القدس هي وحدها العاصمة



"الفدائية" عمل للفنانة الارجنتينية اليزابيت درابكن

شهدت القدس في فترة قصيرة لا تتعدى شهراً ثلاث عملياتٍ فدائية فردية، اثنتان منها عبارة عن عمليات دهس لمجندين ومستوطنين في المدينة. أما الثالثة فهي عبارة عن عملية اغتيال لحاخامٍ صهيوني متطرف يدعى يهودا غليك، نفذها الشهيد معتز حجازي. جاءت هذه العمليات المتلاحقة بعد الضغط الشديد الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الفلسطينيين، كمنعهم من التنقل وعدم محاسبة المستوطنين على جرائمهم (كالمستوطن الذي دهس الطفلة الشهيدة إيناس خليل)، وأخيراً إقفال المسجد الأقصى.

تهاني نصار

القدس وحدها هي العاصمة، هكذا يمكن الفلسطيني أن يفهم ما حدث الأسبوع الماضي، هكذا حدثت الأشياء، بشكلها المباشر: اندفع شابٌ فلسطيني – كما تقول وسائل الإعلام - بسيارته إلى موقف حافلةٍ، فقتل من يقف هناك من مستوطنين وجنودٍ صهاينة. بعد ذلك ترجّل من سيارته المهشّمة، حاملاً قضيباً معدنياً وانهال بالضرب على من بقي منهم، حتى أسقطه بعض الجنود الصهاينة شهيداً برصاصهم المصوب نحوه. هكذا بكل بساطةٍ تقول الحكاية، لكن ما خلف الحكاية هو شعبٌ بأكمله، شعبٌ فقد "تسليحه" لأسبابٍ سياسية لامنطقية من ساسته، وأسبابٍ وحشيةٍ من أعدائه، فقرر بعض أبنائه أن يخطّوا طريقاً جديداً، وسيلةً جديدةً لإعادة التوازن إلى الكفّة المفقودة.

إبراهيم العكاري البارحة، وقبله عبد الرحمن الشلودي، وقبله كثيرون، وبعده سيأتي كثيرون. الخريطة تكاد تكون واضحةً لمن يريد النظر بتمعّن. العكاري ابن مخيم شعفاط في القدس المحتلة، والأب لخمسة أبناء، لم يكن من النوع "الإرهابي" و"العنيف" الذي تحاول كل وسائل الإعلام في العالم أن تسم الفلسطيني ببصمته.
كان أباً يريد لأبنائه أن يعيشوا أحراراً كراماً، ففي الوضع الحالي، ماذا يمنع "الإرهابيين" الحقيقيين، ما الذي يمنع المستوطنين الصهاينة من الإمساك بأحد أولاده وفعل نفس ما فعلوه مع الشهيد عروة حمّاد، أو الشهيد محمد أبو خضير مثلاً؟ وبعد ذلك يجري إيهام العالم بأكمله بأن هؤلاء القتلة هم "مرضى نفسيون" ويخرجون من السجن بعدها ليمارسوا حياتهم الطبيعية بعد ذلك.
إنه نظامُ فصلٍ عنصري، لا أكثر أو أقل، إنه نظامٌ مصنوعٌ بدقة كي يجعل من الفلسطيني "سجيناً" في وطنه، مقيداً للأرض بشكلٍ حرفي. من غير المسموح له أن يرى مكاناً آخر في فلسطين إلا إذا اختار أن يكون عميلاً! السفر وحرية الحركة مرتبطان بشكلٍ فعليٍ بكثيرٍ من الضوابط "المخيفة" التي تجعل ابن القدس كارهاً للسفر، كارهاً لترك المدينة. فأحد القوانين الإسرائيلية الغريبة هي أنّه لا يمكنك مغادرة المدينة المقدّسة أكثر من ثلاث سنواتٍ متتالية، ساعتها تفقد تصريحك بالدخول إليها، وقد لا تدخلها أبداً مرةً أخرى. بينما يحق للصهيوني المستوطن القادم من أقاصي الأرض التملّك فيها حتى ولو لم يأتِ إليها أبداً وكان يقيم في أي دولةٍ في العالم: أي إن الصهيوني الذي يحمل جنسية الدولة العبرية يمكن أن يسكن في أميركا ويمتلك منزلاً في القدس، حتى ولو لم يكن قد رآها في حياته، في حين أن ابن القدس وصاحب الأرض الأصلي من الفلسطينيين ممنوعٌ عن ذلك. ليس هناك من عنصرية أو نظام فصل أكبر من هذا!
القدس هي العاصمة. حاول الصهاينة كثيراً اللعب على وتر "اللطف" مع أهالي مخيم شعفاط القريب من القدس، حاولوا أن يخلقوا نوعاً من التفاهمات معهم، على أمل أن تخفت تلك الجذورة المشتعلة في قلوبهم، لكن الفلسطيني هو الفلسطيني، يهدأ حيناً من الزمن، يقرأ الأوضاع جيداً، ثم يعود إلى مكانه الطبيعي، يعود إلى غضبه المنطقي، يعود إلى ثورته. لم يكن ما قام به إبراهيم العكاري البارحة شيئاً عجيباً، كان طبيعياً للغاية لمن يعرف طبيعة حياة أهل العاصمة المقدّسة. ممنوعٌ عليك العمل خارج المخيّم، ممنوعٌ عليك الخروج من المخيّم، ممنوع وممنوع وممنوع. وإذا ما قررت الخروج تتحوّل حياتك فجأةً إلى جحيم، سيمسك بك الصهاينة كما لو أنّك قد قمت بأسوأ الأفعال، وفي أحسن الحالات ستبقى مرمياً على حاجز "اعتقال" تحت المطر أو تحت الشمس لساعاتٍ وساعات، وبعدها إما تمر إلى حيثما تريد، وإما تعود. لا يشرح لك أحدٌ لِمَ يحدث ذلك، ولِمَ حتى كنت هناك. إنها سياسة كسر النفس، كسر الروح. لكنّها لم تعد تنفع، كما لم تنفع قبلاً.
القدس هي العاصمة. يعرف الفلسطيني ذلك جيداً، فهو يعرف أنّه دون القدس كعاصمة لدولته، فإن فلسطين التاريخية تصبح رام الله وغزة فحسب، دونها يصبح الفلسطيني جزءاً من المخطط الصهيوني، يصبح جزءاً من حلم الصهاينة. لذلك فإن أهل القدس كانوا وسيكونون رأس الحربة وأول الغيث في هذه المعركة: معركة تحرير فلسطين، معركة عودة القدس، معركة عودة العاصمة!


يقوم الكيان الصهيوني بالضغط على الفلسطينيين والتضييق عليهم على جميع الصعد. من ضمنها الاعتقالات المكثفة بسبب/ دون سبب، دهم البيوت وقلبها رأساً على عقب دون هدف واضح، بالإضافة إلى المعابر والحواجز العنصرية، إقفال المسجد الأقصى وغيرها. هذا كله دفع الفلسطيني إلى الانتفاض على الواقع المفروض عليه والانتقام من الإسرائيليين، فجاءت عمليات الدهس كوسيلة فردية لإيصال الصرخة عالياً وطرد المستوطنين. كانت عملية الدهس الأولى من تنفيذ الشهيد عبد الرحمن الشلودي في مدينة القدس، ثم تلتها عملية الشهيد إبراهيم عكاري المدهشة وعملية شبيهة (لم يعرف اسم منفذها بعد، وقيل إنه سلم نفسه بعد اعتقال عائلته، لكن شيئاً لم يتأكد) منذ أيام قليلة قرب مخيم العروب جنوب الضفة الغربية.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]