خواتم أنسي الحاج

مهلاً: هل يحبّ المرء حين يقول إنّه يحبّ؟
ما هو الحبّ؟
ألا تنطق أنت الساكت على الطرف الآخر من الخطّ؟
لماذا تجيب عن أسئلة لا تشفي وتصمت أمام الأسئلة القاطعة؟

■ ■ ■

أُحبّّ مَن يساعدني على حرق عمري، وأُسمّي ذلك تحقيقاً للذات.
أحبّ مَن ليس أنا، مَن لستُ هو، مَن أكره شريكه، مَن أغار من شريكه.
أحبّ مَن يُرقّيني في نظر نفسي.
أحبّ تعويضاً عن الحياة.
أحبّ لأحظى بمَن أكلّمه عن نفسي بلا نهاية فلا يملّ، لأنّه بدوره يكلّمني عن نفسه بلا نهاية ولا أملّ.
أحبّ لأنّي في الحبّ لا أكره نفسي.

العدد ١٦٨٩

التطهُّر بواسطة الإفراط.
الإفراط في التهتُّك كما فعل الراهب السيبيري غريغوري راسبوتين في عهد آخر القياصرة، الإفراط في النرجسيّة على غرار المتنبّي: تورّمت ذاته حتّى انفجرت واضمحلّت في الذات العامّة، حين تفتّقت عن حكمٍ وأمثال نردّدها من بعده رغم ورغم... لكنّ الذات العامّة ليست دائماً قدوة. الذات العامّة القدوة هي، بشريّاً، المجتمع الأمثل، وأين هو؟ وخارج النطاق البشري هي الله، وهو ما يؤمن بوجوده البعض ولا يؤمن البعض الآخر، وتذابح ويتذابح تحت رايات أديانه خرافٌ كثيرة.
التطهُّر بواسطة الإفراط.
التصوّف، التنسُّك، اللّياذ بالطبيعة، الجنس، الصوم، جَلْد الذات، المغامرة، النشوة...
أشخاص دوستيوفسكي وجدت فئة منهم الخلاص بالجريمة. نيتشه تَطَهَّر بالهدم وافتعال الضحك الباخوسي. روسّو تَطَهَّر بعرض نفسه عارية. شكسبير بتخمة التأليف. دو ساد بتحريض الآخرين على الرذيلة. روبسبيير بقطع الرؤوس. هوميروس وميلتون بتوظيف عماهما للتنوير، الأوّل نوَّر التاريخ بالأسطورة والأساطير بالحياة والآخر أرسل نوره الكشّاف ما وراء الحياة.
التطهُّر بواسطة الإفراط.

العدد ١٦٨٤

لغزٌ هذا الخروف!
كيف يعرف ويمشي! ...
هذا الخروف الذي هو الإنسان، كيف يقدر أن يقنع نفسه بأن مصيره مختلف عن مصير جاره، عن مصير هذا المريض، ذاك الشقيّ، ذلك المائت؟
كيف يستطيع الزمن أن يواصل نظامه ولا تروّعه عظام مأكوليه؟
خروف!؟ وماذا نعرف عمَّن نُهينهم؟ عمّن نعتبر أنفسنا افهم منهم؟ ما أدرانا بما يشعر الخروف المساق إلى الذبح، والخروف وهو يُعْلَف للذبح؟ ما أدرانا إنْ لم يكن الخروف، الذي نعتبره مُغفّلاً مطيعاً، أوعى منّا بمأساة وجوده؟
كيف نعرف أنّه لا يعرف!؟

العدد ١٦٧٩
يُجَنُّ جنون البحيرة من سحر سطحيّة الهواء. ■ ■ ■ للجمال إيقاعٌ يدوم بعد أن يتلاشى إيقاع الموسيقى والرقص. الإيقاع الأدْوَم طيف يترك عبورُه الحاجة إلى إدمانه. يمرّ وينسى أنّه يمرّ... ■ ■ ■ إنّما نحن، قَبْل مَن يحبّنا، أطياف. خلال حبّنا نغدو أجنحة. بعد انقضاء حبّنا نصير غياباً ووراءه اصداء.
العدد ١٦٧٣

لا ينتهي الطاغية. المجتمع الذي يُنبت طغاة، ابتداءً من العائلة وصولاً إلى السلطة، سيبقى في حالة استعداد لإنتاج طغاة مهما ثار عليهم. انتهى عصر الفراعنة قبل آلاف السنين وما زال فرعون يراود المصريّين عن أنفسهم. هارون الرشيد وبغداد. معاوية ودمشق. زعيم القبيلة في الجزيرة. زعيمها في بلدان المغرب. لويس الرابع عشر في فرنسا. نابوليون في فرنسا. ديغول في فرنسا. فرنسا جمهوريّة تحنّ إلى ملك تحنّ إلى قتله. هتلر انتحر لأنّ ألمانيا تقدر أن تنتحر: القادرون على الانبعاث ينتحرون. ستالين قتل الجميع قبل أن يموت حتّى يطمئنّ إلى عدم خلافته ويموت. ولم يمت ستالين في بوتين ولا في مَن قبله ومَن قبلهم، ولن يموت في مَن بعده ومَن بعدهم.

العدد ١٦٦٨

بلا رعشة
يروى أن في الهند مستنقعات مرتعشة بلا رياح. تضطرب كأنّها تهمس أو تُهَمْدِر. بالكاد في الجوّ حدّ أدنى من الهواء. كيف تموج وتقلق هذه المستنقعات ولا ريح تُحرّكها؟
يقال إنّ في أعماق كلّ منها أفعوان الهِدْرَة، الخُرافيّ ذو الرؤوس التسعة، كلّما تمطّى أو تَوَجَّع أو غاظه أنْ ما من شيءٍ أمامه لينقضَّ عليه، انعكس غليانه تموّجاتِ قشعريرةٍ على سطح الماء.
من أيّام، قيل لرجلٍ أمامي إنّ عينيه حجابان يخفيان انفعالاته. وأقرّ الرجلُ بأنّه لم يكن يعرف هذا.
كان يظنّ أنّ وجهه، وأنّ عينيه بالأخصّ، ترتعشان أحياناً بما قد يفيض من عواطفه. وكان ذلك يُطَمْئنه.

العدد ١٦٦٢

ماذا يقال لكِ يا سوريا؟
لا يقال للفاجعة، لأودية الصراخ والجنون،
لا يقال شيء...
عندما يصبح الدواء داءً، ما الذي يعود يشفي؟
عندما ينقلب المركب في العاصفة، على مَن يُطْرَح الصوت
والقريبُ عدوّ والبعيدُ بعيد؟
أنقذكِ الله يا سوريا!
رَمَتكِ العينُ وقد رمتنا قبلكِ، وعندك الخبر اليقين...
تَعلّمي ممّا اختبرتِ، عندنا وعندكِ، أسرعي يا سوريا!
ضُرِبْنا في فلسطين، ضُربنا في لبنان، ضُربنا في العراق، واليوم نُضْرَب في سوريا.
جُوِّفْنا لحماً وعظماً.
أين أنتِ؟
استيقظي يا سوريا!...

العدد ١٦٥٦

ما أقلّ الإنسان في بلادنا!
ما أصغره!
ما أضيقه!
وفي الحروب، والحروب الأهليّة خاصّة، يصير في نظر القويّ، يصير حشرة!
كلّ الأمم مرّت بهذا الانحدار. والغرب الذي اشترع لحماية حقوق الإنسان غرق أكثر من غيره، وحتّى أرقاه أمس واليوم، في زوابع الهمجيّة وبحار الدم، من غير تمييز بين مدنيّ وعسكريّ، وطفلٍ وكهل، وظالمٍ ومظلوم.
الى أن تَمدَّن، على الأقلّ أوروبّا، فأصبح الإنسان هناك مقدّساً.
نحن العرب شعوب طيّبة، لكنّنا، رغم عدم دمويّة العديد من مجتمعاتنا، لم نصل بعد إلى تقديس الإنسان.
هناك جماهير، شوارع، لا إنسان.
هناك شعب، شعوب، ربّما، لا إنسان.

العدد ١٦٥٠

ما دام الدم الذي يُسفك دماً عربيّاً فلن يتحرّك لحَقْنه القادرون على حقنه. سينتظرون الرابح ليبايعوه. نحن قِطَع لحم تحت سواطير السياسات العظمى. الذاكرة سرعان ما تنسى في زحام سباق المصالح، وتصبح الجثث أرقاماً أقلّ تأثيراً من أرقام درجات الرطوبة. الدم العربي لا «يَلْعب» إلّا حيث هو نفط، والإنسان العربي لا قيمة له إلّا إذا كان ذا نفع للصهيونيّة ومستعمراتها الأميركيّة والأوروبيّة.

العدد ١٦٤٤

الجبل بالنسبة إلى أهله هو حضن الأم وحصن الأب في جسمٍ واحد. النقطة فوق الصاد هي الفارق وهي الجامع.
لا شيء في الأدب اللبناني بمثل حمّى شغف القرية لدى شعراء كالياس أبو شبكة وأمين نخلة وميشال طراد وصلاح لبكي، تارةً باسم القرية وطوراً بتعميم عقائدي إطلاقي هو «لبنان» كما عند سعيد عقل. حنّوا إلى الجبل وهم فيه، كأنهم حدسوا بضياعه. لم يوازهم من الجيل اللاحق في عشقهم المختلج هذا إلّا فؤاد سليمان، حيث أوجاع الانسلاخ عن القرية أَشدّ هولاً من وجع الانسلاخ عن الحياة. أمّا عاصي ومنصور الرحباني فلم يكن فيهما إلّا الجبل، صخره ونهره، وعره وواديه، أجراسه ورؤاه وأصداء أرواحه.

العدد ١٦٣٨