إشكالية العدالة والمهدوية في الفكر الديني



إن جوهر ما جاء به الدين في رسالاته السماوية، هو ثنائي الإيمان والعدل (مروان طحطح)
محمد شقير

إن جوهر ما جاء به الدين في رسالاته السماوية، هو ثنائي الإيمان والعدل. الايمان في المفهوم الديني، ليس مقولة تجريدية، أو مجرد فردية، بل هو مقولة عملية ذات أبعاد مختلفة فردية واجتماعية.

هو ارتباط بالله تعالى، ذي الكمال المطلق، وصفات الجمال والجلال، بما فيها صفة العدل. والعدل هو من أهم تجليات الإيمان بالله تعالى والقرب منه، في المجالين الفردي والاجتماعي. فمن كان مؤمناً بالله تعالى حقيقة الإيمان، لا يمكن إلّا أن يكون عادلاً في سلوكه الفردي والاجتماعي. ومن يفعل عدلاً، لا يمكن لفعله هذا، إلّا أن يكون ذا قيمة دينية مهمّة، وسبب قرب من الله تعالى.
لكن، في الوقت الذي تستمد فيه مقولتا الإيمان والعدالة من حقيقة واحدة، وتنطويان على علاقة جدلية في غاية العمق والجمالية؛ توجد بينهما مفارقة جوهرية، وهي أن مقولة الإيمان (والكفر) تدخل في إطار الاختيار الفردي، أي في الشأن الخاص: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (سورة الكهف، الآية: 29). حيث: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (سورة البقرة، الآية: 256). أمّا مقولة العدل والظلم ببعدها العام ، فلا تدخل في الاختيار الفردي، ليس بمعنى الجبر وسلب الاختيار، بل بمعنى أنها ليست أمراً قابلاً لأن يحبس في الشأن الفردي، ولا يصح فيها القول: «لا إكراه في العدل»، بل هنا يجب أن تفرض العدالة، في حين لا يصح فرض الإيمان. هنا يجب إقامة العدل، سواء على من قبل به أو لم يقبل، في حين لا يمكن فرض الإيمان على من لم يعتقد به.
صحيح أن القرآن ربط ما بين فلسفة الخلق والعبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات، الآية: 56)، لكنه صحيح أيضاً أنه ربط ما بين فلسفة الرسالة الإلهية، وما بين العدالة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد، الآية: 25) حيث بين أن القسط وإقامة العدل، هو هدف أساس وجوهري لرسالة الأنبياء، على مدار التاريخ.
للأسف لا بدّ من القول، إن أكثر من خطاب ديني يطمس مقولة العدالة، ويقتصر على مقولة الإيمان. بل لعلّ أكثر من فهم ديني، لم يدرك جوهرية العلاقة بين العدل والإيمان، وتجلياتها المجتمعية والاقتصادية والتربوية... لذلك تراه ينجح (بمعنى ما) في صياغة مشروع ذي مضمون عبادي-إيماني، ولكنه يفشل في صوغ مشروع يحقّق مقولة العدالة الشاملة والبنيوية، في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ينجح في سوق الناس إلى المساجد، لكنه يفشل في توزيع الثروة وتحقيق التنمية بشكل عادل.
إن أكثر من جماعة دينية قد نجحت في إقامة الصلاة، لكنها فشلت في إقامة العدل في أكثر من ميدان. مع أن حقيقة الصلاة تكمن في إقامة العدالة، بل لم يقم الصلاة من يكسل في إقامة العدالة. أو أنها تنجح في إقامة شعائرها وتقاليدها الدينية، لكنها تفشل في تسييل مقولة العدالة بشكل واضح في مختلف المجالات العملية، فضلاً عن حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتها. ولعلّ من الأسباب، أن فهمها للعبادة التي تؤدّيها، قد جنح بها إلى نوع من الطقوسية، التي أخرجت عبادتها عن حقيقتها، وحرفتها عن أهدافها، وأفرغتها من مضمونها، والتي هي (أي العبادة) في جوهرها إقامة العدل، لأن السجود للعادل المطلق (الله تعالى)، لا تعني، إلّا إقامة العدل في هذه البسيطة، وبين الناس. كما أنها تجنح إلى البعد الدعوي في فهمها للدين وتطبيقها له، مع أن ذلك في مجمله - كما يمارس - ينضوي في الفعل الاستقطابي واللفظي ليس إلّا، في حين أنها تنكفئ عن إقامة العدل، حيث تختبر حقيقة إيمانها، وصحّة فهمها للدين، ومدى التزامها به، وبقيمه الأخلاقية والإيمانية.
ما ينبغي قوله، هو إن هذه الإشكالية ليست خاصة بالاجتماع الديني، بل هي إشكالية ذات بعد عالمي. بمعنى أن كل الأطروحات الفكرية تحمل بشكر أو آخر عنوان العدالة، لكنها تفشل في تحقيقها في الميدان الاجتماعي والاقتصادي. إمّا لخلل في الرؤية الفكرية، أو لقصور في دراية جوهر الرسالة الإلهية (للمتديّنين)، أو لعجز عن فهم الواقع ومتطلّباته، أو لأسباب وعوامل أخرى. في المحصلة قد يستوي الجميع في العجز عن تحقيق ذلك الهدف، سواء العلماني أو الديني (بعض الإسلاميين، تجربة الكنيسة في القرون الوسطى...). في الإطار العلماني يمكن الحديث في الرأسمالية، التي قدّمت الحرية على العدالة في رؤيتها الفكرية، وأطاحت بها نظرياً قبل أن تطيح بها عملياً. الاشتراكية في صورتها الأولى، أرادت أن تنتصر لعدالة فئة، فظلمت أخرى. الكنيسة في القرون الوسطى، تحالفت مع الإقطاع والسلطة السياسية. فساهمت في ظلم عموم الشعب، وحرمانه من حقوقه. فضلاً عن كثير من التجارب البشرية الأخرى، التي لم تكن العدالة فيها جزءاً محورياً من مخزونها الفكري، أو لم تكن هدفاً أساسياً في مشروعها الاجتماعي والاقتصادي. وهو ما أدّى إلى إيصال قافلة البشرية إلى حالة من الانسداد الحضاري، التي تنم عن خلو جعبتها من كل الأطروحات الفكرية، التي يمكن أن تشكل خشبة خلاص لها، من ذلك الانسداد الذي وصلت إليه. وهو ما يدلّ على فشلها في تحقيق خلاصها الحضاري، بمعزل عن الهداية الإلهية الحقّة (المهدوية).
في التاريخ الاسلامي، لم يكن الأمر أفضل حالاً (عدا مرحلة التطبيق النبوي والمعصوم للعدالة)، يغلب على كتب السير والتاريخ الحديث عن أحوال السلاطين، وفتوحاتهم وبطولاتهم. لكن في المقلب الآخر، كم استطاعت هذه الدولة أو تلك أن تقيم العدالة، وكم كانت نسبة الفقراء لديها، وكيف كانت توزّع ثرواتها، وهل كانت تستخدم في مصالح عموم الناس.....
إن الأسئلة الأخرى التي لا يصح طمسها، ينبغي أن تدور حول العدالة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والعدالة في السياسات الضرائبية، وفي الأعطيات (الأجور)، وفي توزيع الثروات، وإيجاد الفرص، وتحقيق التنمية العادلة في مختلف المجالات الاجتماعية...


إن هذا الأمر ليس مقتصراً على تاريخنا المعاصر، أو هذا التاريخ وذاك، بل يشمل مجمل مراحل التاريخ البشري، حيث استطاعت البشرية اكتشاف قوانين المادة، وتقدمت في مدنيتها، وحققت تنمية ما.... لكنّها فشلت في تحقيق العدالة، وتسبّبت فئاتها المتحكّمة بالمال والسلطة (المترفون) بكثير من المآسي، والمظالم، والحروب، والمجاعات، والفقر، لكثير من أبناء البشر ومجتمعاتهم.
وكلّما كانت تتقدّم البشرية في عمرها، فالذي كان يحصل، مزيد من العلم، ومزيد من القدرة، ومزيد من الرفاهية. لكن في المقابل، قليل من العدالة، وقليل من القسط، وقليل من القيم الأخلاقية والإنسانية، والمزيد من الظلم، والجور، والفقر، والجوع، والأميّة، والمرض، واحتكار الثروات، والفوارق المالية-الاجتماعية وزيادة الهوة بين قلة من الأغنياء المترفين، وكثير من الفقراء المستضعفين.
تاريخياً، وفي الواقع المعاصر، لم تكن المشكلة لدى المجتمع البشري في قلّة الموارد، بل كانت في لا عدالة التوزيع. ولعلّ العامل الأساس، الذي أدّى ويؤدّي إلى الوقوع في تلك المشكلة، هو البعد القيمي والأخلاقي، في الأنانيات المجتمعية على اختلافها، وفي مدى القدرة على لجم نوازع النفس البشرية إلى الاستئثار، والطمع، والجشع، وحب الاستزادة. فضلاً عن الأطروحة الفكرية، التي يجب أن ترتكز إليها مقولة العدالة، ومدى قدرة هذه الأطروحة على إنتاج معايير واقعية وشفافة وواضحة لإقامة العدالة، وفي القدرة على تسييل قيمة العدالة في الاستراتيجيات الاقتصادية والرؤى الاجتماعية، وفي السياسات، والقوانين، والقرارات ذات الصلة.
من هنا تأتي فلسفة المهدوية، والتي تقوم على فكرة أن قافلة البشرية لن تبقى في مسيرها هذا إلى الأبد، وأن العدل قادم يومه. المهدوية تعني الانتظار المفعم بالأمل، بأن المستقبل هو للعدل وليس للظلم. وهي تعني حتمية قيام العدالة، تلك التي عجز عنها البشر، وأن العدالة بأوسع تجلياتها وأبعدها، لا تتحقّق بمعزل عن الهداية الإلهية الحقّة. وأن اللاعدالة في المجتمع البشري، لن تترك تصول وتجول إلى ما لا نهاية، وأن الأمل بالعدالة على هذه البسيطة، ينبغي أن لا تنطفئ جذوته. وأن مستقبل الأيام ليس لناهبي الثروات في العالم والمترفين، بل هو للمستضعفين، والمظلومين، وضحايا اللاعدالة الكونية. وأنه ليس صحيحاً لهؤلاء أن يرضخوا لناهبي ثرواتهم، ومستغلي أقواتهم، وأن الإرادة الإلهية قد وعدتهم بتحقيق العدل، وأن عليهم أن يشكلّوا قوّة دفع لتغيير العالم من اللاعدالة إلى العدالة. ان روح المهدوية تعني الأمل الدائم بالانتصار المحتم للعدالة على اللاعدالة، وأن مسار البشرية ليس أمراً خارجاً عن الرعاية الإلهية، وأن لا نهاية لهذه الحياة البشرية على هذه البسيطة، من غير أن تكون مسبوقة بإقامة العدل، وكنس الجور، وهدم بنية النظام العالمي المبني من جذوره على اللاعدالة، والقائم على احتكار الثروات، ونهب الشعوب، والمزيد من الظلم، والاضطهاد، والعبودية المقنعة، المشبعة بكثير من النفاق المعولم.
وإنه، إذا كانت الشعارات السابقة التي رفعت، تدور بين «يا عمّال العالم اتّحدوا» أو «يا رأسماليي العالم تحالفوا»؛ فإنّ نداء المهدوية هو: يا مظلومي العالم اتحدوا، وتعاونوا على رفع الظلم عن كاهل البشرية، لأن الإرادة الإلهية ستكون حليفتكم ومعكم، وأنه سيخرج قائد إلهي (المهدي)، ليقود جموع المظلومين والمستضعفين، لتحقيق العدل على هذه الأرض، بعد أن أشبعت ظلماً وجوراً.
* أستاذ جامعي

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]