الشركات الصغيرة والمتوسطة: دعم تقابله تحديات كثيرة



لم يُحقّق لبنان أي إصلاح لتحسين بيئة الأعمال

يكثر الحديث منذ سنوات عن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم (SME) وبرامج دعمها وأهميتها... إلّا أن لبنان يفتقر إلى إحصاءات دقيقة حول عددها لتبيان مدى انعكاسها على الاقتصاد، لكون بعضها غير مسجّل رسمياً، وتدخل في إطار الاقتصاد الموازي. لكن الأكيد أنها تلعب دوراً حيوياً في تنمية الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل في مختلف القطاعات

يتشكّل الإقتصاد في لبنان، برأي الخبير الاستراتيجي في أسواق البورصة العالمية جهاد الحكيّم، من الشركات الصغيرة والمتوسطة بنحو أساسي، والتي تؤمن معظم الوظائف في سوق العمل. لذا تحاول المصارف تشجيعها لدعم الاقتصاد، مشدداً على ضرورة توافر رؤية اقتصادية كاملة لها، لا مجرد دعمها. ويتفاءل الحكيّم بمستقبل الـSME «في حال ترشيد الإنفاق والحدّ من الهدر بالتزامن مع إصلاحات إدارية، تحسين الخدمات العامة وإنجاز الحكومة الإلكترونية».

بدوره، يرى نسيب غبريل، كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، أنّ مجمل الشركات في لبنان صغيرة ومتوسطة حسب تعريفها، لكونها تتألف من 500 موظف أو أقلّ، مشدداً على أنّ الشركات الموجودة في الاقتصاد الرسميّ (أكانت كبيرة، متوسطة أم صغيرة) تعاني المشاكل والتحديات نفسها، خصوصاً في ما يتعلّق بالأعباء التشغيلية المرتفعة التي تعوق استثماراتها وتوظيفاتها وبالتالي توسّعها.
ويؤكّد قيام المصارف «بتمويل الشركات على الرغم من كلّ النظريات التي تقول العكس. إذ إنّ تسليفات القطاع المصرفيّ للقطاع الخاصّ بلغت 58 مليار دولار في نهاية حزيران، 52 ملياراً منها للقطاع المقيم الذي يتضمّن كافة القطاعات في لبنان، بالإضافة إلى الشركات المُسجلة كأفراد».
ويضيف أنّ «الولوج إلى التمويل ليس العائق اليوم، فالمصارف مستمرّة بدعم الشركات من كلّ الأحجام وتسليفها. لكنّ العائق أمام توسّعها واستقرارها هو الأعباء التشغيلية وترهّل البنى التحتية، المعاملات الإدارية، سوء الخدمات العامّة، أعباء القطاع العامّ على القطاع الخاصّ، وغياب رؤية طويلة الأمد واستراتيجية عملية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من مغتربين لبنانيين أولاً». ويذكّر غبريل بأنّه منذ الانفراج السياسيّ، «لم يتغيّر الوضع الاقتصاديّ. فالأعباء التشغيلية لا تزال نفسها من كهرباء إلى طرقات إلى اتصالات إلى أعباء القطاع العامّ، إلى سوء الخدمات العامة، إلى كلفة المعاملات، إلى بيئة الأعمال غير المواتية. ولم يُحقّق لبنان أي إصلاح لتحسين بيئة الأعمال حسب تقرير صادر عن البنك الدولي».
من هنا ضرورة «توافر إرادة لخفض هذه الأعباء عن كاهل الشركات الموجودة وتسهيل معاملات إنشاء شركات جديدة والمعاملات التشغيلية». إذ لا تحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى مؤتمرات أو تقارير داعمة، بل إلى «تأمين بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار الملائمين وإعادة تأهيل البنى التحتية».
وعن إيجابيات دعمها وفق هذه الآلية، يُعدّد «تحسّن المناخ الاستثماريّ، تطوّر بيئة الأعمال وارتفاع مستوى تنافسية الاقتصاد اللبنانيّ، فيتشجّع المستثمرون والأفراد على توسيع الشركات الموجودة أو خلق شركات جديدة، وهو ما يؤدي إلى رفع مستويات النموّ ويخلق تالياً فرص عمل».
وعن دعم المصارف للشركات الناشئة، يستشهد بمثل صارخ هو تمويلها لقطاع اقتصاد المعرفة الواعد «وفق آلية استثمار في رؤوس أموال هذه الشركات بطريقة غير مباشرة لدعمها، وهو ما أدى إلى نشوء نحو 800 شركة في هذا القطاع». ويحتاج هذا الأخير بدوره إلى «مناخ استثماريّ مواتٍ، إلى حماية الملكية الفكرية، وإلى تأمين كلفة ونوعية جيدة للاتصالات، خصوصاً بالنسبة إلى سرعة الإنترنت». ورداً على تساؤل عن القطاعات التي لم تأخذ حقّها من التمويل كالزراعة، يلفت إلى أنّ المصارف لا تُسلّف الشركات الخارجة عن القطاع الرسميّ، بل فقط تلك المُسجّلة قانونياً.

برامج مشجعة

ليس جديداً على بنك عوده خدمة كافّة أنواع الشركات، ومن ضمنها الصغيرة والمتوسّطة الحجم، لكن الجديد قيامه بدراسة معمّقة للسوق اللبنانية، وبصورة خاصّة لهذه الشريحة من الأعمال ليتفهّم حاجاتها والتحدّيات التي تواجهها. واستنتج «أنّ المنتجات التقليديّة لم تعد تلبّي احتياجات هذه الفئة، بل أصبحت تشكّل عبئاً على نموّها». لذا، طوّر خطّة عمل جديدة وحلولاً مصرفيّة مبتكرة لخدمتها وفق حسن صبّاح، مدير العمليّات المصرفيّة للشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم في بنك عوده، الذي أوضح أنّ هذه الأعمال «تساهم في نحو 82% من الوظائف وفرص العمل في لبنان»، ومن هنا أهمية دعمها لتطويرها وضمان استمراريّتها.


وأضاف: «إنّ عدد الشركات التي استفادت من برامجنا التمويليّة منذ أطلقنا خطّ العمل الجديد SME Banking في آب من العام الماضي يقارب 5000 شركة من فئة الأعمال الصغيرة والمتوسّطة الحجم ومن مختلف القطاعات». والهدف من إطلاقه أن «ينعكس بمنتجاته المتنوّعة والمرنة بصورة إيجابيّة وفعّالة على الاقتصاد الوطني، من خلال دعم نموّ الشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم، وخلق فرص عمل جديدة. لهذا السبب، خصّص بنك عوده 1000 مليار ليرة لبنانيّة نهاية العام الماضي لتمويل دعم هذه الفئة من الشركات بفائدة 7%، وهي فائدة مخفّضة، للسنة الأولى، ما ساهم في تزايد إقبال المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة الحجم على هذه البرامج التمويليّة لتنمية أعمالها».
وتجدر الإشارة إلى أنّ برامج بنك عوده التسليفيّة مختلفة، منها على المدى القصير تصل مدّة إعادة تسديدها إلى 9 أشهر، مخصّصة لتمويل مصاريف الأعمال اليوميّة كشراء المواد الأوّليّة أو تسديد الإيجارات... أمّا برامج التمويل على المدى الطويل، فتراوح مدّة إعادة تسديدها بين سنة و5 سنوات، مخصّصة لتمويل الاستثمارات ونمو الأعمال مثل شراء الآلات الجديدة، أو شراء حقوق الامتياز أو العلامات التجاريّة... وبالنسبة إلى العقارات الخاصّة بالأعمال، هناك القرض العقاري للأعمال لشراء أو توسيع أو إنشاء مكان العمل، وتصل مدّة إعادة تسديده إلى 10 سنوات. وقام عوده بتسهيل الشروط المطلوبة للاستفادة من البرامج التمويليّة، فلا حاجة مثلاً لتقديم ضمانة لمبالغ القروض التي لا تتجاوز 150 مليون ليرة لبنانيّة...
أما فرنسبنك، فإنّ «اهتمامه بهذا القطاع ليس بالأمر الجديد، إذ كان المصرف ولا يزال ناشطاً ورائداً في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة» حسب أنطوان ظريفة، مدير التسليفات للشركات الصغيرة والمتوسطة في المصرف. ولفت إلى أن هذه الشركات تشكل عصب الاقتصاد وتتميز بقدرتها العالية على مكافحة البطالة وتحفيز النمو من خلال رفع القدرات والمهارات وتثبيت المواطنين في مدنهم وقراهم، موضحاً «أنّ التمويل يغطي كافة القطاعات، الصناعية منها والسياحية والزراعية. لهذا، لدينا مجموعة واسعة من المنتجات لتلبية جميع احتياجات العملاء والقطاعات على حد سواء». وأضاف: «لدى فرنسبنك سلة شاملة من التسهيلات المصرفية تقترن بحاجة المقترض العملية، إن كان لناحية رأس المال التشغيلي أو للاستثمار في أصول ثابتة يستفيد منها العميل أو المقترض، وذلك بحسب حاجته وطريقة عمله».
ومن بين هذه التسهيلات «كفالات»، القروض المدعومة، قروض الحوافز، القروض الصديقة للبيئة، قروض الطاقة البديلة، الحسابات الجارية المدينة، القروض المصرفية لأجل، الاعتمادات المستندية، كفالات/كتب الضمان، حسم سندات، وغيرها.
ويلفت ظريفة إلى أنه ما «يساعد في تحفيز أعمالنا في هذا القطاع، توالي مبادرات البنك المركزي في طرح رزمات تمويل مدعومة، مع اهتمام صريح بدعم الشركات الناشئة، خصوصاً في مجالات المعرفة والتقنيات، إضافة إلى توافر خطوط ائتمان ذات كلفة متدنية وتشجيعية لدى مؤسسات دولية مرموقة كمؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي للاستثمار وعدد من كبرى وكالات التنمية وصناديق التمويل الإقليمية والدولية. ولا شك في أن تسهيلات كهذه تلبي حاجة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم مع الانسياب النقدي المتوافر لديها، فتسد الفجوة وتسمح لها بالتوسع في أعمالها وتحسين أدائها وزيادة مستوى أرباحها. أضف إلى ذلك، الدور الذي تلعبه شركة فرنسَبنك التابعة للتمويل الإيجاري التي تقدم دائماً حلولاً مالية مختلفة، لتلبي حاجات المقترضين وأصحاب هذه الفئة من المشاريع». وقد أولى فرنسبنك أخيراً اهتماماً خاصاً بمجال الطاقة عموماً والطاقة البديلة على وجه التحديد، مواصلاً تسليفاته لقطاع الصناعات الخضراء.
من جهته، يشدّد كريم حبيب، مدير الفروع والرقابة المالية في IBL على أنّ «اهتمام المصارف بالشركات الصغيرة والمتوسطة ليس جديداً. وما نراه اليوم يدخل في إطار التسويق لكسب عملاء جدد، إذ شكّل هذا القطاع دائماً صلب اهتمام المصارف كطريقة لزيادة عدد الزبائن، عدا عن كون التعاميم التي تقدّم تحفيزات، ككفالات مثلاً، قديمة جداً».
عن القروض المخصصة لها، يقول: «نملك حلولاً كثيرة للقطاع التجاري في الـSME لتمويل وارداته بفوائد متدنية. نقدم خدمات سريعة، ومن صلب اهتمامنا التعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وجوابنا لها أسرع من الشركات الكبيرة لكونها معروفة من قبلنا وميزانياتها أوضح. عددياً، 90% من القروض مخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة. أما بالنسبة إلى الحجم، فيمكن الحديث عن استفادة 50% للمتوسطة و50% للكبيرة لكون هذه الأخيرة تملك قدرة أكبر على التسديد وتكون قيمة قرضها أكبر». وعن الشركات الناشئة تحديداً، ذكّر بتعميم مصرف لبنان رقم 331 الذي سمح للمصارف بمساعدة الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا عبر وضع أموال في الاستثمار، فيصبح المصرف شريكاً للشركة، وهو ما ساعد على حماية المصارف وخلق فرص عمل للشباب.

تجارب الشركات

عن تجارب الشركات المستفيدة من القروض، تقول مصمّمة المجوهرات رولا دفوني إن إنطلاقة عملها منذ عام 2009 كانت سهلة، إذ لجأت إلى قرض صغير «نظراً إلى كون التمويل ديناً وليس تشجيعاً من قبل المصارف». أرادت السفر إلى الخارج والاشتراك في معارض متخصّصة لتوسيع نطاق عملها، وهو ما يتطلّب تمويلاً كبيراً، إضافة إلى تركيزها على العمل عبر الإنترنت. هكذا، أخذت القرض لتطوير عملها في السوق اللبنانيّة ولتأسيس شركتها بغية الانطلاق منها للخارج، لكنها لم تتمكّن من فتح متجر لها نظراً إلى الكلفة الكبيرة. لم تلجأ إلى تمويل بقيمة أكبر لأنها تخوّفت من عجزها عن سداده وتوقّف عملها إلى حدّ ما حالياً مع توقّف التمويل. حاولت اللجوء إلى برامج استثمارية منذ عام 2014 مع عدّة مصارف، التي لم تُبدِ رغبة في دعمها، نظراً إلى عدم اعتيادها قطاع التصميم والموضة الجديد.
ترى دفوني أن المصارف «تقول إنها تريد الاستثمار في الطاقات الشبابية، لكن ذلك غير صحيح. فهي تركز على قطاع التكنولوجيا الذي يؤمّن مردوداً مالياً سريعاً، إضافة إلى استهدافها شركات أُسِّسَت سابقاً، تعمل منذ عدّة سنوات وتحقّق أرباحاً كبيرة. وهكذا، لم أُشكّل الفئة المستهدفة لعدّة مصارف كانت تسوّق لبرامجها المخصصة لرواد الأعمال».
في المقابل، تؤكّد ألين كماكيان، صاحبة مطاعم، أن القرض الذي حصلت عليه ساعدها على توسيع عملها. وعن الشروط المفروضة من المصرف آنذاك، ترى أنها غير تعجيزية، ولكنها غير سهلة، خصوصاً في ما يتعلق بالضمانات الواجب توافرها. فالشركة الجديدة قد لا تملك أراضي أو عقارات. وتشيد بالفائدة المقبولة، لافتة إلى «ضرورة تقديم تقرير دوري لإظهار سير الأعمال، فالمصرف يتخوّف من إفلاس الشركة، لذلك يتدخّل عندما تكون التقارير السلبية». وبالإجمال، كانت تجربتها إيجابية مع القروض، فبعد أن حصلت على الأول عام 2005، حصلت بعد عدة سنوات على قرض آخر ساعدها على فتح مطعمها الثاني.
من جهتها، تشير رنا الشميطلي، المديرة التنفيذية لشركة هندسية، إلى «أنني لم أطلب دعم المصرف، بل عرضوا عليّ المساعدة بعد أن لمسوا نجاح الشركة وربحيتها. بطبيعة الحال، لم أرفض القرض بشروطه السهلة. كنت أود القيام بفرانشيز لعملي في لبنان، بدلاً من ذلك سأستفيد من القرض فور الحصول عليه لتوسيع العمل محلياً على حسابي الخاص».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]