عندما يغافل القلب الرياضيين


راجانا حمية

د. حسين اسماعيل *
د. منى عثمان * *
12 شاباً يسوقهم الموت أسبوعياً في بريطانيا، وشاب كل 3 أيامٍ في الولايات المتحدة الأميركية. يذهب هؤلاء ضحيّة موتٍ مفاجئ يضرب القلب، بلا سابق إنذار. في العالم العربي، وفي لبنان تحديداً، لا إحصاءات دقيقة عن ذلك الموت، باستثناء توثيق «عادي» لبعض الحالات التي بقيت محدّدة.

وغالباً، ما يأتي هذا الموت بعد ممارسة التمارين الرياضية، وقد أثبتت الدراسات أن توقّف القلب الفجائي هو المسبّب الأول للوفيات لدى الرياضيين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و35 عاماً، فهو ـ بحسب الدراسات ـ يصيب، عالمياً، رياضياً واحداً من كل 50 ألفاً.
في كل يومٍ، ثمة موت على هذه الشاكلة، وإن بقي دون توثيق في غالب الأحيان. ولكن، يفيد التذكير هنا بعمرو سمير، الشاب المصري، ابن الـ33 عاماً، الذي غافله قلبه بعد ممارسة رياضة رفع الأثقال، حيث أشار تقرير الطبيب الشرعي إلى تعرض الشاب لهبوط حاد في الدورة الدموية بسبب هذا الأمر.
يدعو هذا الموت، المبكر في مجيئه، إلى طرح جملة من التساؤلات، لعلّ أهمها تلك المتعلّقة بصحّة قلب الفئة العمرية الصغيرة، بعد ممارسة التمارين الرياضية. فهل يجب أن يقلق الأهل من توقف القلب المفاجئ لدى أطفالهم أثناء ممارستهم للرياضة، في المدرسة تحديداً؟
تعدّ الرياضة من أساسيات الحياة الصحية عند الصغار والكبار على حدّ سواء، فهي تساعد على الوقاية من الأمراض المزمنة، وخصوصاً أمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري، إضافة إلى آثارها الإيجابية في الوقاية من بعض الأمراض السرطانية وتقوية العظام والمحافظة على وزن صحي وتخفيف الضغط النفسي. لهذه الأسباب مجتمعة، توصي الجمعيات العلمية العالمية بوجوب ممارسة الرياضة لمدة 60 دقيقة على الأقل في اليوم لدى الأولاد في سن الدراسة و30 دقيقة في اليوم من الرياضة المعتدلة لدى الراشدين.

مع هذه التوصيات، هل يمكن أن تكون الرياضة مصدر قلق للأهل في ما يخصّ صحة أبنائهم؟
قد يكون الجواب الأساس على ذلك السؤال المؤرق لكثيرين هو بحث الأهل للتأكّد دائماً من صحة قلب أطفالهم الذين يبلغون 12 عاماً وما فوق، خصوصاً الذين يمارسون الرياضات التنافسية التي تتطلب تدريباً مكثفاً ودورياً. فهؤلاء يمكن أن يكونوا عرضة لتوقف القلب الفجائي. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن هذا الموت قد لا يحدث بسبب التأثير المباشر للرياضة، وإنما لإمكانية وجود أمراض في القلب غير مشخّصة. وهذه نقطة أساس. ولئن كانت الرياضة لا تعدّ سبباً مباشراً بحدّ ذاته لتوقف القلب، إلا أنها أحد الأسباب الرئيسية، إذ أنّ الشباب الرياضيين هم أكثر عرضة لتوقف القلب مقارنةً بغير الرياضيين، بنسبة قد تصل إلى ثلاثة أضعاف، على أن نسبة الخطورة تزيد لدى لاعبي كرة القدم وكرة السلة وغيرها من الألعاب الرياضية التنافسية. ويحدث توقف القلب في أكثر الأحيان خلال ممارسة الرياضة، ولكن قد يحدث كذلك بعد الرياضة وأحياناً خلال النوم، وغالباً ما يكون الذكور أكثر عرضة من الإناث للإصابة بهذا الأمر. الرياضة وحدها ليست سبباً. هذا ما تقوله الدراسات. ثمة أمور أساسية هنا تجعل من الرياضة عاملاً مؤثراً في الموت، منها وجود مشاكل صحية في الأصل، منها الشوائب في تكوين القلب (العضلة، الصمام أو مشكلة خلقية في شرايين القلب). كما أن من أكثر هذه الأمراض شيوعاً مرض اعتلال عضلة القلب الضخامي (Hypertrophic Cardiomyopathy)، والتي تعدّ المسبب الأول للوفيات لدى الرياضيين الشباب، أو مشاكل في كهرباء القلب مثل مرض خلل التنسج البطيني الأيمن (Arrythmogenic Right Ventricular Dysplasia) ومتلازمة كيو تي الطويلة (Long QT Syndrome) ومتلازمة ولف باركينسون هوايت (Wollf Parkinson White)، وهي قائمة من الأمراض الوراثية في أغلبها. وقد يحصل توقف القلب الفجائي كذلك نتيجة التهاب في عضلة القلب (myocarditis)، أو عقب تلقي ضربة قوية على الصدر أو ما يعرف طبياً بـCommotio Cordis.


وبرغم من عدم توفر إحصاءات في لبنان عن نسبة حصول أمراض القلب هذه لدى اللبنانيين، يوجد مؤشرات قد تدل على مدى حجمها. أولاً، تصل نسبة زواج القربى في لبنان إلى حدود 30% في بعض المناطق، ويعتبر زواج القربى من الأسباب الأساسية للأمراض الوراثية. أما ثانياً، فإن بعض هذه الأمراض منتشرة بكثرة في بلدان منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط مثل إيطاليا واليونان، مما قد يكون حقيقةً كذلك في لبنان، أحد بلدان هذه المنطقة.
من ناحية أخرى، تظهر الدراسات الحديثة أن ممارسة الرياضة بشكل مكثف مترابط مع بعض التغيرات في بنية وتخطيط القلب. ولئن كانت معظم هذه التغيرات تعدّ طبيعية، إلا أن البعض منها قد يشكل خطراً كبيراً، كحدوث تغيرات في البطين الأيمن. وعندها، ينصح أطباء القلب الأشخاص المعرّضين لإجراء فحوصات إضافية، بما فيها الرنين المغناطيسي للقلب.
أما بالنسبة إلى البطين الأيسر، ولئن كان من المعروف أن سماكة عضلة القلب تزداد فيه نتيجة الرياضة المكثفة، وهي حالة طبيعية في معظم الأحيان، لكنها قد تستحيل خطراً، عندما تصبح دلالة على وجود اعتلال عضلة القلب الضخامي. مع ذلك من المهم الإشارة إلى أن التغيرات في تخطيط القلب لدى الرياضيين الشباب تعتبر طبيعية في أكثر الأحيان، ومن المهم أن يكون الأطباء ملمين بهذا الأمر للتخفيف من طلب فحوصات لا ضرورة لها أو إحداث إرباك وتوتر لدى الأهل.

العوارض "النائمة"

لا يوجد عوارض في معظم الأحيان لتوقف القلب الفجائي. من هنا، تكمن أهمية إجراء الكشف المبكر للقلب لدى الرياضيين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و35 سنة. وقد نجحت تجربة الكشف المبكر الإلزامي لأمراض القلب في إيطاليا في تخفيض نسبة موت القلب الفجائي لدى الرياضيين الشباب إلى حدود 89%. وبناء على هذه التجربة، أوصت الجمعية الأوروبية لاختصاص القلب بإجراء هذا الكشف المبكر للرياضيين الشباب، وهو الذي أصبح إلزامياً من قبل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية وغيرها من الجمعيات والمؤسسات الرياضية. يتضمن الكشف المبكر للقلب جمع معلومات عن التاريخ المرضي والعائلي للشباب وفحصاً سريرياً يشمل قياس ضغط الدم وفحص سريري دقيق للقلب والشرايين وإجراء تخطيط للقلب.
برغم أن توقف القلب الفجائي قد يكون العارض الأول لوجود مرض في القلب لدى الرياضيين الشباب، توجد بعض العوارض التي قد تشير إلى احتمال الإصابة بأمراض القلب. وتشمل هذه العوارض ألماً أو ضيقاً في الصدر وإعياء شديداً من الصعب تفسيره خلال ممارسة الرياضة وفقدان الوعي أو الإحساس بالإغماء خلال أو بعد ممارسة الرياضة، إضافة إلى حدوث دقات قلب سريعة أو غير منتظمة. من المهم عدم التقليل من أهمية هذه العوارض، وبالتالي مراجعة الطبيب في حال وجودها. كذلك يجب إجراء الكشف المبكر للقلب عند أي شاب يعاني من ارتفاع في ضغط الدم أو وجود صفرة في القلب، أو لديه حالات وفاة قلبية فجائية لدى أحد أفراد العائلة قبل عمر الخمسين أو أمراض في القلب لدى أحد أفراد العائلة قبل عمر الخمسين سنة.
من ناحية أخرى، قد يكون من الضروري على الأهل التأكد من وجود آلة إزالة رجفان القلب (Automated External Defibrillator-AED) في المدارس والأندية الرياضية حيث يمارس أولادهم الرياضة، إضافة إلى وجود أشخاص مدربين على استخدام هذه الآلة وإجراء الإنعاش القلبي الرئوي (cardiopulmonary resuscitation – CPR)، نظراً إلى أهميتها في إنقاذ حياة شخص أصيب بتوقف القلب الفجائي.
مع ذلك، لا يمكن أن تكون مسؤولية أمٍّ وأبٍ فقط، بل يجب أن تكون مسؤولية مجتمع ككل بما فيها الدولة ومسؤولي القرار والجمعيات الأهلية والأفراد عامة، للحدّ من موتٍ مجاني. فمن المهم وجود سياسة صحية تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعلّ أهمّها تحديد نسبة تفشي أمراض القلب الوراثية في لبنان، وهذه الخطوة محورية لتركيز الجهود حيث الحاجة أكبر. هذا أولاً، أما ثانياً، فثمة ضرورة لتشريع قانون لجعل الكشف المبكر لأمراض القلب إلزامي لدى الأشخاص الأكثر عرضة وتشريع قانون لإلزامية خطة الاستجابة الطارئة لتوقف القلب الفجائي، والتي تشمل الإنعاش القلبي الرئوي وإعطاء شحنات كهربائية ونقل المصابين بتوقف القلب الفجائي بطريقة فعالة وسريعة إلى المستشفيات. وهذه الأخيرة هي ضرورة وأولوية للحصول على نتائج إيجابية في ما يتعلق بالحفاظ على عمل الدماغ والأعصاب والحفاظ على الحياة في حال حدوث توقف القلب الفجائي.
* طبيب قلب في الجامعة الاميركية في بيروت
** طب عائلة في الجامعة الاميركية في بيروت

* للمشاركة في صفحة «صحة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | RHamiyeh@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]