وصية لينين: الثورة الكاملة



(أ ف ب)
ابراهيم الأمين

قليلون هم الذين انتسبوا إلى الحركة الشيوعية بمختلف مذاهبها، ربطاً بقراءات متعمقة لمؤلفات كارل ماركس وتعاليم لينين. وكثيرون تعرفوا إلى «العقيدة» وأبوابها، بعد مرور زمن طويل على ارتباطهم بالحراك الناجم عنها. لكن السحر الذي أظهرته الثورة البلشفية، هو ما جعل الناس المتعطشين الى كل أشكال التحرير من العبودية والتبعية والذيلية يلتحقون بفكرة، كان لها أطرها المختلفة، وتجاربها الاكثر اختلافاً وتنوعاً، حتى صارت ديناً بمذاهب عديدة.

كنا في العمر النضر، لا نشعر أننا وحدنا. كان يكفي انتسابنا الى هذه الفكرة والى هذا العالم، حتى نشعر بقوة تتيح لنا البحث عن كل مظلوم في العالم لنصرته، وعن كل مستبد وظالم لنلعنه ونقاتل ضده. كنا نؤمن بأننا حيث وجدنا على هذه الارض، سوف يكون هناك رفاق لنا، نحتمي بهم أو يحتمون بنا، نعيش بينهم ليس كغرباء، ولا نكون عندهم ضيوفاً لاجئين. وكان طبيعياً جداً أن يكون بيننا، نحن العرب مثلاً، مناضلون من أبناء هذه الثورة العالمية، يقفون ليس الى جانبنا، بل ينخرطون معنا في نضالاتنا التي كان عنوانها الأبرز التحرير من الاستعمار والاحتلال والهيمنة الاقتصادية.
ها قد مرت عشرة عقود على الحدث الأضخم في القرن العشرين. وها قد مرت ثلاثة عقود على انهيار بنيانه، ودخلنا، نحن أتباع هذه الديانة، في إحباط وسبات. ضاقت بنا الدنيا، وتهنا في التنقل بين ضفاف فكرية وسياسية ونظم سياسية واجتماعية. ونهشنا ذواتنا من الجلد. لكن، حقيقة الهدف من الالتحاق بهذه الفكرة، وهذا الطريق، لم تختف من أمام ناظرينا: ما زالت معركتنا قائمة من أجل التحرر الفعلي من الاستعمار والاحتلال والهيمنة الاقتصادية.
أصلاً، لم يبق لدينا مرجعية تقرر. ولم يعد بيننا من يقرر إن ضللنا الطريق أو ذهبنا بعيداً.

صارت الحاجة الى رفعة حياتنا كأفراد، مسيطرة على غالبية النخب التي قادت وناضلت وجنّدت وثقفت في العقود الخمسة الماضية، فغرق الجميع في مراجعة، أقعدتنا، وباتت الغالبية تتجاهل واجبها في مواجهة العناوين ذاتها. وكل نقاش عن أسباب الانفجار والانهيار، لا يكفي للإجابة عن السؤال الداهم: أين نحن من قضية التحرر الوطني بكل أشكاله؟
حتى المراجعة النقدية بدت كأنها تنسب فشلنا الى نجاح الآخرين. تجاهلنا أن قوة الخصم بقيت على الدوام ملازمة لقلة ارتباطه بأي قيمة إنسانية، كالتي تحولت إلى دماء في شرايين من لحق بلينين وذريته، ونسينا أن قوة العدو المهيمن ظلت، على الدوام، مرتبطة بأنه يحكم بالحديد والنار، وأن كل تطور حاصل في البلاد التى يحكمها، إنما تبقى نتائجه خاصة بأقلية، تزداد تضاؤلاً، لكنها تتّسع نفوذاً على حساب الباقين.
في ما يخصّنا نحن أهل هذه المنطقة من جنوب العالم، لا تفرض المراجعة المفتوحة لما حصل أن نتجاهل حقيقة أن نتاج الثورة البلشفية أتاح لنا الفرصة لقيام دول متحررة من الاستعمار، وطامحة إلى توزيع عادل للثروات بين مواطنيها. وفي ظل «الوباء الشيوعي»، كما سمّاه الغرب الاستعماري، كانت الصحة تنتشر لدى مئات الملايين من البشر، وكان هذا الوباء يطيح الأمية والجهل والتخلف، وكان يفتح الأبواب أمام مناعة وطنية، جعلت الأعداء يرتكبون أبشع الجرائم الانسانية في مواجهته.
اليوم، لن ينفع القول إننا أخطأنا في استغلال هذه الفرص، ولن ينفع القول إننا فشلنا في التجربة. ولن ينفع القول إننا سقطنا في الامتحان، وإن علينا الابتعاد الى زاوية المُعاقَب الواقف على قدم واحدة، ولا يقدر حتى على الصراخ. وأكثر من ذلك، نحن اليوم في الموقع الذي يفرض علينا قول الاشياء كما هي، بلا مواربة، ومن دون خجل، بعدما صرنا في عمر لا يتيح لنا إلا فرصة الاعتذار.
كل ما فعله العالم الظالم بعد انهيار تجربة الاتحاد السوفياتي كان الإيغال في القهر وفرض الخوّة لأجل حفنة من الرأسماليين القذرين، القابضين على نار الحروب وأدواتها، وعلى طعامنا ومدارسنا ومصانعنا وعلومنا وحياتنا، وعلى كتبنا وإعلامنا وهوائنا.
في الغرب تخلّوا عن كل تقديمات كانت مفروضة خوفاً من وصول «الوباء الشيوعي» الى شعوب بلدانهم. وفي الغرب أيضاً، عاد الحنين الى الاستعمار المباشر. وعمل الغرب على تدمير دول في الشرق والجنوب، بحجة إنقاذها من «الأسر». وعاد الغرب إلى استخدام الدين بأبشع صوره؛ فظلت الكنيسة أداة قهر باسم الرب عندهم، كما تطوع المتحكرون لاسم الإسلام لخلق وحوش تخدم مصالح الغرب في التفتيت والعودة الى سنوات التخلف، ونهب ما تبقى من ثروات. وجرى الاستيلاء على نضوج وتطور جيل من الذين تعلموا وتطوروا برزق ما حصّله الآباء في الزمن الجميل. وصار الناس ينشغلون في شعارات إصلاحية باهتة. وغرق جيل بأكلمه في لعبة الركض خلف أحلام تقودهم في أحسن الاحوال الى الانتظار في فناء الحاكم!
في منطقتنا نحن، لا يحتاج الساعون للحرية الحقيقية الى جدل إضافي. وليس لديهم ترف انتظار المراجعات الفكرية والتنظيمة والسياسية وغير ذلك. ليس لأنهم كسالى، بل لأن التحديات الوطنية الكبرى تفرض عدم التخلف عن المواجهة. ولندقق قليلاً، حتى نتأكد من أن القواعد الاجتماعية التي كانت حصن الثوار في العقود التي خلت، هي نفسها القواعد الاجتماعية التي تنخرط اليوم في المعركة نفسها، ولكن برايات جديدة.
وما يقوله لنا هؤلاء ليس ان القضية لم تمت وحسب، بل إن ما ورثناه عن الثورة المجيدة لم يعد يصلح كله لحياة اليوم. لكن، وقبل الغرق مجدداً في البحث عن الإطار الأنسب، والشعار الأجمل، والخطاب الأنسب، لنقرّ أولاً بأن استعادة الحقوق كاملة وضمان حمايتها جيلاً بعد جيل، لا يحتملان أي تسوية مع الأعداء القابضين على كل شيء.
لا شيء يعيد لنا وهج السحر والحب ونكران الذات من أجل الآخرين سوى الثورة الكاملة، التي تقضي على كل بنيان أقامَه الغرب عندنا، من أساس وهيكليات وأنماط حياة وتفكير.
ما بقي لنا من الثورة البلشفية المجيدة هو أن حريتنا تحتاج الى المبادرة، والى الثورة الكاملة، أما أفكار الإصلاح والتسويات المرحلية وغير ذلك، فليست سوى رتي لثياب قديمة عفا عليها الزمن!

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]