التشابك الكمومي ينقل حالة الجزيء إلى الفضاء: هل كان أينشتاين على خطأ؟



ذهب ألبرت أينشتاين إلى القبر ولم يقتنع بصدقية الفيزياء الكمومية، ولكن هل نستطيع لومه؟ كلا، إذ أن غرابة حالة المادة في عالم الكوانتم لم تترك للخيال شيئاً ليضيفه، ولو كان ألبرت حياً اليوم وشاهد تجربة التشابك الكمومي لأعاد التفكير في كلّ شيء

علي عواد

أيلول الفائت لم يكن عادياً، على الأقل في الصين، إذ نجح فريق من الباحثين الصينيين بنقل حالة الفوتون وهو جزيء يتكون منه نور الشمس من مختبر كمومي في الفضاء إلى مختبري أبحاث يقعان في الأراضي الصينية على بعد 1200 كم بينهما، وبشكل أسرع من الضوء لدرجة وصفها بالتزامن.

حسناً، ولكن ما هو التشابك الكمومي؟
بداية ولنصل الى التشابك الكمومي علينا أن نعرف ما هي الفيزياء الكمومية، في عالم الكونتوم تختلف قوانين الفيزياء عن التي تعلمناها في المدارس والجامعات، وهي تعنى بالدراسة وعلى أساس نظري لطبيعة وحالة المادة والطاقة في المستوى ما دون الذري، تسمى بالفيزياء الكمومية وأحيانا ميكانيكاً الكم.
كل شيء في هذا الكون يتكون من ذرات وداخل تلك الذرات، وبحسب نظرية الأوتار ونظرية الأوتار الفائقة، يوجد جزيء أصغر من الذرة اسمه كوارك، هو أيضاً يقبع بداخله أصغر شكل للمادة والطاقة يسمى وتر (راجع موضوع نظرية الأوتار http://www.al-akhbar.com/node/278835). الأمر الغريب في عالم الكوانتم، والذي ما زال يحير العلماء الى يومنا هذا، هو كيف لجزيء مثل البروتون أو الفوتون أن يتواجد في مكانين معاً في نفس الوقت!
تجارب كثيرة تكررت في محاولة لفهم ما يحصل وأكثرها شهرة هي عندما يطلق بروتون واحد من جهاز أمامه حائط بثقبين ليمر البروتون من أحدهما ويرتطم بحائط اخر لتحديد الاتجاه، كل شيء يبدو طبيعياً حتى الآن ولكن ما أن يترك العلماء هذا الاختبار ليعمل لوحده من دون مراقبته يخرج البروتون من الثقبين! أي بروتون واحد خرج من آلة الدفع وقبل مروره بالجدار الأول أصبح يتواجد في مكانين بنفس الوقت وخرج من ثقبي الجدار ليرتطم على الجدار الأخير على شكل موجة، وما أن يعود العلماء ليراقبوا العملية يخرج البروتون من ثقب واحد ويرتطم بالجدار على شكل جزيء وليس موجة، أجل هذه حقيقة رغم الغرابة الشديدة الى حد التشكيك في صدقيتها، فهل يعقل أن البروتون قرر عدم الارتطام بالجدار على شكل موجة عندما شعر أنه مراقب؟ هذا الاختبار أعيدت تجربته مئات المرات حول العالم والنتيجة هي نفسها غرابة في غرابة.


بالعودة الى التشابك الكمومي والمسمى Quantum Entanglement والذي كان ألبرت أينشتاين رافضاً لفكرة نجاحه، الاختبار حصل كالآتي، قام العلماء الصينيون بفصل فوتون الى فوتونين متشابكين عبر شعاع ليزري، ومن هنا تبدأ الحكاية، إذ أن الفوتونين الجديدين متشابكان ويتأثران ببعضهما البعض، فإذا ما جيء بالجزيئين وتم التلاعب بحالة الأول فلنقل إنه كان يدور الى الأعلى وتم تحويل دورانه الى الأسفل، في نفس اللحظة يغير الجزيء الثاني دورانه في عكس الأول والعكس صحيح، وهذا الاختبار أيضاً تم تكراره داخل العديد من المختبرات حول العالم، وكانت النتيجة هي ذاتها، ولكن القصة لم تنته هنا، إذ اعتبر العلماء أن قرب الجزيئات من بعضها هو ما ولد (ربما) هذا التزامن في حالة الدوران، و(ربما) استطاعت الجزيئات أن تبعث بمعلومات لبعضها البعض، فقاموا بإبعادها عن بعض ومن ثم أعيد الاختبار ليتفاجأوا بنفس النتيجة!
وصل الأمر بالعلماء الصينيين إلى أن يضعوا فوتون داخل قمر اصطناعي للأبحاث الكمومية ومن ثم فصل الفوتون إلى جزئين ثم تم إرسالهما الى مختبرين على الأرض وتفصل بينهما مسافة 1200 كم، بدأ الاختبار بتغيير اتجاه دوران الجزيء الأول، وإذ بالثاني يغير اتجاه دورانه في نفس اللحظة، نتحدث هنا عن سرعة في التواصل أو التزامن بين الجزيئات بشكل أسرع من الضوء، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أينشتاين وقتها، إذ أن نظرية النسبية العامة في جوهرها تعتمد على ثبات أن الضوء هو الأسرع في الكون، وهو يتنقل بسرعة 300 ألف كم في الثانية الواحدة. رغم ضخامة هذا الاكتشاف والأبواب الجديدة التي ستفتح من خلاله في كل القطاعات وتحديداً شبكات الإنترنت والاتصالات، إلا أن فهم طريقة عمل هذه الفوتونات ما يزال بعيداً عن قدرتنا على الاستيعاب.

المجالات التي ستستخدم بها تكنولوجيا التشابك الكمومي حالياً

يمكن استخدام هذه التكنولوجيا لصنع ساعة دقيقة جداً، لا نتكلم عن تلك التي يوقظك صوت المنبه داخلها في الصباح بل عن ساعة كمومية فائقة الدقة لتساعد العلماء على قياس تردد الإشعاعات الذي يحتاجه الإلكترون للقيام بقفزات بين مستويات الطاقة. أدق ساعة توجد حالياً في العالم هي الساعة الذرية والموجودة في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في ولاية كولورادو في الولايات المتحدة الأميركية. هذه الساعة تفقد ثانية واحدة كل 3.7 مليار سنة. كما أن وجود ساعة كمومية فائقة الدقة سيساعد تكنولوجيا تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية على تحديد مواقعنا بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك ستساعد تكنولوجيا التشابك الكمومي بخلق برمجيات مشفرة لا يمكن فكها ويمكن تطبيقها في قطاع الاتصالات والبرمجة، حيث سيصبح بإمكان الشخصيات مثل الأمنيين والرؤساء القيام باتصالات لا يمكن التنصت عليها من أي جهة ثالثة ووضع تشفير على الاتصالات العسكرية بين منظومة القيادة والعمليات على الأرض تمنع كشف العمليات أو الخطط.
* رابط تجربة التشابك الكمومي https://www.youtube.com/watch?v=4QlcKuxDGrs

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]