أحزابكم معكم... لِمَ الديكتاتورية؟

سيُسر العونيون، حتماً، بقراءة النص القانوني المتكامل الذي استغرق المحامي عيسى نحاس نحو ستة أشهر في تطريزه ليطلب أمس من القضاء، بالنيابة عن موكله حنا العتيق (الملقب بـ «الحنون»، القائد السابق لفرقة «الصدم» في القوات اللبنانية خلال الحرب الأهلية) حلّ جمعية حزب القوات اللبنانية، بعد تأكيد سمير جعجع، في مناسبة قضائية سابقة، أن الحزب الذي تقدم بعلم وخبر عام 2005 هو نفسه حزب عام 1991، وهو نفسه الجمعية التي أنشئت عام 1976، نظراً لمخالفتها المادة الأولى من قانون الجمعيات الذي ينص على أن «الجمعية مجموع أشخاص يهدف إلى توحيد معلوماتهم او مساعيهم لغرض لا يقصد به اقتسام الربح».

فإما يعترف جعجع أن حزبه غير تلك الجمعية ويتخلى عن كل مكتسباتها، أو يتمسك بموقفه وتحلّ الجمعية. وسيتناقل العونيون بحماسة، في الأيام المقبلة، طلب «الحنون» من القضاء سؤال جعجع تقديم النظام الأساسي والداخلي لهذه الجمعية، ومحاضر انتخاب القيادة الحزبية، وبيان مكان وتاريخ انعقاد الهيئة العامة لهذه الغاية وكيفية الدعوى إليها. وسيسأل القضاة، بناءً على قانون الجمعيات، عن الجهة الرسمية التي حضرت عمليات انتخاب رئيس الجمعية، ووقّعت على محاضر الانتخاب.
وبغضّ النظر عن أهداف «الحنون» من طلبه هذا الذي جاء رداً على منعه قضائياً من استخدام شعارات القوات التاريخية، سيسرّ كثيرون بضم خرق «الحنون» القضائي إلى خرقيه الأمني والتنظيمي، في انتظار اللحظة المناسبة لاستخدام هذه الخروق.
يُسرّ العونيون، هنا كما يُسرّ جمهور القوات اللبنانية بالأخبار عن تململ القيادات العونية من حصر النائب ميشال عون ثقته ودعمه المطلق بالوزير جبران باسيل. يهزأ جمهور القوات بنقطة ضعف الجنرال العائلية، فيما يصفق لستريدا جعجع النائبة في مجلس النواب لمجرد أنها زوجة سمير جعجع. يأخذ هذا الجمهور على العونيين عدم وجود هيكلية، ولو شكلية، تظلّل التعيينات الحزبية والنيابية والوزارية في تيارهم، فيما المقر الرئيسي لحزب القوات اللبنانية هو منزل سمير جعجع في معراب!
قبل خمسين عاماً، كانت للأحزاب المسيحية مقرات. لم يدعُ بيار الجميل الكتائبيين إلى الاجتماع في صيدليته. ورغم كل استهزائه بفكرة الحزب، حرص الرئيس كميل شمعون على الذهاب يومياً إلى مبنى حزب الوطنيين الأحرار في السوديكو. احترم هؤلاء الشكل أقله؛ أما خلفاؤهم فلا يبالون لا بالشكل ولا بالمضمون. وثمة كوارث على هذا الصعيد؛ كان بيار الجميل يسرّ بالانقسام الحزبي في المكتب السياسي حول مختلف القضايا طالما يحسم بحركة من إصبعه التصويت على ذوقه في النهاية. أما الحاليون، فحدّث دون حرج. تتألف الهيئة العامة لحزب القوات اللبنانية الذي يدعي ضمّه عشرة آلاف حزبي في المتن الشمالي وعشرة آخرين على الأقل في كسروان وربما خمسين ألفاً في الشمال، من 243 محازباً فقط. أما في التيار الوطني الحر فلا أحد في الهيئة التأسيسية (التي لا تزال تأسيسية منذ تسع سنوات) يريد أن يذكر آخر مرة عقدوا اجتماعاً. كاد نصاب هذه الهيئة يكون مكتملاً في العشاء التكريمي الذي أقامه العميد المتقاعد المحكوم بجرم الاتصال بالعدو الإسرائيلي فايز كرم قبل أسبوعين، رغم وضع الجنرال ثقله لإفشال العشاء.
هناك، فعلاً، أمور غريبة يصعب تبريرها: لماذا يقمع رؤساء حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب القومي والتيار الوطني الحر والكتائب والقوات وغالبية الاخرين الحياة الحزبية في أحزابهم، طالما يعلمون باستحالة مزاحمتهم ولو على عشرة في المئة من نفوذهم في هذه الأحزاب؟ لماذا يعتقد الرئيس أمين الجميل، مثلاً، أنه أدرى من كتائبيي زحلة بالأقدر على تسيير شؤونهم، ليعيّن هو مسؤولهم؟ كيف تقنع رئيس حزب التيار الوطني الحر، مثلاً، أن حزبه في حاجة لناطق إعلامي غير الناطق الإعلامي الذي لم يكتشفه أحد بعد؟ بات التحدي إقناع رؤساء الأحزاب (والمحازبين) أنهم هم يحتاجون المحازبين وليس المحازبون من يحتاجونهم. لا يسأل الاشتراكيّ والقواتيّ والعونيّ والكتائبيّ أنفسهم لماذا لم يبرز، منذ ثماني سنوات، خريج جامعيّ جديد في صفوفهم؟ من أقفل الباب الذي خرج منه قبل سنوات علي حسن خليل ووائل أبو فاعور وأنطون حرب ونادر النقيب وزياد عبس وعبدالله بارودي وسلمان سماحة وروبير خوري؟ ولماذا ما عاد يشبع رؤساء الأحزاب من كل هؤلاء المتمولين؟ كيف تقنع شاباً في الثلاثين من عمره اليوم أن عليه النضال من اجل قضية في حزب ما للعب دور سياسي مستقبلاً، لا البحث عن صفقة مالية تخوله شراء الموقع السياسيّ؟
إسألوا نواب الكتائب والتيار الوطني الحر والمستقبل والقوات وأكثر من تسعين في المئة من المسؤولين، تعلمون أنهم غير مطمئنين ولا يشعرون باستقرار حزبيّ. ماذا يحول دون إحلال الرئيس الجميل فلاناً محل «علّانه» في زحلة أو عاليه اليوم؟ لا يحسب رؤساء الأحزاب أي حساب لما يسميه النواب حيثية خاصة؛ هم لا يكادون يتأكدون من بناء أحد النواب حيثية خاصة حتى ينكبّون على محاصرته وإلهائه بضمان استمراريتهم. المرض مستشر. ما من آلية حقيقية في اي حزب لبنانيّ اليوم تحدد سبل إبقاء النواب في مواقعهم أو استبدالهم بغيرهم.
ومن الشكل إلى المضمون. فاختيار رئيس الحزب معاوناً له يغدو هو شغل الحزب الشاغل. من في حركة امل فوّض الوزير علي حسن خليل بكل الصلاحيات المعطاة له اليوم؟ في الأعوام الثلاثة الماضية، ما كان المرشحان نقولا صحناوي وزياد عبس يدعوان إلى نشاط ساذج في الأشرفية حتى ترى نشطاء التيار من مختلف المناطق يتقاطرون لإنجاح المشروع، ليس لأن هالة فضية تحيط برأسي عبس والصحناوي، وإنما لأنهما ناشطان عونيان أعطاهما الجنرال فرصة الوصول. لا أحد يسأل اليوم عن معنويات هذين الرجلين وكل النشطاء الذين كانوا يعوّلون عليهما ويواكبوهما بعد تضييع كل جهدهما السابق جراء استبعادهما عن الوزارة.
ولا أحد هنا يتحامل على باسيل أو يشكك بنجاحه ومثابرته، كل ما يطلبه الآخرون هو جزء يسير من الثقة العونية المعطاة لباسيل. وهناك في مكتب أحد النواب العونيين في المتن الشمالي مدير مكتب عوني يقدم من موقعه المتواضع، لغير المقتنعين بنموذج عبس ـــ الصحناوي، ما يختزنه هذا الحزب من طاقات إنتاجية تبحث عمن يحركها. حزب يقفل في السلم مكاتب فتحها في الحرب.
في حركة أمل لا أحد يسأل عن حركة أمل. في الحزب القومي تبتلع صناديق الانتخاب الشكلية مضمون الحياة الحزبية. في الكتائب كان يمكن المعتكفين في منازلهم تأسيس حزب وازن لو اقتنعوا بقدرتهم على التفكير بالوطن وارضاء الله بمعزل عن عائلة الجميل. لا يمكن العقل الواقعي عدم تخيل رئيس اللجنة المركزية (التي حولها بعد استحداثها لأجله من لا شيء إلى كل شيء) يعقد اجتماعاً للجنته المركزية في المطبخ مثلاً أو غرفة النوم. في «الوطنيين الأحرار» لم يبق غير مقر الحزب. في الحزب الشيوعي غادر المحازبون. أما في الحزب التقدمي الاشتراكي فيبقي النائب وليد جنبلاط الذي كان يفترض، بحسب كلامه، أن يكون استقال من رئاسة الحزب قبل عامين على بعض الهامش الحزبي كتغيير مسؤول طلابي أو مناطقي كل بضع سنوات. وفي المستقبل يسمح رئيس الحزب الذي فوض إبن عمته إدارة الحزب وابن عمته الآخر إدارة علاقاته السياسية، بنشوء مراكز نفوذ تتصارع في ما بينها على كسب وده.
لا يكفي «حنون» واحد، لا بدّ في ظل تعطيل رؤساء الأحزاب لأحزابهم من استدعائهم إلى القضاء واحداً تلو الآخر لسؤالهم عمّا فعلوه بأنظمتهم الداخلية، ولعل القضاء يسترسل فيسألهم لماذا حسابات أحزابهم المصرفية مكشوفة فيما حساباتهم الشخصية سرية؟ لماذا يصدف أن الأذكى والأكفأ والأنشط في أحزابهم هم أبناؤهم أو أصهرتهم أو أبناء عماتهم؟ ولماذا لا يثقون بأن محازبيهم فعلاً يؤمنون بهم ويمكنهم في المقابل الإيمان بهم قليلاً؟

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي