عشرة أيام ستظل تهزّ العالم!


غسان ديبة

«إنّ الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم. بينما المطلوب هو تغييره»
كارل ماركس

الكثيرون يسألون ما هو الحدث الذي سيطبع القرن الواحد والعشرين؟ وما هو التاريخ الذي سيعلن بدء حقبة جديدة كما كان 1789 حيال القرن التاسع عشر و1917 حيال القرن العشرين؟ هذا السؤال اليوم يلوح في الأفق بعد سنوات على صدمات 1989 و1991 في انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي التي أنهت تأثيرات ثورة أكتوبر على ما بقي من القرن العشرين.

فمنذ ذلك الوقت تحوّل العالم إلى عالم وسطي بارد حيث ماتت ــ وإن سريرياً في بعض الأحيان ــ الأيديولوجيات وأحزابها ورفعت المجتمعات شعار «أحزاب وسطية تقنية لمجتمع كفوء واقتصادي بحت». فحكمت ائتلافات يمين ويسار الوسط لمدة طويلة وأصبحت حتى الأحزاب الشيوعية الكبرى الحاكمة في الصين وفييتنام مؤسسات تبدو وكأنها تبنّت الرأسمالية واقتصاد السوق. إذاً بدا أن سؤالاً كهذا لن يسأل بعد الآن، فالتاريخ انتهى خافتاً ولربما مسئماً أيضاً، ولكنه انتهى.
في العشر سنوات الماضية بدأ هذا الشعار ومفاعيله يتصدع، فاختفت أحزاب وسطية وضعف الكثير منها، وبدأ اليسار واليمين يدقان من جديد أبواب التاريخ الأوروبي والعالمي المعاصر. هل عاد التاريخ ليؤكد مسيرته الحديدية؟ كيف نفهم ما يحصل الآن، وما هو المستقبل في ضوء الماضي؟ أم هل نحن دائماً متأخرون عن فهم العالم ومحكومون بأن بومة المنيرفا «تنطلق فقط عند الغسق» كما قال هيغل؟

ارتدادات أزمة 2008

إن الأزمة الاقتصادية التي دخلت الرأسمالية فيها عام 2008 لم تخرج منها حتى الآن، وإن كانت تقنياً قد خرجت من قعر دورة الأعمال (business cycle). وتتجلى الأزمة اقتصادياً الآن بسيطرة وتحكّم مرض الركود الطويل الأمد وتراجع نمو الإنتاجية، ما يهدد الرأسمالية في أهم أسباب وجودها، وهو استمرارها في خلق الثروة وتثوير القوى المنتجة ورفع مستوى المعيشة. فمن دون هذه الخاصيات تصبح الرأسمالية عرضة وخواصرها مفتوحة للنقد الأخلاقي الذي يعتبر أن الناس يقبلون بعدم المساواة فقط إذا أعطيت مقابله النمو وارتفاع مستوى معيشتهم. بالإضافة إلى ذلك، أشارت الأزمة أيضاً إلى أربعة أمور تجعل من الرأسمالية نظاماً ستهتز قواعده في القرن الواحد والعشرين: ــ أولاً، انتهاء حلم الرأسمالية الخالية من الأزمات التي قيل إنها أخيراً اكتشفت الكأس المقدسة للنمو والرفاه. ويجب علينا ألّا نقلل من وقع نهاية هذا الحلم، فالثمانينيات والتسعينيات كانت عقود النشوة الرأسمالية التي خطفت عقول الناس وبهرتهم.


ــ ثانياً، صعوبة استمرار الحل الكينزي في إنقاذ الرأسمالية من أزماتها المقبلة. فبُعيد أزمة 2008، طبقت أكثر الحكومات التي واجهت الأزمة سياسات كينزية، بل يمكن تسميتها سوبر ــ كينزية، اعتمدت على الإنفاق الحكومي والسياسات النقدية التوسعية وشراء الأصول والمؤسسات، أي التأميم. الآن كل ذلك انتهى بشكل أو بأخر بسبب «زمنية» الحل الكينزي، والاحتمالات الآن مفتوحة لحلول أخرى من الفاشية إلى الاشتراكية.
ثالثاً، إنّ تزايد عدم المساواة في الدخل والثروة في الدول الرأسمالية أصبح إحدى أهمّ المعضلات التي تواجهها. فلم يعد هذا الأمر عابراً أو أخلاقياً فقط، بل أصبح واقعاً ترزح تحت ثقله القاسي أكثرية الناس، وخصوصاً الشباب الذين يمثلون الثروة الحية في مواجهة تمركز الثروة الميتة في الأصول والنقود والأراضي في يد القلة المتمثلة بالـ1% أو حتى الـ0.1%.
ــ رابعاً، إنّ العلاقة التاريخية أو العضوية بين الرأسمالية والديمقراطية التي أرساها فلسفياً ميلتون فريدمان ليصبح هذا التوأم راسخاً في العقول، انتهت... بل بالعكس بدأت الرأسمالية تهدد الديمقراطية إذ إن طبقة الـ1% أصبحت هي المسيطرة على الفضاء السياسي لا الاقتصادي أو المالي فقط؛ كذلك فإن الأسواق المالية أصبحت لديها سلطة تفوق في بعض الأحيان سلطة الشعب كما حصل في أوروبا، وبالأخص في اليونان وإيطاليا. لهذا يفقد الناس تدريجاً الربط بين الاثنين.
كل هذا يشير إلى أنّ الرأسمالية في أزمة كبرى، وأنها لن تطبع تاريخ القرن الواحد والعشرين، إذ إنها تدخله مهتزة في كل أنحاء جسدها من معضلات حاولت في نهاية القرن الماضي حلّها أو إخفاءها، إلا أنها عادت كلها اليوم دفعة واحدة وبقوة تدميرية لا يستهان بها.

من المزرعة إلى المصنع

بعيد الحرب العالمية الثانية كانت التنمية عنوان المرحلة أيضاً، وكان التفاؤل سائداً بين الاقتصاديين في أن اتباع الدول النامية لبعض السياسات التنموية سيكون له وقع كبير على التطور الاقتصادي، ما يحقق الرفاه. وبدا وكأن العالم سيتجه إلى الالتقاء؛ أي المساواة في مستوى المعيشة في غضون عقود قليلة. هذا لم يحدث بالطبع؛ فقد انهارت فكرة التنمية مع موت الكينزية، وانتهى العالم إلى ما عليه اليوم من تفاوت كبير في الثروة والدخل ودرجة التقدم الاقتصادي بين الدول. لكن اليوم، بعد فشل «توافق واشنطن» الذي استبدل نظريات التنمية، تعود الحياة إلى تلك النظريات بعد أن استفاق العالم من «التنويم النيوليبرالي» ليجد أن الدول التي صنّعت وغيّرت في بناها الاقتصادية هي التي أصبحت دولاً متقدمة؛ وأعيد اكتشاف لدى بعض الاقتصاديين (داني رودريك، وهاجون شانغ مثلاً) أن التصنيع هو الطريق إلى التقدم وخلق الثروة!
ينسى البعض أنّ الاتحاد السوفياتي كان الدولة التي تقدمت صناعياً وغيّرت بناها الاقتصادية بسرعة قياسية، وذلك قبل عصر التنمية. فمنذ 1928 اتبع السوفيات نظام التخطيط المركزي الذي في غضون 13 سنة نقل روسيا من بلد زراعي فلاحي بمجمله إلى بلد صناعي متقدم هزم الآلة العسكرية الجبارة لألمانيا.
وانطلقت بعد الحرب لتصبح البلد القوي الثاني خلال الحرب الباردة. وحصل هذا كله كما يقول روبرت آلن المؤرخ الاقتصادي البريطاني في كتابه «من المزرعة إلى المصنع»، بسبب أنه خلال الخطط الخمسية الثلاثة أخذ التخطيط المركزي ثلاثة أعمدة: التركيز على الصناعات الثقيلة؛ تأميم الزراعة؛ تحديد أهداف المؤسسات الإنتاجية بنحو مركزي تحت ما سُمِّي لاحقاً «معوق الموازنة الناعمة»، أي أن لا تعتمد المؤسسات على مفهوم الربحية عند التشغيل.
وقد برهن آلن أن ذلك مجتمعاً أدى إلى الإنجاز السوفياتي الكبير، ولولاه لأصبح الاتحاد السوفياتي بلداً شبيهاً بأميركا اللاتينية في يومنا هذا. اليوم يجب أن يشكّل هذا حافزاً لإعادة التفكير بالتنمية في القرن الواحد والعشرين. فعند طرح «توافق واشنطن» جانباً، على العالم أن يستعيد ويدرس من جديد ما حصل في موسكو في العشرينيات وما بعدها، وسيجدون أن هناك درسين أو أكثر للاستفادة.

حرب إمبريالية فاشتراكية؟

قد يعترض البعض بأن ما تقدم هو من التاريخ. على الرغم من عدم مشروعية الاعتراض وسطحيته، إلا أنّ الصين اليوم تشكّل التجربة التي انبثقت من التجربة السوفياتية ومن أفكار التنمية. فهي أصبحت الاقتصاد الأول في العالم وتنمو سنوياً بنحو مستدام غير مسبوق في التاريخ. وحالياً، أتى المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي الصيني الشهر الماضي، ليعلن أن الإصلاحات التي قامت بها الصين منذ 1978 أثمرت اقتصاداً يتجه إلى إقامة مجتمع ذي ازدهار معتدل بحلول عام 2020، ودولة اشتراكية عصرية بحلول عام 2050. وشدّد المؤتمر، لأكثر من مرة منذ 1978، بنحو واضح على دور الماركسية وعلى الاشتراكية كهدف نهائي للصين. وقد كان خطاب شي جينغ بينغ واضحاً في هذه المجالات كافة. ويشكّل لذلك المؤتمر الآن قلقاً كبيراً في الغرب. وهو ما يُعكس إعلامياً حيث تزايُد القلق والدهشة من التشديد على الماركسية. فلمدة أربعين عاماً انتظر الرأسمال العالمي أن تعلن الصين تخليها عنهما، فجاء المؤتمر الأخير لينهي آمالهم التي عقدوها على الصين الرأسمالية التي تنهي الاشتراكية والماركسية إلى الأبد.
في المقلب الآخر، تتجه الولايات المتحدة الأميركية إلى الانحدار السياسي والاقتصادي والحضاري والأخلاقي. المهم في هذا الإطار هنا، الانتباه إلى أن هذا المسار قد لا يكون خطياً (linear)، أي إنه يصل إلى خاتمته بعد سنوات عديدة، وبالتالي ما على الجميع إلا الانتظار. الأرجح أن هذا المسار قد يتحول إلى الانهيار الكامل والسريع. فصعود القومية الأميركية المتطرفة اليوم في عهد ترامب قد يكون الصاعق الذي يؤدي بالإمبريالية العسكريتارية الأميركية بمحاولتها لإنهاء الصعود الاقتصادي للصين، ولمنع دفنها للولايات المتحدة اقتصادياً في تحقيق متأخر لمقولة خروتشوف، إلى إشعال حرب معها. سيسأل البعض من سينتصر في هذه الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ممكنة، ولكن الأهم أن مقدرة الصين الصناعية والبشرية والتخطيطية ستجبر الولايات المتحدة على حرب لن تستطيع تحملها اقتصادياً ولا بشرياً ولا داخلياً، لا هي ولا حلفاؤها في الأطلسي. وهنا ما علينا إلا أن نذكر كيف كانت الحرب العالمية الأولى الشرارة التي أطلقت الثورة البلشفية. وستكون ربما كذلك اليوم حرباً تنتهي فيها الرأسمالية بثورة.

قوانين ماركس الأساسية وأخلاقية الاشتراكية

في الأسبوع الماضي بمناسبة «هالووين»، وضع دونالد ترامب الابن فيديو على «تويتر» يشرح لابنته الصغيرة ما هي الاشتراكية عبر أخذه لنصف ما جمعته من الحلوى في تلك الليلة لإعطائه كما قال «لولد بقي في المنزل». وبيّن في ذلك مساوئ الاشتراكية عبر امتعاض ابنته من هذا. المفارقة أن هذا الفيديو أدى إلى ردود فعل كثيرة من الأميركيين المشاهير وغيرهم، إذ هاجموا ترامب على هذا العمل الأخرق كما سمّاه كثيرون. وكان واضحاً مباشرة وغير مباشرة أن الناس كانوا يضعون الأخلاق الاشتراكية في مرتبة أعلى من الأخلاق الرأسمالية التي حاول ترامب الدفاع عنها. وكان أقوى رد «أيديولوجي» قد أتى من الكوميدي الأميركي ستيفن كولبرت.
ويأتي هذا الحدث أيضاً على خلفية استطلاع متوالية تُظهر شباب الألفية الأميركيين يفضلون الاشتراكية على الرأسمالية، وهو ما لم يحصل في تاريخ البلاد.
هذان الحدثان يشيران إلى مدى تغلغل الاشتراكية في عقول الأميركيين ووجدانهم، في انقلاب أيديولوجي لم يرَ أحد إمكانية حدوثه بهذه السرعة. إذ من الواضح أن الجانب الأخلاقي للاشتراكية يتبناه المزيد من الناس يوماً بعد يوم في الدول الرأسمالية المتقدمة. في هذا الإطار، إن التجربة السوفياتية ببناء «الإنسان الجديد» انبثقت من هذا الجانب، كذلك فإن الاشتراكية السوفياتية برهنت أنه يمكن تنظيم الاقتصاد بطريقة متقدمة وعصرية من دون طبقة الرأسماليين. اليوم، هذان الأمران يُرعبان الرأسمال لربما أكثر من الصين الاشتراكية.
عند زيارته للاتحاد السوفياتي بعيد ثورة أكتوبر، كتب جون ماينارد كينز أن التحدي أمام البلاشفة هو التفوق الأخلاقي على الرأسمالية. نحن نرى إذاً اليوم كيف يعود هذا السؤال بقوة. لكن الماركسية لا تطرح الأخلاق في مواجهة الرأسمال، بل إنها ترى في المسار الحديدي للتاريخ الذي يحدده تطور القوى المنتجة وتوافقها واشتباكها مع علاقات الإنتاج، الطريق الوحيد للتحرر الإنساني. وهنا الرأسمالية الآن تواجه أيضاً أصعب امتحاناتها في التطور التكنولوجي للآلات والذكاء الاصطناعي التي تصطدم معها.
أي تاريخ إذاً سيطبع القرن الواحد والعشرين؟ هذا هو الأمر الوحيد الذي فعلاً قد لا نعرفه إلا بعد أن تطير بومة المنيرفا بعد المغيب؛ ولكن كما قال شو ان لاي إنّ «من المبكر الحكم» عند سؤاله عن تأثير الثورة الفرنسية. تأتي مئوية أكتوبر لتذكرنا بأن الصدمة التي هزّت القرن العشرين فتحت آفاق تغيير العالم. فكما يعود ماركس لأن الرأسمالية موجودة، كذلك ستظل ثورة أكتوبر، التي حققت أول تجربة اشتراكية لتخطي الرأسمالية، كما أسست لظهور قوى مادية في التاريخ، أي الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين والصين في القرن الواحد والعشرين، تعود لأن الراسمالية محكومة بالنهاية. لكل ذلك، نشهد اليوم إشارات على أن هذه العشرة أيام التي هزت العالم في أكتوبر 1917، ستظل تهزه بقوة في المئة عام المقبلة.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]