خواتم أنسي الحاج

«أريد أن أراني كيف أكون وعيناي مغمضتان». عبارة للفيلسوف والروائي والمربّي الألماني جان بول (1763 _ 1825). من أبرز نظريّاته «الروح الجميلة». نقاء الذات، معارضة لأذى العالم، معتبراً هذا النقاء قاعدة لانبعاثٍ روحيّ يبتغي الوصول إلى «الإنسان الجديد». هذه النظريّة، وقد كان لها عظيم الأثر في الرومنتيكيّين وغيرهم، شعراء وموسيقيّين ومفكّرين (كشيلر وغوته ونوفاليس وهاندل وباخ وروسّو وكيركيغارد) تجاورت لديه مع نظريّات ومفاهيم بدت متناقضة، لكن عبقريّة جان بول ما لبثت أن واءمت بينها فالتقت على ضفاف رؤاه روحانيّة شفّافة سخيّة، ومشهدُ كونٍ بلا غاية ولا معنى، فريسة للخواء والفوضى، إنّما بلا تيئيس، بل بسخريةٍ ناعمة وأرستقراطيّة متعالية على المنغّصات.

العدد ١٧٥١

يقاتلوننا بالرعب وندافع بتغريز الأظافر في الحياة. لا هوادة في الغريزة، وجهاً وقفا. نخاف، ونأبى أن نخاف. ترتعد فرائصنا وجلاً وتتجمّد قرفاً وتترمّد يأساً، ونحلم، ونبتسم، ونُعْجَب، ونندهش، ونتحمّس، ونأكل، ونشرب، ونرقص، ونسهر، في وجه المسدس والرشّاش والدبّابة، فوق النهر، فوق القبر، في عين الليل وعلى ذرى النهار.
يجتاحوننا بالتهديد والإبادة وندافع بالحريّة.
كان بودّنا أن نقتل قاتلينا. حقّ لنا وواجب.
لكنّه من غير نصيبنا.
فهل أقلّ من أن نجرّب تحويل عجزنا عن القتل إلى محبّة؟

العدد ١٧٤٥

الحبّ غير المستجاب زنبقةٌ فوق عَدَم.

■ ■ ■

منارةُ الحبّ الحَدْس.
قد يحتاج الحدس إلى العتمة ليرى نوره.

■ ■ ■

تعشقها ولا تصبر على غيابها.
تملأ دنياك. إنّها حياتُك.
... وأنت في غيابها وحيد ووحيد في حضورها.
الحبّ يملأ الفراغ ولا يلغي الوحدة.
الحبّ يزيد الوحدة.
إنّه اللامحدود في قفص.

■ ■ ■

ترى في الجنس شيطاناً، فتحصر حبّها في الطهارة.
امرأةٌ عَصيّة كهذه أين تهرب إنْ أتاها الجنس في شكل ملاك؟

العدد ١٧٣٩

صارحني أصدقاء بخيبتهم من مقالي الأسبق «إلى الخائفين». كان استغاثة سلام وسط غَلَيان الانقسام، وهم يفضّلون أن ينحاز الكاتب ليعرفوا أَمَعهم أم ضدّهم؟ إذا ضدّهم لعنه الله، وإذا معهم فليزدهُم يقيناً.

■ ■ ■

أفهم التعطّش إلى الكتابة المنحازة، فهي تفرّج، ولا سيما في ما يتعلّق بسوريا، فما أكثر المتحايلين هنا ومتجنبي تسمية الأشياء بأسمائها، لا خوفاً من الاغتيال فحسب بل تحاشياً لإغضاب القارئ، والقارئ السوري، لمَن يعرف، غالٍ جدّاً على القلب. أفهم التعطّش إلى الصراحة، إلى الانحياز والحسم، وأفهم الانزعاج من التبشير الأخلاقي الذي غالباً ما يبعث على الملل إنْ لم نقل على استهبال الكاتب. أنا أيضاً عندما أقرأ، أتعطّش إلى ما يَشْرح صدري ولا أطيق الدوّارين والدراويش. قد أكون منهم أحياناً ولكن هذا لا يتناقض وكوني لا أطيقهم، لأنّي لا أطيق نفسي حين أتشاطر، مستسلماً لمستلزمات الإقامة في ظلال أنظمتنا «الديموقراطيّة» ومجتمعاتنا الطيّبة المتعصّبة.

العدد ١٧٣٤

قلّما برّز صحافي بوصفه صحافيّاً مثلما برّز غسان تويني. هو الصحافي وأكثر. كأنه السقف. له كتب، بل له مجموعة شعر بالفرنسيّة، وله ماضٍ كاستاذ جامعي، وعمل نائباً ووزيراً وسفيراً، لكن حضوره كان حضور الصحافي وحضوره الصحافي كان مشحوناً بالسياسة والثقافة والعلاقات الواسعة ومغناطيس مهيب يجعلك تحسبه، كما وصفه مرة أحمد بيضون، أطول ممّا هو.
لا الصحافة الميكانيكيّة (تحرير أخبار، تعبئة فراغات الخ...) بل صحافة الخَلْق. كان شهيراً بعناوينه، وهي في الحدّ الوسط بين الكلاسيكي والجديد، وفي كليهما يستحث الدماغ، وفي السنين الاخيرة اضيف القلق والهلع الى استفزازاته السياسيّة والفكريّة، فقد بدأ يفقد الامل بكل شيء.

العدد ١٧٢٨

يستطيع المرء أن يتجرّأ على الله بدعوى الألم أو الحريّة ويظلّ ضمن حقوقه، ولا يستطيع أن يقتل طفلاً ويبقى إنساناً.
ما من حقّ يستبيح الأطفال.
أيّاً يكن المستبيح وأيّاً تكن قضيّته.
لا نعرف مَن ذبح أطفال الحولة وتلّ دُو، وقد لا يُعرف. لكنّ الفاعلين يعرفون أنفسهم، وسواء انتصروا أو انتحروا فلن تُطوى الصفحة ولن يُكفَّر عن الفظاعة.
إذا كانت البيئة التي أنتجتهم من الماضي فليجرفها الماضي، وإذا كانت من المستقبل فالموت أشرف من معايشتها في المستقبل.
ولا يغيّر في الأمر احتمال كون الصور التي بُثّت هي لمجزرة أطفال عراقيّين لا سوريّين. الأطفال مملكةٌ واحدة.
نرفض أن نصدّق أنّ الذين غمّسوا أيديهم بدماء الثلاثين طفلاً، وقبلهم مئات بل ألوف الأطفال، هم ناسٌ نتشارك وإيّاهم اللغة والمصير. نرفض فكرة كوننا نعيش وإيّاهم على أرضٍ واحدة. لن نصدّق بعد اليوم أنّ إسرائيل أكثر بربريّة منّا.

العدد ۱۷۲۲

الساكت عن الشرّ ليس شيطاناً أخرس، فما من شيطانٍ أخرس وما من شيطان غير أنا وأنت. الساكت، المغضي عن الباطل، جبان. الرأي المغضي عن باطل «أصحابه» والناهش في باطل «الفريق الآخر»، رأيٌ أعور. الشيطان رأيه صدّاح ولا يخشى لومة لائم. التشبيهُ بالشيطان افتراءٌ على هذا المخلوق الملائكي. لو كان في الشيطان خِزْيةُ شهادة الزور لجامَلَ الخالق وسجد للمخلوق. لو كان الشيطان.
لكنّ الشيطان هو أنتَ وأنا أحياناً.

■ ■ ■

كلامٌ عن الغيب والذات، ونحن على حافّة التدهور؟ إنّه اعترافٌ بعجزِ الكلمة أمام البغي والفساد. هذه الفضيحة هي بالأكثر فضيحة المجتمع والسلطة، وفي حمى الأجهزة والأحزاب والأديان. فضيحة انحلال الضمير وتَعفُّن الأخلاق في الطبقات الحاكمة على اختلاف سلطاتها وجنسيّاتها، فضيحة العالم السياسي _ الإداري _ القضائي _ القانوني _ الاشتراعي _ الأمني، لا فضيحة الكلمة.
حين لا تعود الكلمة تنفع تكون الجِيَفُ قد حلّت محلّ العقول، والقبور محلّ الأوطان.

العدد ١٧١١

لأنّ الكتابةَ أكبرُ من الكاتب والفكر أكبر من الرأس، يعكس السائرُ ظلالاً أضخم من حجمه ويترك وراء صوته صدىً أبلغ من صوته.
هل صدفةٌ هذه المفارقة؟ مجرّد رَمْية نَرْد أنْ يكون صنيع الإنسان أعظم من الإنسان، أحقّ منه بالوجود؟ أم الصُدْفة لؤلؤتنا التائهة، يتاح لنا بين حين وآخر أن نلتفت أو ننحني فنجدها قَبْضَ اليد، طيّ الماء، عند اللازورد، لدى غيمِ الوجه أو في العينين؟
لو كان على الخالق شاهدٌ أثناء التكوين... لعلّه كان سائِلَهُ مَن البادئ: الكلمةُ أم صاحبها؟

العدد ١٧٠٥

الغياب خيانة.
عزاء المتروك هو الاعتقاد بأنّه سوف يلاقي مَن رموه في الغياب كما التقى يوسف إخوته في مصر.
سوف يلاقيهم في مدىً مجهول، وينكسر الغياب.
وسَنَده في عزائه قولُه لنفسه: تَقَوَّ!
كم من ترّهات تحقّقتْ!
الغياب عمى.
حضور المحبوب عودة الأنفاس إلى مَن كان تائهاً. الأنفاس ليست الهواء بل حضور المرغوب.
الغياب اختناق.
المتسبّب بالغياب معذور، كما هو الجلّاد معذور. كلاهما فوق رأسه واجب. الأوّل مُجْبَر بخُلْقه والثاني بوظيفته. كلاهما مسيَّر. لكن الغياب قاتلٌ غير معذور. الغياب هو ما سَبَق التكوين. لم تستطع الطبيعة احتمال الخواء فتفجّرت من اختناقها ودَحْرَجَتْ صخورها وانجلت الحياة. الحياة التي هي الحضور. الربيع أجمل الحاضرين لأنّه يتدفّق بغير مشورة، مستهتراً بالتقاليد والأخلاق، الربيع الضيف الذي لا يريده أحد أن يرحل.
الغياب هو الوجود ما قبل الله.
مَن يَوَدّ العيشَ بلا وجهٍ يشرقُ عليه إشراقةَ الله؟

العدد ١٧٠٠

أنتِ صورتُكِ. صورتكِ مصدرها أنتِ، شكلكِ، صوتكِ، إيقاعاتكِ الخفيّة المتماوجة في نفسه، الناشبة مخالبها في حواسه، صورتكِ مصدرها أنتِ وليست تزويراً أو وهماً، لكنّها، مع هذا، مخلوقٌ مستقلّ بكامل مواصفات المخلوق المستقلّ، المستبدّ، له قاموسه وطقوسه، وعليكِ واجب حماية هذه الصورة كأنّها تماماً روحُكِ وجسدكِ، وأكثر.
وعلى الرجل واجبُ عدم النطق او التصرّف بما يخدش هذه الصورة، لا القلب ولا القالب.

■ ■ ■

وأنتَ أيضاً صورتكَ، ولكنْ مع أسبابٍ تخفيفيّة معظم الأحيان. المرأةُ لا تتعامل مع أسطورتك بل مع واقعك. يتبقّى من وهجك الخارجي فيها مقدارٌ «طبيعي» لا مبالغةَ فيه. قد تنبهر بمظاهرك وشهرتك أوّل الأيّام وسرعان ما تبدأ تراك على حقيقتك. كأنّ الواحدة عجنت الواحد منّا وخبزته وأكلته مراراً قبل أن يُخْلَق. المرأةُ سبقت الرجل إلى الوجود.

العدد ١٦٩٥