خبر عاجل

استيقظت على غير عادة فجر أمس ولم أفلح بالعودة إلى النوم. وبما أن الكون يكون ما زال «مقفلاً» في مثل هذه الساعة، أي الرابعة والنصف فجراً، قلت لنفسي: هيا.. شاهدي حلقة جديدة من أي مسلسل رمضاني فلا شك أنك ستنعسين، وتعودين إلى النوم.
حضرت قهوتي وأدرت التلفزيون (على غير عادة) بدلاً من الراديو. للوهلة الأولى لم أستوعب الشريط الأحمر الذي يذيل الشاشة بلونه العاجل. اختلطت الأمور في عقلي غير المستيقظ تماماً: ما هذا؟ عاجل في هذه الساعة؟ أهو حقاً خبر عاجل أم أنها تلك الدعاية السمجة التي تثير غضبي كلما وقعت عليها تبث خاصة قبل نشرة الأخبار المحلية؟

فتشت بشكل آلي عن عبارة «سوبر ماركت رمال الأصلي أبو عامر» صاحبة الإعلان، لكني قرأت كلمة «القاع» و«تفجير انتحاري». استفقت تماماً. طلعت القصة حقيقية! لم يكن الأمر إعلاناً سمجاً.
حسناً، جاء وقت الحساب. كنت قد نويت أن أكتب عن هذا الإعلان لكني كنت أؤجل في زحمة القضايا اليومية. أما ما حصل اليوم، فهو شيء لا يحتمل السكوت عنه.
من يجب أن يحاسب عن هذا الإعلان؟ التلفزيونات التي تبثه؟ ممكن. مصممه العبقري؟ ممكن. من رخص له مروره أمام عيوننا جميعاً ويومياً وقبل نشرات الأخبار على القنوات المحلية؟ على الأرجح. فالسماح ببث إعلان كهذا في بلد استحصل على جنسية «حافة الهاوية» لطول إقامته هناك، يجب أن يكون له عقاب وليس أي عقاب. فمن المفروض أن يستحصل أي إعلان على موافقة الأمن العام قبل البث، وهو لا شك حاصل عليها. فمن سمح في دائرة الأمن العام بهذا؟
آآه! لم تشاهدوا الإعلان؟ حسناً سأخبركم ما هو: فجأة يظهر شريط عاجل بالأحمر على الشاشة، ومذيع يمسك بالميكروفون يتجمع حوله المواطنون وبينهم فتاة أثقلت وجهها بأنواع لا تحتمل (حتى للبصر) من الرموش والحواجب والكحل. تظن لوهلة أن حدثاً جللاً حصل. فأنت تسمع منذ أسابيع تحذيرات عن انتحاريين وتفجيرات ستستهدف مدنيين. وأنت بدأت تبتعد كلما صادفت سيارة إسعاف مقبلة مولولة من بعيد بعد تحذير الأجهزة الأمنية من سيارة إسعاف انتحارية تتجول في لبنان في مكان ما. لكن، يتبين أن هذه الزحمة وهذا العاجل هو لشدة إقبال الناس على «سوبر ماركت رمال الأصلي أبو عامر» وفرعه الجديد!!
ماذا يقال لهذا البني آدم؟ وهل هي مهمتنا نحن أن نقول له شيئاً؟ مرّ الإعلان القميء على الأمن العام فرخص له، وعلى التلفزيونات فبثته بدون أي تردد. وهي لا تزال تبثه. أما القميء فعلاً، فهو بثه بين نشرات العاجل الحقيقية التي سادت اليومين الماضيين عن تفجيرات القاع المأساوية.
ومع أن «سوبر ماركت رمال الأصلي أبو عامر» شخصياً عانى من تفجير برج البراجنة حيث أن أحد فروعه يقع مقابل المكان الذي حصل فيه التفجير، إلا أن شيئاً من كل ما تقدم لم يردعه عن بث دعايته هذه التي تستنزل عليه وعلى من صممها وعلى من بثها ومن سمح ببثها لعنات على الأرجح أنها ستكون مسموعة لكثرتها، أو هكذا نتمنى، في شهر رمضان.
يشبه هذا الإعلان انتحال صفة. يشبه ارتداء مدني ثياباً مرقطة وإلقاءه القبض على الناس ليتبين بعد ذلك أنه مجرد مهرج. فإن كان الغرض هو الدعاية، هل تستحق الدعاية لدكانتك يا أبو عامر كل هذا السوسبنس والرعب؟
«ملق الإعلانات فلتان» في بلاد لا حدود فيها واضحة بين المقبول والمرفوض. إعلانات تطول لساعة وأخرى تقسم ما تراه إلى بضع دقائق حتى لتظن أن المسلسل هو الإعلان! ما أرخص الدقيقة الإعلانية في لبنان، ولكن ما أرخصنا في عقول المعلنين. دعاية كهذه يجب أن يوضع تحذير قبل بثها لأصحاب القلوب الضعيفة وللأطفال، ليبتعدوا عن التلفزيون لحظة بثها تماماً كالتصنيف الذي يعطيه الأمن العام للبرامج. وعندما نقول أصحاب القلوب الضعيفة فلا شك أن المعنيين بهذه الفئة بات تعدادهم يوازي على الأقل نصف الشعب اللبناني.
كيف يقوم جهاز أمني يعرف أكثر من كل المواطنين ظروفنا الرهيبة، بالترخيص لإعلان من هذا النوع؟ يجب أن تكون هناك عقوبة لخطأ كهذا لاستخفافه.. بأمننا العام شخصياً.
أم أن اختصاص الأمن العام فقط التفتيش عن قبلة في شريط سينمائي ليمنعها صونا للحياء العام؟ وإن كان هذا فقط اختصاصه فلما لا يصبح اسمه أمن الحياء العام وكان الله يحب المحسنين؟

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]