يوميات حرب أهلية



لا جيش هنا ينبه المار إلى دخوله نقطة اشتباك أو ساحة قنص (أ ف ب)

يحلّ مسلحاً ببندقيتين ودشداشة محل أبو خليل وكعكاته في أحد الأزقة الضيقة بين الأسواق وسوق الخضر عند تخوم باب التبانة. لا أوامر جديدة للانسحاب أو غيره، يجيب المسلح المستفسرين عن الأوضاع. والأكيد من تعامل جيرانه معه، أن المسلح «دلّوع» حيّه، فلا تغادر ركوة قهوة حتى يحضر إبريق شاي، وتتكدس حلوى العيد تحته وفوقه

غسان سعود

يمر الوقت ببطء شديد على من اعتاد الرشاقة الطرابلسية في الاستيقاظ. تقتصر الحركة في أحياء الأسواق الشعبية على بعض المجموعات المسلحة والأفران التي تخرج صوبها سيدات يلصقن أثناء سيرهن ظهورهن بالجدران. تمر مسرعة هنا سيارة محملة خبزاً وبعض المواد الغذائية، توزعها على بعض المنازل، فيما لم تبرز مشكلة غذائية هذه المرة، تقول إحدى السيدات: الاشتباكات سبقها عيد تكرم علينا السياسيون فيه بالإعاشات. فضلاً عن مساواة جمعيات الإغاثة العاملة في الشمال بخدماتها اللبنانيين القاطنين في هذه الأحياء والنازحين السوريين. هنا مددت إجازة العيد عملاً بالنكتة الطرابلسية القائلة إن «الأربعاء جحش العيد». أما التجار فيحمّل بعضهم إفراغ العيد جيوب المعيدين مسؤولية تكاسلهم المستجد، ويصف بعضهم بالمجنون من يقصد السوق في هذه الظروف وبالمجنون أكثر منه من يفتح متجره منتظراً الزبائن.
على بعد خطوات، في الطريق المتعرجة التي تربط قلعة طرابلس بمستديرة أبو علي يتغير كل شيء: يتلاشى هدير السيارات وتقاتل السائقين وصراخ الفتيان و«محارجة» النسوة للباعة. يختفي الباعة أنفسهم وعرباتهم وفاكهتهم الملونة و«تعييطهم على بضائعهم». فقط أصوات رشقات الرصاص والمؤذنين. يتعثر المار بخضر مهترئة وفاكهة تضاهيها بالاهتراء. لا جيش هنا ينبه المار إلى دخوله نقطة اشتباك أو ساحة قنص، فقط صور المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. يبتسم ريفي في صورة «ابن البلد» الجديدة. صورة تزينها شارة الأمن الداخلي كأن المديرية طبعتها، تزداد كثافة انتشارها في المدينة كلما ازداد تبادل إطلاق النار كثافة.
يلاعب القناص من جهة الجبل جيرانه، يتصيد زجاج شباك مرة ويصيب كلباً غامر بالخروج إلى الشرفة مرة أخرى ويطلق عشوائياً بضع رصاصات مرات. تمر الثواني من جهة إلى أخرى في الطريق كدهر، يصل في ختامه قاصد التبانة من دون المرور بحاجز واحد أو سؤال رسمي عن وجهته. أما فيها، فيمكن صبياً في الرابعة عشرة من عمره إيقاف من يشك في أمره، طالباً التدقيق في أوراقه الثبوتية وتفتيش حقيبته. تغص الشوارع هنا بالمقاتلين، معظمهم عكاريون وقلة قليلة منهم فقط سوريون. يتوزعون مجموعات، لا يتجاوز تعداد المقاتلين في أكبرها العشرين، يقودها شاب لا يتجاوز عمره الثلاثين. يقتربون في لباسهم من التوحد أكثر فأكثر، يوماً تلو الآخر. يطغى اللطف في أوامرهم على الصرامة. وليس في تصرفاتهم ما يوحي بتعاطيهم العقاقير المخدرة التي يتحدث خصومهم عنها. تحل مشروبات الطاقة بين اياديهم محل المياه، فيما يزودهم أحد أشهر مطاعم المدينة بكميات طعام هائلة. والواضح في هذا السياق أن مجموعات باب التبانة لم تعد مشتتة، يغني كل مقاتل فيها على هواه: تزداد تنظيماً و... انضباطاً.
«باب التبانة بأمرهم. أسواقها، كاراجاتها، حمالوها، دكاكينها، جوامعها، مدارسها، سياراتها، بناياتها، أطفالها، مستوصفاتها، أحزابها وشيوخها. كلها كلها بأمرهم. وعملياً لا علاقة للمجلس العسكري لأهل السنّة الذي أعلن تشكيله الشيخ سالم الرافعي، بالأحداث الدائرة هنا، رغم صعوبة تصديق الرافعي هذا الأمر. مع العلم أن الرفاعي الذي ابتدأ حياته الدينية من السودان والسياسية قريباً من تيار المستقبل انتهى اليوم مغضوباً عليه مستقبلياً. وعلى أرض التبانة، يبدو قائد جند الله كنعان ناجي أقرب إلى المقاتلين بكثير من الشيخ سالم الرفاعي. في ظل أحاديث طرابلسية عن انشقاق مفترض للقياديين سعد المصري وحسام صباغ عن الرافعي في قيادة «المجلس العسكري» قبل إبصار الأخير النور رسمياً. ومما لا شك فيه أن عجز التبانة عن إلحاق أية خسائر جدية بالجبل أو في أحد أفرقاء قوى 8 آذار في المدينة مثل ضربة قوية للمجلس العسكري السني المفترض، وحال دون تكرار الرافعي تجربة حركة التوحيد التي ما خاضت معركة تقريباً إلا ربحتها (باستثناء معركتها طبعاً مع الجيش السوري)، فاضطر من بقي إلى مبايعتها. وتشير المعطيات الأكيدة إلى أن كنعان ناجي كان من بين القياديين الميدانيين الذين تصدوا بشدة لرغبات الرفاعي باقتحام حصون قوى 8 آذار في المدينة ومقارها ومنازل مسؤوليها من رئيس حركة التوحيد بلال شعبان إلى الحزب القومي فالبعثيين والمردة والمجموعات المسلحة القريبة من حزب الله وغيرها. رفض ناجي، مع «أشاوس» التبانة، نقل الصراع من علوي – سني إلى سني – سني.
كمّ المشاهدات في المساحة الضيقة بين باب التبانة والجبل وبعض الأحياء المحيطة بهما هائل. يستحيل مثلاً وصف أعراس الرصاص التي نظمها المقاتلون أمس لزملائهم الذين قتلوا أول من أمس. أما بعيداً بضعة أمتار بين شارع عزمي والبحصاص، فتغدو الحياة أكثر من طبيعية: هنا يعلو صوت مفرقعات العيد فوق أصوات الرصاص، وتنسي بهجة قطارات العيد الملونة بشاعة سيارات الإسعاف، وتحل الأغاني الصاخبة محل الأناشيد الدينية وتمتلئ المقاهي والمطاعم والحانات. كأن ما من شيء في المدينة، أو كأن بعض أبنائها نسوا البعض الآخر.
وهنا ليس أسهل على الجالسين من التنظير: بعد المعزوفة الطويلة بشأن الصراع التاريخي بين جبل محسن وباب التبانة، يترك كل طرابلسي لخياله الاسترسال في نسج روايته الخاصة عن الأسباب التي يتخيلها لتجدد القتال. هذا يحمل القيادة السورية المسؤولية: لا يزال النظام قادراً إذاً على تخريب لبنان. وهذا الرئيس نجيب ميقاتي: وجد دولته أن الوسيلة الوحيدة لتبرير استقالته هي تخريب مدينته. وهذا تيار المستقبل رغم كشف الأحداث المماثلة عجز المستقبليين الكامل عن التأثير في الشارع، ضبطاً أو تأجيجاً. فيما يخترع أنصار 8 آذار في المدينة رواية عن سعي المحور الدولي المعادي للنظام السوري إلى السيطرة على طرابلس بعدما تيقن من خسارته حلب واستحالة سيطرته على مدينة سورية أخرى. أما الشباب الذين يتبادلون وجبل محسن إطلاق النار وأشياء أخرى فلا يبالون البتة بمن يستفيد من رصاصهم ومن يتضرر. البعض دأب على إطلاق الرصاص بذلك الاتجاه منذ كان في العاشرة من عمره، البعض يفعل ذلك في رد فعل على الرصاص المنهمر من الجبل صوب منزله، البعض لأن في الجبل علويين والبعض لحقده على النظام السوري وحماسته الكبيرة للإسهام في وأد أنصاره.

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | ghassansaoud@

التعليقات

حيران

أنا في حيرة حقا: الرافعي أو الرفاعي؟

يا فرحتك يا بشار الاسد ... ها

يا فرحتك يا بشار الاسد ... ها هي النار التي اشعلوها ليحرقو سورية بها انتقلت كالهشيم عبر الحدود لتلتهم المنطقة كلها ... فرق واحد فقط , ان في سورية جيشا عقائديا قويا جبارا متماسكا قادر على مواجهة التحدي في بلاده و الحفاظ عليها و على وحدتها , اما لبنان و شعبه و مصيره فالهم الله !

كلمة السر جف

هل يعقل ان تؤخذ مدينة بحالها رهينة لحسابات ضيقة ،ليس لأهل المدينة بها ناقة ولا جمل،من قبل حفنة من الناس،تقتل الابرياء فيها بحفلات من الجنون وما ذنب هؤلاء الناس بان يموتوا بكل حفل من هذا النوع،هل هي صدفة ان يتزامن القتل مع اجتماع لمجلس الأمن من اجل الشرق الاوسط،لكي يستشهد فيلتمان بمعارك طرابلس،ويطالب بدعم لبنان،كيف يكون هذا الدعم ،هل بتغيير قواعد الاشتباك لقوات اليونفيل ونشرها على الحدود مع سوريا،والهدف معروف الا وهو منع دخول الصواريخ للمقاومة،استعدادا لاستهدافها بعد سورية.هذه هو الهدف من إشعال جبهة طرابلس والذي مات راحت عليه يا حرام على هيك بلد صار صندوق بريد وتكلفته جثث الابرياء.

متى غاب الحكم

في كل الالعاب الرياضية يوجد حكم واذا غاب هذا الحكم يعني ان لا مباراة ولا لاعبين منضبطين في الملعب وبصريح العبارة هذا ما يحصل عند غياب الدولة خاصة وان النشاً قد تربى على قلة الاخلاق والحقد على الاخر والضغينة ضد الغير . هذا الاخر الذي لم يعد مقبولاً ان لم يكن من الطائفة والحزب والمذهب نفسه فالويل لهذا الوطن من مستقبل قد يلغي تعايش اهله وشراكتهم فيه.

اللهم ارسل على زعماء لبنان

اللهم ارسل على زعماء لبنان وشعبه كسفا من السماء وبلاء لكي لا يبقى احد في هذا البلد

يحرم بيع وشراء السلاح 1

نظرا لأن الأعتدة الحربية يؤدي سوء استعمالها وتوظيفها إلى كوارث ومآسي ودمار وسفك دماء وقتل، فإن بيعها وشراؤها غير جائز.لا شك أن العالِم لا يستوي في نظرته ورؤيته وفهمه والجاهل.والذي لا يهتم بإنتاج ما يحتاجه، فإنه لا يملك العلم الكافي الذي برفعه لمرتبة يكون لديه فهما ونظرة ورؤية سليمة للأمور. جاء في الحديث مما سُمع أبي عبدالله عليه السلام أنه قاله:(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده كثرة السير إلا بعدا)(لا يقبل الله عملا إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بعمل؛فمن عرف دلته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له؛ألا إن الإيمان بعضه من بعض)(من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح). بناءا على ما تقدم، فإن الذي يمتهن تجارة السلاح من دون أن يكون مشاركا في إنتاجه، ليس في وضع يجعل دافعه يتعدى الربح المادي إلى العامل الإصلاحي كذافع إنساني، اي لا يهمه إن كان سيُستعمل ويُوظف بشكل سليم.أساسا لا يسمح له قصوره العلمي وبالتالي سوء فهمه ونظرته من إدراك حقيقة، أن الذي يشتريه لا يملك من العلم وصحة الفهم والوعي والرؤية بما يمكنه من توظيفه بالشكل السليم، قضلا عن أه غير متمكن من إدراك حقيقة أن الذي لا يعمل لا يملك علما. طبيعي أنه ليس لكل إنسان معرفة بتقنية السلاح وتصنيعه، ولكن يجب على كل إنسان أن يملك من الفهم والعلم بما يمكنه من حسن توظيف ما يتاجر به ويتم تداوله، أي لا بد أن يكون متمرسا في غير مجال نتيجة العلم ومن ثم يكسبه علم مُستَحدَث.

يحرم بيع وشراء السلاح 2

فالذي يملك العلم يدعو إلى العلم والعمل به ويدرك أهميته وأثره، كونه معايش له ويدركه ويعيه(الأثر). عن أبي عبدالله عليه السلام(العلم مقرون إلى العمل؛فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن إجابه وإلا ارتحل). باختصار ليس السلاح من المواد التي يجوز الإتجار بها وبيعها وشراءها.

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.