محمد مجد رحل في «السفر الطويل»


عماد استيتو

خاص بالموقع
الدار البيضاء - «إنّ الموت لا يزال سيد الدنيا الأوحد» قال عبد الرحمن منيف ذات يوم معلّقاً على انتصارات الموت الدائمة. الموت يفوز دوماً، كأنّه قدر الفن المغربي هذه الأيام أن يفقد رائعيه واحداً تلو الآخر. لم تكد تندمل جروح فراق المسرحي الفذ الطيب لعلج، ومبدع فرقة «الغيوان» باكو حتى فقدت السينما المغربية واحداً من أفضل ممثليها على الإطلاق. رحل محمد مجد عن 73 عاماً بعد صراع مرير مع المرض.

لعلها صدفة لعينة أيضاً أن يرحل مجد في اليوم ذاته الذي توفي فيه عبد الرحمن منيف قبل سنوات (1933 ــ 24 يناير 2004).
في ساعات الصباح الباكر من يوم الخميس الماضي الذي صادف عيد المولد النبوي، كُتبت رسالة الوداع الأخير في أحد مستشفيات مدينة الدار البيضاء. غادر محمد مجد مسرح الحياة، مخلّفاً وراءه إرثاً سينمائياً هائلاً. لم يجد كثيرون الكلمات المناسبة في لحظة الحزن ليعبّروا عن هذا الشعور باليتم والفقد على فراق اسم ربما لن يتكرر في المشهد الفني المغربي. كتب الإعلامي المغربي الفني المتخصص المحجوب فريات بضع كلمات معبرة على حسابه الشخصي على تويتر بعد سماعه الخبر المفجع: «لا عيد هذا اليوم، محمد مجد مات. لم يكن مجرد ممثل بل كان إنساناً جميلاً»، فيما كتب المخرج المغربي نور الدين لخماري صاحب فيلم «زيرو» آخر الأعمال التي شارك فيها الراحل: «شكراً صديقي، ارقد بسلام يا مجدنا». فيما علّق الممثل عزيز داداس الذي شارك أيضاً في «زيرو»: «لقد كنّا نحسّ في «مهرجان مراكش» الأخير بأنّ الرجل سيغادرنا. أنا فخور بالعمل إلى جانبه. لقد علّمني الالتزام». ولأنّ المسؤولين يتخلّفون دوماً في بلد تعوّد نكران الجميل، فقد اختار وزير الثقافة المغربي اليساري محمد أمين الصبيحي أن لا يحضر جنازته.
«خدوني إلى منزلي لا أريد أن أموت هنا». كانت هذه هي كلماته الأخيرة على فراش الموت. لم يكن يريد لحياته أن تنتهي على فراش غريب وبائس، لكنّ الرحيل سبق الأمنية الأخيرة. أبصر مجد النور في درب السبليون في المدينة القديمة في الدار البيضاء، فكانت البداية من الركح مع مسرح «الطبقة العاملة» ثم «البدوي» وبعدها مسرح «الصديقي» قبل الانتقال إلى الشاشة الصغيرة، ومنها إلى السينما. أطلّ محمد مجد في فيلمه الأول «الغابة» (1970) للمخرج مجيد الرشيش الذي أبدع فيه من خلال براعته في التشخيص، معلناً بذلك عن ولادة نجم سيترك بصمته في تاريخ السينما المغربية من خلال أدوار خالدة كدور حميد في فيلم «علي زاوا» لنبيل عيوش، ودور التهامي في فيلم «في انتظار بازوليني» لداود أولاد السيد، إضافة إلى أدواره في «السفر الطويل» لإسماعيل فروخي، و«الحي الخلفي» لفريدة بورقية من دون نسيان مشاركته في أفلام عالمية كـ«الرسالة» لمصطفى العقاد، وفيلم «شهرزاد» لفيليب دو بروكا. كما حاز جوائز عدة، منها جائزة في «مهرجان نانت» عن دوره في فيلم «عود الريح» للمخرج داود أولاد السيد، وجائزة في «مهرجان الفيلم الوطني» في طنجة عن دوره في فيلم «السفر الطويل». ورغم دوره القصير في شريط «وبعد» للسينمائي محمد إسماعيل، إلا أنّه كان دوراً تاريخياً في السينما المغربية، إذ جسّد دور المسؤول عن الهجرة السرية (الحرقة) الذي تنتهي به الحال شنقاً بعد معرفته بغرق القارب.
ترك محمد مجد بصمة خاصة. قلة مَن أجمع النقاد على أدائهم المتميز في الأدوار التي جسّدوها. محمد مجد كان ممثلاً من طينة نادرة لأنه كان قادراً على تقمص كل الأدوار ببراعة، وطبعها ببصمته الخاصة وحضوره القوي ليكون بذلك أنجح ممثل عرفته السينما المغربية في تاريخها. رحل محمد مجد... رحل «مجد» السينما المغربية.

التعليقات

البقاء لله

مات محمد مجد جسدا، لكن روحه الطاهرة ستبقى إلى الأبد. من من المغاربة لا يعرف هذا الإنسان الطيب؟ لقد أمتع جميع فئات المجتمع المغربي بشخصياته الإبداعية التي تقمصها، وأتقن لعبها على الوجه الأكمل. نتمنى أن نجد العوض إن لم يكن هناك المثيل و المسيرة لم تنته بل "السفر طويل....إنا لله وإنا إليه راجعون".

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.