وات أباوت ذا اوسكار؟

"الله لا يعلقك بلسان المصاروة" تقول صديقتي وهي تمسح دموعها من الضحك، بعد أن تابعت "السحل الفايسبوكي" للصحافية المصرية من مجلة "اليوم السابع" شيماء عبدالمنعم، "المبعوثة الخاصة لتغطية الأوسكار"، حسب ما عرفت نفسها، بعد أن طرحت سؤالاً "مفشكلاً" باللغة الإنكليزية على الفائز بالأوسكار ليوناردو دي كابريو.
لكن سؤال شيماء المرتبك و"الساذج"، لئلا نصفه بكلام آخر، غطى على تغطيتها، وأصبح هو "الموضوع" على وسائل التواصل الاجتماعي التي تناولته بنوع من السخرية لا يجيده أحد أفضل من المصريين.
"وات أباوت ذا أوسكار؟"، سألت شيماء ليو بعد أن عرفت بنفسها، وليتها لم تعرف. حسناً، "أين السؤال"؟ رد دي كابريو بابتسامة ساخرة لم يفلح أو لم يتسن له الوقت لاستبدالها بشيء ألطف، على عادة نجوم الفن في تجاهل ضحالة الأسئلة لعدم استعداء الصحافي. وهطلت التعليقات الساخرة على الفايس.

لم يكن السؤال: "وات أباوت ذي اوسكار؟" سوى محاولة بائسة لترجمة سؤال بائس يطرحه عادة مراسلون مبتدئون لجهلهم بموضوع تغطيتهم، الى الانكليزية. فكيف إن أضاف المترجم الى جهله الثقافي، جهله باللغة التي يترجم إليها؟ المأزق الذي وقعت فيه شيماء كان في فراغ السؤال من المعنى، باللغة العربية، أما الترجمة فقد فضحت ذاك الفراغ، فالفشكلة اللغوية دليل على الفراغ من المعنى. "أنت دلني على السؤال وتلاقيني فريرة" علق أحدهم، فاللغات الحية لا تستوعب هذا النوع من الرتق للفراغ من المعنى بالكلام العام. أما المأزق الثاني فهو أن السؤال الفارغ، لم يكن موجهاً لفنان مصري تشمله الاتفاقية غير المعلنة على تجاهل ضحالة ثقافة المراسلين الذين تعج بهم المجلات الفنية الصفراء، والأقل اصفراراً، خوفاً من انتقامهم من جهة، ولطبيعة مصرية وادعة تتجنب المواجهة من جهة أخرى.
لكي نفهم كيف تجرأت شيماء على ما فعلته، علينا أن نتصور يسرا مثلاً أو إلهام شاهين أو لا أعرف من... مكان دي كابريو. هل كانت يسرا لترد على شيماء بجواب: "أين السؤال؟" وهي تضحك مستدرجة تواطؤ الناس معها؟ "اقطع دراعي" لو كانت لتعلق بأي شي غير جواب لا يقل عمومية عن السؤال من نوع "أنا سعيدة جداً لأني كمصرية حصلت على الجائزة ورفعت اسم بلدي".
لقد كانت الصبية مدهوشة بوجودها كصحافية مصرية في تغطية الأوسكار، لدرجة أن "السبق" بالنسبة لها كان وجودها هناك، وهو ما أبلغت به دي كابريو، حين قالت قبل سؤالها أنها صحافية مصرية أرسلت خصيصاً من أجل الأوسكار! ثم أضافت أنها المصرية الوحيدة هناك، وهو ما لم يكن صحيحاً حيث أن الكوميدي خالد منصور كان واقفاً أمام السجادة الحمراء ينقل الوقائع.
كانت المهنة كمهنة، آخر سلم أولويات مراسلة اليوم السابع، أما وجودها هي، شيماء عبد المنعم "ببعده الوطني" كصحافية مصرية "وحيدة" في حفل الأوسكار؟ فكان هو السبق!
من منا لا يذكر سؤاله الأول، أو سؤالاً مرتبكاً طرحه في بداية حياته المهنية خاصة إن كان بلغة أخرى؟ لكننا هنا لا نتحدث عن شيء من هذا، بل عن اتجاه متفاقم لإهمال المعنى والمضمون لحساب الظهور و"السبق". فكيف إذا امتزج كل هذا بصحيفة من الدرجة العاشرة؟ لو كان هناك من هو أفضل من شيماء في "اليوم السابع" لقلنا إنه الفساد. لكنها "اليوم السابع" لمن لا يعرفها. هكذا، قام رئيس تحريرها بالدفاع عن مراسلته التي وصف تغطيتها بـ"الحصرية" في مؤتمر صحافي يحضره مئات المراسلين من العالم، وطلب إليها، رداً على "الحملة ضدها"، بأن تجهز نفسها للأوسكار المقبل.
اليوم السابع مثل جريدة روز اليوسف. هذه الاخيرة لم تتورع عن "تأليف" مقابلة مع السيدة فيروز. ولما راسلها محامي السيدة للاعتذار، رفض رئيس تحريرها نشر البيان او الاعتذار. ولولا ارسالنا البيان لبقية الصحف المصرية، لذهبت المقابلة الى ارشيف "التاريخ" كسبق صحفي.
أعادت حادثة شيماء لذاكرتي حادثة اخرى مشابهة. كنا في "مهرجان القارات الثلاث" في مدينة نانت في فرنسا أواخر الثمانينيات. في تلك الدورة، استضاف المهرجان الى جانب الفنانة يسرا وفداً مصرياً. لا أذكر الفيلم المشارك، لكني أذكر ندوة ذهبت لحضورها عن السينما المصرية الجديدة. لم يكن هناك في القاعة إلا بضعة فرنسيين جاؤوا لتوسعة آفاقهم بمشاهدة الأفلام الأجنبية وحضور الندوات. على المسرح جلست يسرا وبجانبها داوود عبد السيد على ما أذكر ومنتج وفتاة قالوا لنا إنها المترجمة. بدأ الكلام وبدأت الكارثة. تبين أن الفتاة تفهم الفرنسية على طريقة "فو فولي دولانيج؟" من مسرحية زياد الرحباني! كانت فضيحة! المترجمة تترجم على طريقة "وات أباوت ذا أوسكار" الى الجمهور الفرنسي، ثم "تترجم" أسئلتهم بالطريقة ذاتها، لا بل إنها كانت تؤلف أسئلة للمحاضرين لأنها لم تكن تقريباً تفهم شيئاً من الكلام، وما يشبه الإجابات للجمهور الفرنسي.
كان الجمهور المتسامح أصلاً مع من لا يتكلم الفرنسية جيداً قد بدأ بالغمغمة مستاء من عدم فهم أي شيء! هكذا، وقفت محسوبتكم، وبغيرة قومية (اضحكوا) قلت بالعربية لرئيس الوفد المصري: "ارجوك. الترجمة كلها خاطئة، أوقف المترجمة سأقوم أنا بمهمتها". تبين بعد ذلك أن الفتاة هي ابنة اخت المنتج، وقد قالت إنها تعرف الفرنسية ليتسنى لها أن تأتي معهم الى باريس!
حبيبي دي كابريو. معليش. لا تضحك، لدي سؤال: قل لنا، هل لديك أي مسلسل في رمضان المقبل؟ شيماء تريد أن تعرف.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]