفراد على أول منجم ذهب اكتشف في ولاية كاليفورنيا عام 1849، وتجميع أموال طائلة بفضل استثماره. ولد «الحلم الكاليفورني» ليعيد تعريف «الحلم الأميركي» بعد أن عُمّمت على معظم الأراضي الأميركية تجربة استيلاء الفرد على مورد طبيعي واستثماره من دون ضوابط، من أجل كسب المال.
أما الحلم في المقلب الآخر، في روسيا، فبدأ مع تأميم الأراضي لصالح الفلاحين وتسلّم عمّال البلد مفاصل الاقتصاد، وبالتالي الحكم. الازدهار هنا ارتبط بالعمل وبالجهد الجماعي لتحقيق المصلحة العامة المشتركة، كالحصول على التعليم والطبابة وأدوات العمل ووسائل الترفيه مجاناً وللجميع. تلك المعادلة بدت مثالية بالنسبة إلى الطبقة العاملة، إذ وفّرت لها ظروف حياة جيدة وأمّنت للدولة الراعية عجلة اقتصادية منتظمة وفاعلة. فكرة لا يمكن أن يطيقها من حقق الرفاهية من خلال جهد فردي أتاح له استغلال أي شيء حتى الطبقة الفقيرة من مجتمعه لتحقيق مبتغاه الشخصي، أي ثروة فردية تؤمّن له وحدها متعة التفوّق على الآخرين والتمايز عنهم.
في بلاد لينين تحققت فعلياً الأحلام الكبيرة، أحلام الناس. لكن مَن امتلك أدوات التسويق والإعلام الخارجي لفترة طويلة هم، لسوء حظّ التاريخ، ألدّ أعداء السوفيات. لم يشأ الإعلام الأميركي، ومن بعده معظم الإعلام الغربي، أن تصل إلى شعوبهم وإلى العالم أية صورة إيجابية عن الحقبة السوفياتية.

للصورة المكبرة انقر هنا

عمل معظم الإعلام الغربي مدعوماً بسياسة أميركية منظمة وشرسة، على أن ترتبط كلمتا «الشيوعية» و«الاتحاد السوفياتي» بصور سلبية تعميمية، ثبّتتها أفلام هوليوود وروايات كتّاب معروفين منذ عقود وما زالت حتى يومنا! السوفيات هم في تلك الصور المعمّمة «فقراء جائعون» دائماً، والجندي السوفياتي «نحيل وسكّير» دائماً، (بينما هو نفسه كان الحليف الشجاع القوي البنية في الملصقات والأفلام الأميركية خلال الحرب على النازية). وفي النسخة الغربية التبسيطية الحديثة للتاريخ السوفياتي يتلخّص الحكم السياسي حصراً بشخص ستالين «الديكتاتور الباطش»، والصورة شبه الوحيدة عن حياة المواطنين هي عن عيشة «في ظل نظام استخباراتي أمني خانق». لا شيء آخر. يغيب لينين، وتغيب روسيا المتطورة، وتحذف صور الحياة الطبيعية الجميلة التي عاشها السوفيات على مدى سنوات.
بالصدفة، وقع أحد الزملاء في إحدى مكتبات بيروت على كتاب يدعى «بلد لينين»، أنتجته وكالة الأنباء الروسية «نوڤوستي» في ذكرى مئوية ولادة لينين عام 1970. الكتاب المطبوع بعناية في فرنسا يتألف من مجموعة كبيرة من الصور ترصد بعض جوانب الحياة في ظل الحكم السوفياتي، وتفنّد بالأرقام الإنجازات التي حققتها الثورة البولشفية وسياسة لينين الاجتماعية والاقتصادية في روسيا وفي دول الاتحاد السوفياتي حتى تاريخ نشر الكتاب عام 1970. صور وحقائق لم يُرَد لها أن تصل إلى الجماهير ـ أسرى الدعاية الأميركية حول العالم، نعرض بعضاً منها هنا.


أنقر الصورة لتصفح الكتاب


ألكسندرا كولونتاي

أوّل امرأة تتولّى منصباً حكومياً في التاريخ الحديث في العالم، روسيّة شيوعية عيّنها لينين. تسلّمت ألكسندرا كولونتاي (1872-1952) إدارة المفوضية الشعبية للشؤون الاجتماعية في أول مجلس مفوضين أنشئ بعد ثورة أكتوبر وكان برئاسة لينين. كولونتاي، الابنة الوحيدة لجنرال في جيش القيصر، درست الاقتصاد السياسي في زيورخ وتعرّفت الى الماركسية ثم باتت ناشطة ثورية. تواصلت مع أبرز الشخصيات الماركسية في أوروبا وساهمت بنشر الأفكار الثورية في سان بطرسبرغ وفي مدن أوروبية أخرى. شاركت في ثورة أكتوبر 1917 في روسيا بعد عودتها من المنفى، كتبت المنشورات وعملت في صحيفة النساء البولشفيات، وشاركت في تحرّكات عمالية ونسائية عديدة، ثم عُيّنت في منصبها الرسمي في أوّل مجلس حاكم. أسست مع إيناس أرمان جهازاً حكومياً خاصاً يُعنى بشؤون المرأة حقق إنجازات كبيرة في مجالات محو الأمّية بين النساء، وتحسين أوضاع العاملات ومساعدتهنّ في أمور تنظيم الأسرة وتربية الأطفال، والعمل على جعلهنّ يشاركن بالعجلة الاقتصادية للدولة بشكل فعّال، وعلى نشر التوعية حول حقوقهنّ. رغم بعض المواقف المعارِضة ـ المتوقّعة ـ لعمل كولونتاي من داخل الحكومة وخارجها إلّا أنها حققت، بمشاركة نساء أخريات فاعلات، نجاحات عديدة ما زالت آثارها واضحة في حياة المرأة العاملة الروسية حتى اليوم.


كولونتاي تتوسط مشاركات في مؤتمر النساء الشيوعيات (صورة يعتقد أنها في عام 1920)


يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]