قمة بون للمناخ: على وقع التقارير والأعاصير



إحترار = ذوبان = فيضان

أكثر من حدث وتطوّر يخيم على الجولة 23 من محادثات المناخ الدولية هذا العام في بون (ألمانيا) التي افتتحت أعمالها بداية هذا الأسبوع، بمشاركة 25 مشاركاً حسب سجلات الأمم المتحدة، وتستمر حتى الـ17 من الجاري. الحدث الأول هو بالطبع انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اتفاقية باريس المناخية التي أبرمت عام 2015 ووقّعت عليها 195 دولة. ومن التطورات المؤثرة أيضاً الأعاصير الشديدة وغير المسبوقة في قوتها (ايرما وهارفي) التي ضربت بقوة هذا العام قبيل افتتاح هذه القمة في ألمانيا. بالإضافة إلى المؤشرات السلبية الناجمة عن إصرار الدول على الاعتماد على الفحم الحجري في توليد الطاقة والصناعة كالولايات المتحدة الأميركية والصين، أكبر المنافسين في اقتصاد السوق وأكبر الملوثين في العالم. بالإضافة إلى التقارير الدولية التي تزامن صدورها مع انعقاد القمة، لا سيما تقرير الأمم المتحدة للبيئة حول «الفجوة الكربونية» وتقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وكلاهما في بالغ السلبية حول مستقبل المناخ والكوكب مع تزايد الأعاصير وحرائق الغابات وموجات الجفاف والسيول والتهديدات التي يواجهها الأمن الغذائي جراء تغير المناخ بالإضافة إلى عمليات النزوح المناخية. كما تتميز القمة هذه السنة، أنها المرة الأولى التي يرأس أعمالها البلدان الجزرية، ممثلة في هذه القمة برئيس وزراء فيجي فرانك باينيماراما

حبيب معلوف

افتتح المؤتمر الدولي في بون على وقع تظاهرات كبيرة ضدّ استخدام الفحم ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها "احموا المناخ: أوقفوا الفحم". وقال المنظمون إن عدد المشاركين بلغ 25 ألفاً بينما قالت الشرطة إن عددهم 10 آلاف.

مع العلم أن الفحم الحجري لا يزال يلعب دوراً كبيراً في الاقتصاد على مستوى العالم، خاصة في اقتصادات البلدان النامية مثل الصين والهند. ولذلك ركز الرئيس الأميركي قبيل انسحابه من اتفاقية باريس على هذا الموضوع، حين عارض برامج بلاده في عهد الرئيس أوباما التخفيف من استخدام الفحم. وتقول وكالة الطاقة
الدولية إن الفحم مصدر ثلث الطاقة المستخدمة في العالم.

فجوة "ثلث الطريق"

بالتزامن مع بداية أعمال قمة بون المناخية أصدرت الأمم المتحدة للبيئة، كما في كل عام تقريراً خاصاً عن الفجوة الكربونية بين تعهدات الدول والتوقعات حول الانبعاثات المحتملة، وقد تمت عنونة التقرير هذه السنة بالـ "الفجوة الكارثية"، إذ حذر التقرير من صعوبة سد الفجوة، بحسب التعهدات التي قطعتها الدول للحد من انبعاثاتها من غازات الدفيئة والجهد اللازمين لاحترام اتفاق باريس الذي اعتمد في COP21، في ديسمبر 2015... إذا كان المطلوب احتواء الارتفاع في درجات الحرارة العالمية أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. هذا ليس أول تحذير صادر عن المنظمة، لكنه هذه السنة أخذ لهجة ملحّة بشكل خاص، بعد الصيف الكارثي الذي حصلت خلاله سلسلة من الأعاصير والفيضانات والحرائق لم تميز بين البلدان الغنية والفقيرة إزاء تغير المناخ.
وقد أكد التقرير أننا بعيدون جداً عن الانخفاض الحاد في الانبعاثات الضرورية لتحقيق أهداف اتفاق باريس. ومن أجل احتواء الاحترار العالمي تحت 2 درجة مئوية، ينبغي أن يتم تحديد الإصدارات العالمية عند 42 جيجا طن في عام 2030.
كما أكد التقرير أن الالتزامات التي قطعتها البلدان الأطراف في اتفاقية باريس الـ 195 في عام 2015، منها 169 دولة صدقت حتى الآن، لن تسمح إلا بتحقيق "ثلث" الطريق تقريباً. ليس هذا وحسب، فقد افترض التقرير، في حال التزمت جميع الدول بوعودها، بشرط الحصول على تمويل دولي وغير ملزم، فإن درجات حرارة الأرض تتحرك الآن نحو ارتفاع 3 إلى 3.2 درجة مئوية في نهاية القرن!

توقعات الأرصاد

من جهة أخرى، رجح التقرير الذي نشرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قبيل انعقاد المؤتمر في بون أن يكون عام 2017 من بين أحر ثلاثة أعوام مسجلة، إلى جانب أنه قد شهد عدداً كبيراً من الأعاصير والفيضانات الكارثية، وموجات حرارة مؤلمة، وحالات جفاف. ويتواصل ارتفاع المؤشرات طويلة الأجل الخاصة بتغير المناخ، مثل تزايد تركيزات ثاني أكسيد الكربون، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتحمض المحيطات. ويظل الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الشمالية دون المتوسط، ويظل نطاق الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الجنوبية، الذي كان مستقراً فيما سبق، عند أدنى مستوى له أو قريباً منه. كما أشار التقرير إلى أن المتوسط العالمي لدرجات الحرارة من كانون الثاني إلى أيلول 2017 قد تجاوز بمقدار 1.1 درجة سلسيوس تقريباً مستواه في ما قبل العصر الصناعي. ونتيجة لظاهرة النينيو القوية، يُرجح أن يظل عام 2016 أحر عام مسجل، ويأتي عام 2017 وعام 2015 في المرتبة الثانية و/ أو الثالثة. ويُتوقع أن تكون الفترة 2017-2013 أحر فترة خمس سنوات مسجلة.


وقد صدر بيان المنظمة (WMO)، الذي يغطي الفترة من كانون الثاني/ يناير – أيلول/ سبتمبر، في يوم افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في بون. ويتضمن التقرير معلومات قدمها عدد كبير من وكالات الأمم المتحدة المعنية بالآثار البشرية والاجتماعية الاقتصادية والبيئية، كدافع لتزويد متخذي القرار بموجز عن السياسات أشمل وعلى نطاق منظومة الأمم المتحدة عن التفاعل بين الطقس والمناخ والماء والأهداف العالمية للأمم المتحدة.

النزوح مناخي

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن الآثار الصحية لموجات الحرارة على مستوى العالم لا تتوقف على الاتجاه الاحتراري العام فحسب، ولكن أيضاً على كيفية توزيع موجات الحرارة في المناطق المأهولة بالناس. والأبحاث المؤخرة تبين أن المخاطر الإجمالية للإصابة بالأمراض المرتبطة بالحرارة، أو للوفاة، تزداد باطراد منذ عام 1980، وأن زهاء 30 % من سكان العالم يعيشون الآن في أوضاع مناخية تسفر عن موجات حرارة متطرفة. فبين عامي 2000 و2016، زاد عدد السكان المعرضين لموجات الحرارة بمقدار 125 مليوناً تقريباً.
وفي 2016، نزح 23.5 مليون شخص خلال حالات كوارث متصلة بالطقس. وعلى غرار السنوات السابقة، فإن أغلبية هذا النزوح الداخلي يحدث في منطقة آسيا - المحيط الهادئ ويرتبط بالفيضانات أو العواصف. وفي الصومال، أُبلغ عن ما يربو على 760000 حالة نزوح داخلي، وفقاً لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين.
ويشير العدد الأخير من نشرة آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن الآثار السلبية المترتبة على ذلك تتركز في البلدان الحارة المناخ نسبياً، والتي تأوي ما يقرب من 60 في المئة من سكان العالم.
كانت رقعة الجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية دون المتوسط طوال 2017، وبلغت أدنى مستويات مسجلة لها في الأشهر الأربعة الأولى من العام، وفقاً للمركز الوطني لبيانات الثلج والجليد ولمبادرة كوبرنيكوس للخدمات المتعلقة بتغير المناخ. وكانت الرقعة السنوية القصوى للجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية من بين أقل خمس رقع في السجلات الساتلية للفترة 2017-1979، وفقاً لبيانات المركز الوطني لبيانات الثلج والجليد (NSIDC). وقد شوهدت جميع المستويات الخمسة الدنيا لرقعة الجليد البحري بدءاً من 2006.

الأعاصير المدارية

شهد المحيط الأطلسي الشمالي موسماً نشطاً جداً، فسجل مؤشر طاقة الأعاصير المتراكمة (ACE)، وهو مقياس لإجمالي شدة الأعاصير ومدتها، أعلى قيمة شهرية له في أيلول الماضي. وحدثت ثلاثة أعاصير كبرى وشديدة التأثير في المحيط الأطلسي الشمالي بوتيرة سريعة، فجاء الإعصار هارفي في آب وأعقبه الإعصار إيرما، فالإعصار ماريا في أيلول. وبلغ الإعصار هارفي البر في تكساس وكان من الفئة 4، وظل بالقرب من الساحل لعدة أيام وتسبب في سيول وفيضانات. وبلغت المجاميع المؤقتة للأمطار المتساقطة ما يصل إلى 1539 مم عند محطة قياس بالقرب من ندرلاند بتكساس، وهي أعلى قيمة مسجلة على الإطلاق لظاهرة واحدة داخل أراضي الولايات المتحدة.


وقد بلغت شدّة الإعصارين إيرما وماريا كليهما الفئة 5، وتسببا في دمار كبير في عدد من جزر بحر الكاريبي، وفي ولاية فلوريدا – بالنسبة لإيرما. وفي منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، بلغ إعصار أوفيليا حالة إعصار هاريكين كبير (الفئة 3) على بعد 1000 كيلومتر في اتجاه الشمال الشرق، وكان أسوأ من أي إعصار سابق في شمال الأطلسي، وسبب أضراراً كبيرة في آيرلندا، بينما أدت الرياح التي صاحبت دورانه إلى نشوب حرائق براري شديدة في البرتغال وشمال غرب إسبانيا.
ولاحظ فريق الخبراء التابع للمنظمة (WMO) والمعني بالآثار المناخية على الأعاصير المدارية أنه في حين لا يوجد دليل واضح على أن تغير المناخ هو الذي يزيد أو يقلل من وتيرة الأعاصير البطيئة الحركة والتي تصل إلى البر، من قبيل إعصار هارفي، فإنه من المرجح أن يكون تغير المناخ البشري المنشأ سبباً في أن تكون معدلات هطول الأمطار أكثر شدة، وأن يؤدي الارتفاع المستمر في مستوى سطح البحر إلى تفاقم آثار العواصف العاتية.

«الشعوب الأصلية»

يشارك ممثلو الشعوب الأصلية في المؤتمر وهم من بين الأكثر تضرراً نتيجة التغيرات المناخية، وكانوا قد طالبوا بذكر حقوق شعوبهم في اتفاق باريس للمناخ بشكل واضح. مع العلم أن مصطلح "الشعوب الأصلية" يشير إلى تلك الفئات التي تمتلك المعارف التقليدية للتكيف مع التغيرات المناخية، والتي يقدر عددها، بحسب الأمم المتحدة بحوالى خمسمئة مليون من السكان الأصليين الذين يوجدون في ستين بالمئة من المناطق والغابات التي تخفض من درجات الحرارة. وتعتبر "المعارف التقليدية" لهذه الشعوب في كيفية التعامل مع الغابات، مهمة جداً وذات فائدة من أجل التكيف مع التغيرات المناخية. كما تساهم هذه المعارف في كيفية التعامل مع المناطق الصحراوية أيضاً. فالسكان الأصليون في الصحراء الكبرى وفي المناطق الآسيوية وغيرها، لديهم أيضاً معارف مهمة في كيفية التكيف مع التغيرات المناخية… ما يجعلهم أكثر خبرة من الخبراء الدوليين الذين يروجون لاستبدال تقنية مدمرة بتقنية أخرى سرعان ما ستصبح مدمرة بعد حين.


تاريخية القضية

لم تبدأ قضية تغير المناخ مع اتفاقية باريس السطحية التي أبرمت عام 2015 ولا مع بروتوكول كيوتو الفاشل عام 1997. فقد عقد أول مؤتمر عالمي بشأن المناخ عام 1979، وفي عام 1992، انضمت البلدان إلى معاهدة دولية، هي "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ"، للنظر في ما يمكن القيام به للحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية وما ينجم عن ذلك من تغير في المناخ والتصدي لآثاره. وبحلول عام 1995، أدركت الدول أن الأحكام المتعلقة بخفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري في الاتفاقية ليست كافية. ونتيجة لذلك، بدأت المفاوضات لتعزيز التصدي العالمي لتغير المناخ، وفي عام 1997، اعتمد بروتوكول كيوتو، وبدأت فترة الالتزام الأولى للبروتوكول في عام 2008 وانتهت في عام 2012. وبدأت فترة الالتزام الثانية في عام 2013 وستنتهي في عام 2020. ولأن أحداً لم يلتزم بهذا البروتوكول، لاسيما البلدان الأغنى والأكثر تقدماً كما تم الاتفاق، تم التوصل الى اتفاق جديد للمناخ في باريس ليشمل العالم أجمع إنما من دون أن يكون ملزماً لأحد.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]