عن «دم الأخوين» فواز طرابلسي: ننسى... أي نتذكّر



طرابلسي: يجب سحب أدوات الحروب: فقدان الذاكرة (محمد رمّال)

لديه ما يقوله دائماً. ولديه طريقته في القول أيضاً. وإن كان ما يكتبه على حافة الأدب، بل يمكن الجزم أنه في مصاف الأدب، بحيث يمكن إضافة نعوت الحِرفة والبلاغة إلى وصفه، إلا أن أكثر ما يستدعي دهشة قارئ «دم الأخوين» (رياض الريس ــ 2017) هو قدرة الكاتب على الإحاطة والربط بين سلسلة من الأحداث والعناصر على منهجٍ واضح. منهج مستقيم في الجوهر، لكنه قابل للتعريج عندما يعبر صاحبه بسلاسة من حقبة إلى أخرى مؤرخاً، أو حين يطلق نقداً يشدّد على الابستيمولوجيا في الفنِ كما في السياسة، أو في غيرها. التقيناه للحديث عن كتابه الجديد الذي يدور حول «العنف في الحروب الأهلية»، وعلاقة الفن بهذا العنف، لكن الحديث مع طرابلسي لا ينتهي

أحمد محسن

تيمات كثيرة في كتاب فواز طرابلسي الأخير. العنف. الاقتتال الأهلي. اليمن. سوريا. الطائرات. الفن. الذاكرة. الـ «غيرنيكا». الكثير من الأحداث والتأريخ والمواقف الواضحة. لكن ذلك لا ينفي أن «دم الأخوين»، يقوم على تيمة أساسية، تدور حول «العنف في الحروب الأهلية»، ووظيفة الفن في ترميم صدوع الذاكرة وحراستها من أهوال النسيان، وعن خوف الذاكرة من العنف عندما تتجاهله، تجتره، وتتعامل معه. يجب تذكر أهوال الحرب حتى لا تتكرر. حسناً، يجب نسيان الحروب. «شبه تسوية» يقبل بها طرابلسي، لكن سرعان ما يستدرك موضحاً: قطعاً يجب تذكر الأسباب. يحب سحب الذرائع.

في أحد الفصول العشرة التي تقسّم الكتاب، يأخذ طرابلسي حالة أسعد شفتري ويفككها. فلنقل بلغةٍ أوضح: يعرّيها. نتحدث عن شفتري. الرجل الذي اعترف بما اعترف بهِ. اعتراف طوائفي طويل. اعترافات دموية باردة وطويلة. لا ينفق طرابلسي وقته في حديثٍ باهت عن التسامح والاعتراف ولا يبكي على أطلال الحرب، ولا على صور الضحايا. ولا ينوي إعادة محاكمة شفتري. كل ما في الأمر أنه يركز جهوده في إطار بحث عن حلٍّ، لمهزلة الذاكرة. يميّز بين ثلاث عمليات ذهنية مترابطة بالصدمات والصدوع التي تتركها الحرب. الأول: فقدان الذاكرة، أي القمع في الذاكرة، واستبدال ما فيها بما فيها وفق سلم أولويات. ثانياً: الذاكرة. وثالثاً: النسيان. إذاً، علينا أن نتذكر كي نتفادى فقدان الذاكرة. وعلينا أن نتذكر، لكي ننسى. لكي لا يحدث «عفو عام»، كما حصل في لبنان، يؤدي إلى ما أدى إليه. لا يسأل طرابلسي إن كان اللبنانيون فقدوا ذاكرتهم، تقريباً الإجابة معروفة. لو كانوا يتذكرون الحرب، لما كانت هذه «الوجوه الطيبة» تحكم البلاد، مزهوةً بـ «أمنيزيا» خاطفة، أحد أبرز نتائجها هو «العفو العام». أما توظيف النتائج، فيشرحه الكاتب بإسهاب.


لا ينبغي تذكر الحروب إنما ينبغي نسيانها. فلنكن واضحين، وطرابلسي يحب الوضوح: «يجب سحب أدوات الحروب: فقدان الذاكرة». خلال الحديث، يقول إن «القسم الأكبر من الاحتقان ما زال موجوداً»، وأنه طالما أن الجماعات الطائفية موجودة، كجماعات طائفية، والعلاقة بينها تقوم على تمييز بحسب موقع كل منها من السلطة والموارد والأمن والتربية وغيره، فإن احتمالات العنف تبقى قائمة، رغم تبدل المواقع. في 1975، لم يُصلَح الوضع، وفي أي حال، النظام اللبناني في النهاية هو حصيلة ما أرساه النظام الكولونيالي، وكيفية تطوره تقع ضمن هذا الإطار. صحيح أن له «مزايا» طائفية يستعرضها في كتابهِ وسبق له استعراضها كثيراً، لكن لا يفوته التذكير بالنشأة والتأسيس. خلال بحثه في أدوات العنف ومحفزاته، وفي استعارات أهلهِ من الأديان، يذهب طرابلسي من دون أي التفاف إلى العنف والمقدّس. أمثلة وافرة مع شروحات: تطويب بشير الجميّل وسيره على خطى المسيح. الوعد الخميني بعودة الإمام الصدر عودةً تشبه عودة الإمام الكاظم. سلاح المعجزات والظهور. والحروب على معجزة، ولاجتراح معجزة. كل ما يعرضه طرابلسي، عن العنف، يقود إلى أن الحرب هي نفسها معجزة، بالعنف الفائض عن الواقع الذي يخرج من المحتربين. إنه عنف لا يصدّق وبمثابة المعجزة. إنها حدث يستدعي أن يتصدى له الفن.
الإجابة الوحيدة عن سؤال الحرب الأهلية هي نهايتها، يجب أن تتوقف. الإجابة الفنية الممكنة في مثال طرابلسي هي حماية الذاكرة. في المقطع الذي يتناول فيه الحرب الأهلية اللبنانية بالقول «العدو هو أنا»، يخرج الكاتب من الـ «غيرنيكا» ويعود إليها. المشاهد اللبنانية تشبه تصوير بيكاسو للحرب لجهة اختلاط ملامح الجزار وأعضائه مع ملامح الضحية وأعضائها، بحيث يصعب تمييز الواحد منهما على الآخر. جذع الشجرة الذي يحترق وأجزاء من الطائرة. طيرُ يسقط من السماء وتذبحه سكين، هي في الجدارية جناحه. نحن قايين ونحن هابيل، يقول. وإن كانت الـ «غيرنيكا» هي تصوير لوحشية الجو، على حساب الأرض، فإن وحشية الأرض اللبنانية تتقاطع مع وحشية السماء الإسبانية في مساحة عريضة تنفلش عليها بقع كبيرة من «دم الأخوين». يسأل طرابلسي نفسه: هل ما زالت الـ «غيرنيكا» على مستوى العنف في القرن العشرين؟ ولأن طرابلسي منهجي، أو فلنقل، يحبّ الأسئلة، ويبحث عن الأجوبة الجدية، يطرح سؤالاً «شبه مقفل»: ما نفع الشعور بالذنب في الحروب الأهلية؟ وسؤال مثل هذا، عادةً، يتلوه صمت طويل.
برأي طرابلسي، «منتجو الثقافة اليوم يعانون حالةً من الإنكار». وإن كان الفن يتلو الحدث، والوقت ما زال مبكراً للحديث عن الفن والحدث، لا تفوته الإشارة إلى الأدب السوري الحالي الذي يعالج الحرب السورية، وثمة أعمال «تستحق التحليل». الفن يتحدث بسرعة في الحالة السورية والعنف العظيم الذي فيها. وهو ليس بعيداً عن حالة كاثي شميدت من كونسبرغ في بروسيا الشرقية، الفنانة الاشتراكية ــ النسوية، أو في حالة هاينر موللر، الذي كان يرى أن «أول أشكال الأمل هو الخوف». وخوف طرابلسي في مكانهِ: «الاقتتال الأهلي يجرّ تدخلاً خارجياً، وفي الحالة السورية هذا واسع». الحرب الأهلية السورية هي ضحايا فشل النظام وعنفه، وحقارة القوى الإقليمية، إذ لا فرق بالنسبة لديه بين التدخل الروسي في سوريا، والتدخل السعودي والإماراتي في اليمن. ولا يغرق طرابلسي في شعارات، بل يستفيض شارحاً الطبيعة الطبقية للعنف، والهوية الاجتماعية الحقيقية للقادمين للأطراف. والأهم من ذلك، لا يستسلم للتعريف الأميركي للـ «إرهاب»، ولا يقع في مثل هذه الأفخاخ: «الجواب على جهادية لا يكون بجهادية أخرى».
الأبعاد الطبقية التي حدثنا عنها، ليست غريبة عنه، وإن كان يدعو إلى قراءة الحركات الجهادية قراءة اجتماعية خالية من الدعاية، لا تدعو إلى التعاطف إنما إلى الفهم والتفكيك. أبعاد يمرّ عليها في كتابهِ حين يتحدث عن الأب سمعان الدويهي ومشكلته العويصة مع الغرباء والفقراء، وخلال عرضه لأحداث البربارة. ولمزيد من الأمثلة المرتبطة بهذا الصدد، يشير في أحد نصوصه إلى تحريض «حراس الأرز»، أبناء الطبقة الوسطى المارونيين الغيورين على امتيازاتهم الطائفية والطبقية الصغيرة، عندما يدعون إلى «المهمة الحضارية» التي تقضي بقتل «الأوباش»: «على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً»، وهو الشِعار الذي صكه سعيد عقل. هذه تفاصيل أجزاء من الـ «غيرنيكا» لبنان، التي تنتج التنغيل، الذي يجمع أعرافاً من العنف القبلي وأحكاماً انتقائية من قوانين المجتمع الحديث. وما أرسته هذه النغولة، من عنفٍ مخبلٍ إلى حد العبث، يعتبر طرابلسي أنه يتجلى في حالة «سفّاح السبت الأسود» جوزيف سعادة. كذلك، تتجلى في حادثتي اغتيال حسين مروة وحسن حمدان (مهدي عامل) المثقفين الشيوعيين، على أيدي أبناء جلدتهم في الطائفة الشيعية، عندما تسلّمت حركة «أمل» السيطرة على بيروت الغربية.
بلا صخب، يكتشف طرابلسي دم الأخ على يد أخيه. يعاين الحفريات في السماء، التي تسقط القذائف في اليمن، والبراميل في سوريا. يكتشف أنّ الأطفال يتحدثون مثل أطفال. وعندما ترميهم السماء بالحفر، ينامون بعيونٍ مفتوحة في الأرض، في أرضهم. في «دم الأخوين»، الفن لا يعمل ضدّ الذاكرة، بل يعمل ضدّ فقدانها. في كتابهِ الأخير، يكتشف فواز طرابلسي فقدان الذاكرة الطويل، وأن الأصم، يسمع فقط في المنام.


هاينر موللر عن التلفزيون

التلفزيون. الغثيان اليومي. الغثيان.
يا أيها اللغو المصنّع سلفاً،
أيها الحبور الذي يتحقق بالأوامر
أعطنا اليوم جريمتنا اليومية
طالما أن جريمتك أنت هي الفراغ
يا غثيان
يا فراغ أكاذيب يصدّقها
الكذّابوان ولا أحد سواهم
يا غثيان
امش في الشوارع
وافتك بمستهلكين يكافحون وجوه الفقر
دون كرامة، الفقر دون كرامة
السكين والقبضة الفولاذية
والقبضة المضمومة
وأجساد النساء المهانات
أمل الأجيال
يغرقها دم الجبن والبلاهة
والضحك الصادر عن بطون ميتة
تمجّد الكوكا كولا
مملكةً
لمجرم.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | ahmad_mohsen_@

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com