«اختطاف» تسدل ستارها في اللاذقيّة: الأناقة سيدة الموقف


صهيب عنجريني

يكفي اختيار نصّ من نصوص الرّاحل الكبير داريو فو قواماً أساسيّاً لعرضٍ مسرحيّ يُقدّم في واحدة من دول العالم الثالث ليقطعَ صانعو العرض نصفَ الطّريق نحو النّجاح، بينما يتوقّف النصف الثاني على طريقة التعاطي مع النص وأدوات تقديمه على الخشبة.

الخشبة التي تتّسع لدى داريو فو متجاوزةً بملحميّتها مجرّد كسر الجدار الرابع، نحو عدّ المتلقّي شريكاً في «المؤامرة» بما هي عليه من لعبة مسرحيّة تنشدُ تشريح «المؤامرة الوجوديّة» التي يتعرّض لها الشارع من ثلاثيّة «المال، السلطة، الدّين»، مستنداً إلى يساريّة ثوريّة تعلن سخطها على اليسار التقليدي نفسه. لا يخرج نص الأبواق والتوت البري عن ديدن فو، لكنّه يركّز هذه المرّة على ثنائيّة السياسة والمال، ولا يرد ذكر المؤسسة الدينية إلا في خلال حوار عابر أتاح لعملية الإعداد التي خضع لها (على يد محمود الجعفوري وأيمن زيدان) حذفه من سياق العرض الذي وُسم بعنوان «اختطاف». مفارقة العرض تقوم على الخلط بين العامل (أنطونيو)، والبورجوازي (أجيللي) مالك مصانع «فيات» الشهيرة، الذي افترض النص الأصلي تعرضه لمحاولة اغتيال تطورت إلى ادعائه الاختطاف لفضح تبعية الساسة لرأس المال، فيما يؤدي التشوه الذي لحق به والخلطُ بينه وبين مُنقذه إلى اكتساء البورجوازي ملامح وجه العامل اليساري. قام الإعداد باختصار شخصيات المسرحيّة من عشرين إلى عشر فقط (الطبيب / توليب حمودة، روزا / لويس قزق، لوتشيا / نجاح مختار، أنطونيو وأجيللي / أدّاهما لجين اسماعيل، المحقق/ أنطوان شهيد، الشرطي والممرض / خوشناف ظاظا، والدمية) وإلحاق شخصية إضافيّة (ملاك الحب) لم تؤدّ حواراً لكنّها خدمت وظيفيّاً روح «الكوميديا ديلارتي» التي قام عليها العرض.
وحسناً فعل صُنّاع المسرحية عندما حوّلوا الطبيب إلى طبيبة، لأنّهم ضمنوا للمشاهد بذلك الاستمتاع بأداء لافت قدّمته توليب حمّودة مستغلّة أدوات الممثل بحرفيّة عالية. حرفيّة بدت حاضرة أيضاً في أداء لجين اسماعيل، سيّما مع تجسيده شخصيّة أجيللي (يشار إليها في النص الأصلي باسم : المزدوج). لم يكن مستغرباً أن يمنح المخرج (أيمن زيدان) لممثليه المساحة الأكبر من الفضاء المسرحي، نظراً إلى الدور المركزي الذي يضطلع به الممثل في مسرح داريو فو، وهو أمر لم يكن ليغيب عن بال زيدان. غير أنّ المثلُبة الأساسيّة التي لحقت بأداء فريق التمثيل كانت التزام الصّرامة في أداء الأدوار والتمسك بالصيغة النهائية التي وصل إليها العرض، خلافاً لما يقوم عليه مسرح داريو فو الذي يفترض استغلال الممثل كل يوم عرض لإضافة جديد على النص الأصلي. بعض ملامح هذه الصرامة، تجلّت في انهماك الممثلين بمواصلة حواراتهم حتى في خلال مقاطعة تصفيق الجمهور لهم، كما في ارتباك إحدى الممثلات لأجزاء من الثانية لدى ارتكابها خطأ في الحوار قبل أن تعود إلى السكّة المرسومة بالصرامة نفسها. أما أوضح ملامح الصرامة، فتجلّت في تجاهل أجيللي (شخصية العرض الأساسية) لتفاعل الجمهور مع جملة «أنا الدولة» حيث ردّت أصوات من الصالة «ولاك» محاكيةً جملة شهيرة درجت في الشارع السوري أخيراً. وعلى الرغم من أن العرض وصل عند هذه الجملة أقصى غايات المسرح الملحمي في جر الجمهور إلى الانخراط في اللعبة، اختار لجين إسماعيل الالتزام التام بسكّة العرض. وليس من العدل في شيء تحميل الممثلين المسؤولية عن تلك الصرامة، إذ يبدو المخرج مسؤولاً أوّل عنها، مدفوعاً ربّما بالخشية من انفلاش العرض أو سقوطه في فخ «التجاريّة». الأناقة كانت واحدة من سمات العرض الأساسيّة، ويُحسب للمخرج هنا النّأي عن أي تكلف أو فذلكة إخراجية زائدة، وهو ما أتاح الحيلولة بين الأقنعة التي وضعها الممثلون وبين تحولها إلى عنصر يقطع مع المتلقّي، سيّما أن تلك الأقنعة ليست ناشزة عن روح الكوميديا ديلارتي. دخول شاشة العرض السينمائي على الخط عبر تقديم مواكبة إخبارية لمستجدات الحدث لم يؤذ بدوره روح العرض الملحميّة، ولو أنّ الكوميديا التي حاول الإتيان بها عبر تسمية المراسلين (باستا، فوتوتشيني...) جاءت في مستوى أقل من روح كوميديا النص الأصلي القائمة على مفارقاتٍ يولع بها فو. ورغم أن بعض الآراء أخذت على العرض ذهابه نحو مباشرة في طرح المقولة الأخيرة على لسان رأس المال «أنا الدولة»، غير أنّ هذه المباشرة (لم تُقحم على النص، بل وردت في أصله) لم تبدُ فجّة، سيّما مع حرص زيدان على إبقاء إيطاليا مسرحاً للحدث، وتحاشي الانجرار وراء محاولات إسقاط حكاية العرض الأساسية على الواقع السوري، الذي يبدو شبه مطابق للواقع الذي هاجمه النص الأصلي من دون حاجة إلى إسقاط هاوٍ.
أُسدل ستار «اختطاف» بعرضين أخيرين على مسرح مديرية الثقافة في اللاذقية (6 و7 أيار) مكملة جولة قامت بها بين دمشق وحمص وطرطوس، فيما كانت مديرية المسارح والموسيقى قد أعلنت عبر صفحتها على فايسبوك عن تتويج كان مزمعاً للجولة بعرضين في حلب، قبل أن تُعلن عن إلغائهما من دون توضيح الأسباب.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | sohaibenjrainy@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com