هكذا تلقّى العرب البلشفيّة... الله أكبر!


محمد نزال

(وسام متى)

كان في العراق، قبل 99 عاماً، في مدينة كربلاء تحديداً، رجل يُدعى «الحاج نور». كان حمّالاً، يقصد الأماكن المزدحمة بالناس، عصر كلّ يوم، حاملاً بيده راية حمراء، وينطلق منادياً: «تحيا البلشفيّة. يحيا البلاشفة». لا أحد يَملك صورة له. ما مِن تسجيل مرئي أو مسموع. إنّها حكاية، مِن قبيل التراث الشفهي، تناقلها مَن رأى وسمع، قبل أن تغوص بتفاصيلها في كتب السيَر الذاتيّة.
الراجح أنّ «الحاج نور» لم يكن يعرف مَن هو لينين. الراجح أيضاً أنّه لم يكن يَعرف أين تقع بتروغراد، هذا إن كان سمع بروسيا أصلاً، فضلاً عن ترجيح عدم معرفته معنى لفظة «البلاشفة» أساساً. كان فقيراً. هذا كلّ ما يعرفه. بريطانيا تستعمر بلاده، إنّما هو مُتعَب، فإذا به يسمع عن ثورة في مكان ما، باسم الفقراء، وقد انتصرت «على الأثرياء»... لهذا، ولهذا فقط، سيُنادي «يحيا البلاشفة». هكذا كان الصدى الأوّل، قبل قرن مِن الزمن، لتلك الثورة في بلادنا. في هذه البقاع التي تُعرّف ببلاد المُسلمين والعرب. هذا الصدى، برومانسيّته، سيتبدّل لاحقاً على أيدي المُستَعمِر اللئيم مِن جهة، ورجال دين خائفين، ومِنهم السُذّج، فضلاً عن الفسقة، مِن جهة أخرى، إضافةً إلى «الحمقى» مِن الثوريين أنفسهم. لا يزال طيف ذاك الحمّال، العربي، يُطرَب لكل ثورة راهنة، على مساحة العالم، يرى فيها خيراً سيلحقه... ولو قليلاً.
عام 1919، كان الشيخ محمد رشيد رضا مشغولاً بتحديد موقفه مِن «البلشفيّة». كثيرون كانوا ينتظرون رأيه. إنّه قامة دينيّة يصعب القفز فوقها، إذ هو تلميذ الشيخ محمد عبده، بل مَن أصبح بمثابة «الوريث» الأوّل له، فضلاً عن كونه أحد أبرز وجوه «التيار النهضوي» الذي انطلق، قبل ذلك، مع جمال الدين الأفغاني.

كانت النقاشات حول الثورة، بين النخب في مصر، رائجة وتتصاعد. مفتي الديار هناك، الشيخ محمد بخيت، يقطع: «البلشفيّة محرّمة في الإسلام، وفي كل دين، لأنّها عبارة عن الإباحة المطلقة للدماء والأموال والأعراض». ردّ مَن ردَّ عليه، إلا أنّ موقف محمد رشيد رضا هو المُنتَظر. سيكتب أخيراً، في «المنار» الشهيرة، أنّه: «تُحارب إنكلترة وأحلافها البلشفيّة بالقول والفعل والمال والدين، وقد كلّفت الشيخ بخيث مفتي مصر، فأفتى في جواب سؤال بأنّ البلشفيّة (... كذا) وجعلها عين المزدكيّة والزردشتيّة التي ظهرت في أمّة الفرس. وقد كثر سؤال الناس إيّانا عن رأينا في البلشفيّة، ما حقيقتها وهل هي ضرر وشرّ محض كما تقول السياسة والفتوى (...). إنّ الذي فهمناه مِن مجموع ما اطلعنا عليه في البلشفيّة أنّها هي عين الاشتراكيّة، المقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال الطامعين وأعوانهم مِن الحكّام الناصرين لهم، الذين وضعوا قوانينهم الماديّة على قواعد هضم حقوق العمّال في بلادهم، واستعمار بلاد المستضعفين مِن غيرهم. وأنّ معناها الحرفي «الأكثريّة»، فالمراد مِنها أن يكون الحكم الحقيقي في كلّ شعب للأكثريّة مِن أهله، وهم العمّال في الصناعة والزراعة وغيرها». كتب ذلك في عدد شهر آب لعام 1919. مفردة «الاستعمار» تتكرّر في مقال رشيد رضا. إنّه «الوجع» الحاكم في عقل الأمّة آنذاك. هو مدار الخير والشر عند مَن يُريدون حكم أنفسهم بأنفسهم. يعلم الشيخ أن تلك الثورة هي التي أسهمت بأن يكتشف العالم اتفاقيّة «سايكس - بيكو». كانت لا تزال «تحت الطاولة». في مقطع آخر مِن مقاله، يكتب الشيخ: «لا يَعجب القارئ إذا قلنا له إنّ 99 في المئة مِن سكّان الكرة الأرضيّة هم مِن الاشتراكيين أو البلشفكيين، وهؤلاء هم الشعب الذي تقول الأمثال إنّ صوته هو صوت الله، وهذا الشعب هو الذي يقلب الحكّام ويسقط الملوك». هكذا، هي «صوت الله»! ليس تصريحاً عابراً، لا بجذريّة المعنى ولا بلحاظ أهميّة القائل. كثيرون، مِن الماركسيين العرب، ردّدوا مقولة رشيد رضا وتباهوا بها. تغافلوا، أو لم يعلموا، أنّ هذا الشيخ سيكتب لاحقاً مقالات أخرى، بالثقة نفسها، لكن على طريقة «كلام الليل يمحوه النهار». كتب ما كتب عندما لم تكن سلفيّة عبد العزيز آل سعود قد أخذته تماماً. عندما لم يكن قد انتهى نهائيّاً إلى الوهابيّة... وإن ظلّ يُميّز نفسه. سيكتب في شهر أيلول مِن عام 1925 أنّ «البلشفيّة فتنة في الأرض وفساد كبير، وحسبنا في ذلك أنّها تهدم نظام المجتمع الإنساني، وتضيع حكمة الله في جعل الناس درجات ينتفع بعضهم مِن بعض». لم يفته طبعاً أن يستشهد ببعض الآيات القرآنيّة. كان هنا يردّ على الشيخ الأزهري علي عبد الرازق، تحديداً على طرحه الشهير في كتاب «الإسلام وأصول الحكم».


ذلك الكتاب الذي، على صغر حجمه، شغل المهتمين ولا يزال يشغلهم، لحديثه عمّا يُشبه «العلمانيّة الإسلاميّة». طرح عبد الرازق هذا، في تلك اللحظة المفصليّة، أي إثر انهيار «الخلافة العثمانيّة» وما تلاها مِن أحداث، يأتي في السياق التاريخي للأثر البلشفي على العالم. قوّة دافعة. شحنة جرأة. يسخر رشيد رضا مِن قول عبد الرازق: «لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلّها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم». ويعلّق رضا: «معلوم أنّ أصول الحكم ومصادر التشريع عند المسلمين إنما هي كتاب الله وسنّة رسول الله وإجماع المسلمين وليس هناك للمسلمين خير منها». جدليّة لا تزال في راهنيّتها اليوم حاضرة في عالمنا. كما هي، بالأدبيّات نفسها، كأنّ الزمن لا يتقدّم. هكذا «يعيد التاريخ نفسه على شكل مهزلة». لو يعلم ذلك الجيل أننا انتهينا اليوم إلى «داعش»... ولم تنته بعد تلك الجدليّة. لو عاش هيغل معنا اليوم لربّما عدّل في «ديالكتيكه». ربّما عدَّل ماركس أيضاً، مَن يَعلم؟!
على أرض أخرى، حيث يقف «الحاج نور» إيّاه، هناك في كربلاء والنجف والموصل والبصرة، كانت النقاشات حول «البلشفيّة» تتفاعل لتصل إلى أروقة «الحوزة» الدينيّة. شاع بعد سنوات قليلة على ثورة البلاشفة في روسيا، بحسب الإعلام البريطاني، أنّ «المرجع الأعلى» للشيعة في النجف، محمد تقي الشيرازي، أفتى بأنّ «البلاشفة هم أصدقاء المسلمين». لم يثبت هذا الأمر على نحو قاطع، لكن مردّ شيوع ذلك، بحسب حنّا بطاطو، هو نجل المرجع المذكور، المجتهد ميرزا محمد رضا، الذي كان قد عبّر عن اهتمامه بالأفكار البلشفيّة منذ وقت مبّكر (1920). يقول: «ناقش يومها، علناً، وفي النجف، محتويات كتاب عربي عنوانه «مبادئ البلشفيّة» يتركّز موضوعه على التوافق بين البلشفيّة والإسلام» (العراق: الطبقات الاجتماعيّة والحركات الثوريّة من العهد العثماني حتى قيام الجمهوريّة). يتحدّث أيضاً، في الإطار نفسه، عن رجال دين آخرين تحمّسوا للبلشفيّة، مثل السيد محمد الصدر (نجل المرجع حسن الصدر) والشيخ محمد الخالصي (نجل المرجع مهدي الخالصي). كان هؤلاء جميعاً ضدّ البريطانيين، في لحظة «ثورة العشرين» التي كانوا فيها قادة فاعلين، وقد رفضوا توقيع معاهدة معها. تواصلوا مع كمال أتاتورك في شأن القيام ضد الإنكليز، فجرى نفيهم إلى إيران، فلم يتراجعوا وظلّوا على تواصل مع البلاشفة الروس ومع لينين تحديداً، عبر مراسلات خاصة، والتقى بعضهم بالوزير المفوض بوريس شومياتسكي. ولد «تجمع علماء» في إيران لهذه الغاية. رغم إحجام المرجعيّات العليا عن الذهاب بعيداً في التحالف مع البلاشفة، أقله في العلن، إلا أن بطاطو ينقل نص رسالة مِن المرجع الخالصي إلى لينين، يكتب فيها: «إن الشرق الذي أيقظتم ينتظر لحظة ترجمة أفكاركم الصائبة حول تحالف الأمم الشرقيّة، وحقّ كلّ فرد وكلّ أمّة، كبيرة كانت أم صغيرة، مثقفة أم متخلّفة، بالحياة والاستقلال إلى واقع حيّ». الشيخ الخالصي (الابن) يخبر بطاطو شخصيّاً، بعد 35 عاماً، أنّه قرأ رسالة لينين التي وصلت إلى المدعو سليمان ميرزا، الذي كان على اتصال مع الروس، واعتاد أن يقول إنّ الروس سيساعدون العراقيين إذا ما ثاروا ضدّ الإنكليز لاستعادة حريّتهم. كان في رسالة لينين تلك: «ليس لدى البلاشفة مخططات حول الشرق، وإن كلّ ما يرغبونه هو تحرير البلدان الشرقيّة مِن العبوديّة والحكم الاستعماري، وأنّه ليست لديهم نيّة للتدخّل في شؤوننا الداخليّة أو معارضة مسلمي العراق في دينهم». همّان دائمان كانا آنذاك يطبعان الوعي العربي بالأعم: التخلّص مِن الاستعمار وعدم السماح بأن يُمَسّوا بدينهم. طبعاً، لاحقاً سيذهب الاستعمار مِن الباب ليعود مِن الشباك، أمّا «البلشفيّة» فستُحرّم، بلا مواربة، وصولاً إلى فتوى المرجع محسن الحكيم الشهيرة، بأنّها «كفر وإلحاد». هنا أصلاً البلشفيّة كانت قد أصبحت، في بلاد المنشأ، بلشفيّات عدّة وطرقاً مختلفة ومذاهب متنوّعة، زادت ربّما عن عدد المذاهب الدينيّة. بعض تيّاراتها وقعت فعلاً في «الحماقة» (كما يصف فريدريك إنغلز) مِن خلال مهاجمة الدين في ظروف غير مواتية. حصل هذا تحديداً بعدما كان لينين قد ارتفع إلى «الرفيق الأعلى».
يروي حسين مروّة، في «مِن النجف دخل حياتي ماركس»، أنّه ذات مرّة «سألت الشهيد الشبيبي (كان شيخاً – رجل دين) رأيه في قضيّة وطنيّة، كانت قضيّة الساعة في الأوساط السياسيّة العراقيّة، فأخذ يبسّط لي رأيه باستفاضة، مستشهداً خلال ذلك بمواقف ونصوص لينينيّة. أذكر أنني اعترضته متسائلاً: لماذا لا يستشهد بالماركسيّة؟ قال: اللينينيّة هي الماركسيّة مطبّقة على الواقع الملموس، تطبيقاً إبداعيّاً تميّز به لينين في عصر الثورة الاشتراكية العلميّة المتحققة على الأرض بالفعل». كان هذا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي. مروّة، أو الشيخ الأحمر، الذي سافر مِن لبنان إلى النجف ليُحقق حلمه بأن يُصبح شيخاً أبيض، فاختلفت الألوان. يروي أنّه كان يجتمع بالشبيبي، أو «الشيخ الشيوعي» كما يصفه، في بغداد عندما يكون الأخير متسللاً قرب جامع «الحيدر خانه». أهدى الشبيبي مرّوة نسخة مِن «البيان الشيوعي» فغيّر حياته إلى الأبد.
يظل النقاش بين ورثة البلشفيّة مفتوحاً، إلى اليوم، عن صوابيّة محاربة الدين لأجل محاربة الدين. إن لم يكن «أفيوناً» هل يُحارَب أيضاً؟ مَن يُحدد أفيونيّته أو مداها اللازم للمُحاربة؟ هل المسيحيّة مثل الإسلام؟ هل الإسلام مثل الهندوسيّة؟ سيول مِن الأسئلة ضجّ بها العالم، ومنطقتنا على وجه الخصوص، على مدى القرن الماضي. هل كان سيّد قطب مخدّراً عام 1949؟ هو الذي سيُصبح رمزاً، في زمانه ولاحقاً أكثر، لكثير مِن حركات الإسلام السياسي الراديكاليّة. يضع كتاباً بعنوان «معركة الإسلام والرأسماليّة». لم يرَ المعركة، مع أل التعريف، إلا مع الرأسماليّة. يختلف مع الشيوعيّة، وهي «كفر» عنده، لكن المعركة الكبرى ليست معها. يقول: «لا بدّ للإسلام أن يحكم ليقدّم للإنسانيّة مجتمعاً مِن طراز آخر، قد تجد فيه الإنسانيّة حلمها الذي تحاوله الشيوعيّة، ولكن تطمسه بوقوفها عند حدود الطعام والشراب، وتحاوله الاشتراكيّة لكن طبيعتها الماديّة تحرمه الروح والطلاقة. الإسلام هو العقيدة الوحيدة الإيجابيّة الإنشائيّة التي تصوغ مِن المسيحيّة والشيوعيّة معاً مزيجاً كاملاً». ربّما لم يكن منظّراً بلشفيّاً، والقراءة المسطّحة لديه واضحة هنا، لكن هل كان مخدّراً؟ مَن يشكّ في صدقه، بل في ثوريّته، حبّاً بالعدالة الاجتماعيّة التي ذهب بها إلى حدّ تقريعه، وهو السلفي، لبعض «الصحابة» المترفين؟ وتأتي لاحقاً الثورة الإسلامية في إيران، لتعيد خلط الحسابات، فتحتاج معها نظريّات سائدة إلى إعادة بحث، ويضطرب يساريّو العرب، وصولاً إلى الغرب وفوكو ورفاقه، وينتشر الانقسام حولها.
أن تأتي إلى شخص، أميّ أو شبه أميّ، يعمل مزارعاً، وليس له مِن عزاء في هذا العالم القاسي سوى الإيمان بالله، فتقدّم له الثورة على أنّها إلحاد، أو أنّه مِن ضمنها، فهل سيذهب معك إلى الثورة؟ بعض «الثوريين» كانوا يعملون، بالمجّان، وبلا إدراك، لمصلحة «البروباغندا» الرأسماليّة. أصبحت صورة نمطيّة في نهاية المطاف. تنفير الناس. يُمكن القول، مع ليّ عنق الحرف، إنّ الطريق إلى الفشل مفروش بالنيات الطيّبة. يأتي أحدهم إلى فلاح، وهو فلاح فقط وهذا كلّ ما يعرفه عن العالم، فيُحدّثه عن الثورة ويخبره أنّه «بروليتاريا». ليس مستغرباً إن ظنّه يتلو «كفريّات» بلغة أجنبيّة. يتوجّس. هل سيذهب معه إلى الثورة؟ هذه نماذج ذهبت أمثلة للتندّر. ما مِن بلد إلا وشهد هذه الآفة. مسألة الدين لم تكن تفصيلاً، بلشفيّاً، منذ انتصار البلاشفة على المناشفة، وما بينهما، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفياتي. كمّ مِن بلشفي خرج يقول عن بلاشفة آخرين: هؤلاء لا يمثّلون البلشفيّة (تماماً على طريقة: أولئك لا يمثّلون الإسلام). كان القرن العشرون قرن «الحلول الكبرى». أيديولوجيّات ماديّة شتّى، رأسماليّة وشيوعيّة وما بينهما، ومِن قبل ومِن بعد أديان ما بين الأرض والسماء، كلّها نادت: «أنا الحل»... وهاك العالم على ما هو.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]