حلب بلا «مونة جبنة»


صهيب عنجريني

كثيرة هي التغيّرات التي طاولت الخريطة التجاريّة والمهنيّة في حلب بخلال السنوات الماضية. اجترحت المدينة حلولاً كثيرةً للتعايش مع حربها، والحيلولة دون توقف العجلة الاقتصاديّة مهما كانت الصعاب. أفرز ذلك انتقال كثير من الأسواق التقليديّة، وزوال بعضها وتوزّع شاغليه على أحياء ومناطق متفرّقة.

في السنين الخوالي كان «سوق الجبنة» واحداً من أهم الأسواق، وذا تأثير لا يُستهان به في الميزان الاقتصادي. كان السوق المذكور يتمركز في حي «جب القبّة» القريب من قلعة حلب. بعدما حطّت الحرب رحالها هناك، خرج السوق تدريجاً عن الخدمة، وعاد بعض تجّاره إلى افتتاح مراكز جديدة في أحياء متفرقة في القسم الغربي من المدينة. «محل الكرمان» الشهير انتقل إلى حي الموكامبو، أمّا «محال النّجار» الشهير أيضاً فإلى حي المحافظة. معظم أصحاب المحال الأخرى انتقلوا إلى حي حلب الجديدة. كانت الألبان والأجبان تصل إلى حلب بكميات كبيرة من ريفها الشرقي. اليوم، صار معظم الوارد قادماً من منطقة جبرين فحسب، واختلفت جودة البضائع. ولن يكون مستغرباً أن يقول لك أحد الباعة لدى سؤاله عن سعر الجبن إنّ «كيلو المغشوش بـ1400 ليرة» وإذا سألت عن ماهيّة لغش يكون الرد: «هالجبنة فيها بودرة».
ما زال الجبن العالي الجودة موجوداً، لكن بكميات قليلة وأسعار مرتفعة، ويراوح سعر الكيلوغرام الواحد ما بين 2000 و3000 آلاف ليرة تبعاً لنوعه: «مشللة، مسنّرة، خضراء (يطلق الحلبيون على الجبنة البيضاء اسم جبنة خضرة كناية عن أنّها غير معالجة بأي طريقة)». وأفرز ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائيّة للسكّان زوالاً لتقليد حلبي عريق هو «مونة الجبنة». وكان الحلبيون يهتمون بصورة أساسية بتخزين الأجبان بمختلف أنواعها لأيام الشتاء، ولا تكاد تجد أسرة لا تخزّن كميات منها، وتختلف الكميات تبعاً لعدد أفراد العائلة ووضعها الاقتصادي.
على نحوٍ مماثل، اختفى «سوق الدجاج والسمك» الذي كان يتمركز في حي «الجْدَيدة» التاريخي. وكان السوق المذكور يضم أعداداً كبيرة من مذابح الفرّوج الحي، تبيعه مقطعاً ومنظّفاً. إضافة إلى محال تبيع السمك، وأخرى تبيع الضفادع، وسواها. تحول الحي إلى جبهة حقيقية خلال الحرب، وأصيب بدمار كبير نال من معظم أجزائه، ومن «ساحة الحطب» الشهيرة. اليوم، يتمركز عدد كبير من «مذابح الفروج» في حي حلب الجديدة، ومن المتوقع أن يصدر قرارٌ بنقلها إلى منطقة مركزيّة في وسط المدينة.
ورش تصليح السيارات بدورها تنقّلت كثيراً في خلال سنوات الحرب. قبلها، كانت معظم هذه الورش تتمركز في حيَّي الميدان والسليمانيّة، لكن الحيين تحوّلا إلى خطوط تماس وتفرّقت الورش. انتقل جزء إلى حيّ السبيل، بينما انتقل الجزء الأكبر إلى حيّ حلب الجديدة واسُتبدلت المحال بأكشاك. ولم تقتصر التنقلات على القطاع التجاري، بل تعدته إلى القطاع الرسمي. من بين أهم المؤسسات التي كانت تتمركز في القسم الشرقي من المدينة يبرز القصر العدلي، الذي كان يتوضع مقابل قلعة حلب. اليوم يتمركز القصر العدلي قرب دوّار قرطبة غرب حيّ جمعية الزهراء، وثمة نيات لتوسيعه وضمّ مبنى جديد إليه، رغم وجود ثغرة «أمنية» كبيرة تتمثّل في كونه مكشوفاً من جهة ضاحية الراشدين.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | sohaibenjrainy@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]