خواتم أنسي الحاج

حوالي عبّاس بيضون

لا يسخر رأساً بل يعطي قارئه أنْ يسخر. أنجحُ طريقةٍ روائيّة (وغير روائيّة). وَضْع القارئ في الجوّ دون إلقاء الخطاب عليه. مداورةٌ مستحبّة بل حِرَفيّة تماماً. عكسُها توجيهيّ وغالباً سطحيّ.
وجمل حرّاقة مثل هذه: «طالما كنتُ لا مبالياً تجاه المسلّحين وحتّى تجاه موتهم، أشعر أنّهم يستحقّونه وأنّ هذا، تقريباً، عملهم. أشعر أنّ حامل السلاح يصبح ميّتاً لمجرّد حمله، يصبح آلةَ سلاحه لا العكس.

العدد ١٩٣٣

لم يعد هناك مفاجأة في ما يُحَضَّر للبنان. كلّه صار وراءنا. بالكاد تغيّرت وجوه. الباقي صامد في مخالبه ونواياه. والوكلاء والمنفّذون جاهزون. بالكاد هناك شخص شخصان يعذّبهما التردّد، يتوجّسان من الغَطْس. الباقون محسومة لديهم. لم يعد هناك مفاجأة في ما يُحضَّر للبنان.
نكتب من وحي الجوّ العام. نكتب من باب الصحافة. كأنّنا نحكي عن شيءٍ حصل وليس قد يحصل. رائحة الإعادة تزكم الأنوف. «حزب الله» محلّ «الحركة الوطنيّة» ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، و«تيّار المستقبل» محلّ الكتائب والأحرار وحرّاس الأرز. تغيّرت الهويّات الطائفيّة لمواقع الثقل وظلّت قواعد اللعبة على حالها.

العدد ١٩٢٧

سوريا في كتاب
«المطالب الصحيحة للشعب السوري، وهي الحريّة والديموقراطيّة والقضاء على النهب والفساد، ومحاسبة اللصوص والمجرمين، وتأسيس دولة عصريّة جديدة، لا يجادل فيها أحد. لكنّ هذه الغايات النبيلة راحت تتحوّل على أيدي الجماعات التكفيريّة والجماعات الثأريّة والطائفيّة والعصابات المقاتلة إلى مجرّد صرخة (...) وما نخشاه هو أن تكون غاية الحرب في سوريا هي فرط الجماعة الوطنيّة وتفكيك الاجتماع البشري السوري، الأمر الذي سيؤدّي إلى فرط الدولة التي نشأت على فكرة العروبة، عقب الاستقلال، وسيكون من المحال إعادة تكوينها إلّا بصورةٍ شوهاء، وعلى هيئة المجتمع المفكّك والمتكارِه والمتعصّب.

العدد ١٩٢١

ما هو أغلى
على هامش الضجيج حول قانون الانتخابات النيابيّة:
إذا كنا نفهم تأييد العماد عون لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي» بوضع هذا التأييد في سياق سياسات عون بعد عودته من باريس، فإننا لا نفهم تأييد الكتائب والقوات. إن كان من باب اللحاق بالقطار فهو باب يُضعف شوكة الهارعين إليه. لقد سبقهم عون وما كان على الموارنة الآخرين إلا أن يتشبّثوا بمبدأ التعايش الذي على أساسه قام لبنان. كانوا سيربحون أنفسهم ولو خسروا الانتخابات.

العدد ١٩١٥

لماذا لا أصدّقه؟ سؤال أطرحه على نفسي كلّما انتهيتُ من قراءة مقالٍ لبعض الصحافيّين أو شاهدتُ إطلالةً لمتحدّثين تلفزيونيّين. كلمات هؤلاء منفصلة عن عيونهم، أصواتهم في مكان وصدورهم في مكان آخر.
لا أظنّه نوعاً من الفصام غير الواعي، بل هو في الغالب فصامٌ مقصود.
تُعجِب هذه البراعة كثيرين من القرّاء والمشاهدين. كيف؟ لأنّهم أبرياء. حتّى صرتُ أجزم عن هذا أو تلك بأنّهما بريئان لمجرّد انخداعهما بهؤلاء البارعين.
هل من المجازفة الادّعاء بأنّ معظم شهود الزور هم من الأقليّات؟ أوصَلَتْهم ظروف الخوف أو الانتهازيّة إلى التلوُّن فامتهنوا لغة الرياء والنفاق. تبدَّل فيهم، مع المراس، اللسان والقلب. حتّى لو ماتوا سنرتاب بحقيقة موتهم.

العدد ١٩١٠
عمر مكتوب أجمل ما في كتاب «أوراق من عمر مكتوب» لمنى بارودي الدملوجي (دار نلسن، مع مقدمة لسليمان بختي)، لقاء الأخطاء اللغويّة بالإحساس الطاهر والعبارات الآسرة. تروي السيّدة منى ذكريات عمر بين تأثيرات القرية (عين الرمّانة _ عاليه) عبر أجدادها وسائر ذويها، ونشأتها في شارع جان دارك برأس بيروت ودراستها من ابتدائيّة مس أمينة _ «البروتستانتيّة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها» _ في الحيّ، إلى مدرسة البنات الأهليّة في وادي أبو جميل، التي كانت (حوالى الأربعينات من القرن العشرين) بإدارة أديل كسّاب، ثم تسلّمتها خالة المؤلّفة، وداد الخوري المقدسي، أو وداد قرطاس في ما بعد.
العدد ١٩٠٤

تقول العرب إنّ للعبقريّ جلالاً وتفوّقاً استمدّهما من قريةٍ تسكنها الجنّ. ولشفيق معلوف قصيدة شهيرة باسم «عبقر» ما زلتُ أذكر غلاف كتابها ورسومه الداخليّة وورقه الأصفر الفاخر، وكنت في السابعة من عمري وطريح الفراش. وقع الكتاب المُهدى إلى والدي بين يدي وقوع الصاعقة في فنجان، فأذهلني عنوانه ورسومه ولون ورقه وكلمات استطعتُ أن أفهمها وكانت كافية لإغراقي في انخطافي وإطلاق العنان لموحياتٍ غامضة في نفسي الطريّة المفطورة على العَجَب والقلق.

العدد ١٨٩٩

رعب

أُبحر في المواقع الالكترونيّة فأرتعب. تعصُّبٌ دمويّ يفوق التصوّر. وصل المسلمون بهذا التراشق الالكتروني بين سنّة وشيعة إلى سقف الحقد، إلى قعر الغريزة.

العدد ١٨٩٤

أتيح لي أن أحضر سهرة خَتَمها فريد الأطرش بالعزف على عوده. ويومٌ جلس فيه وليد عقل إلى البيانو مع بولونيز شوبان. وليلة في الأرز سمعتُ خلالها محمد عبد الوهاب يصلّي همساً خلف الجمهور من أجل نجاح لحن «سَكَن الليل» الذي خصّ به فيروز افتتاحاً للمهرجان. وسمعته مرّة ثانية خلف جمهور مسرح معرض دمشق يتمتم تعاويذه كأيّ موسيقار ناشئ من أجل أن يلاقي لحن «مُرَّ بي» الذي خصّ به فيروز ذلك العام، النجاح المرجو. وأتيح لي أن أشهد فيروز تجرّب أداء إحدى أغانيها في منزل انطلياس القديم بينما عاصي يعزف تارةً على البُزُق وطوراً على الأرمونيوم (أو البيانو، لا أذكر).

العدد ١٨٨٩

ناهضون
لماذا نحور وندور ونتوتّر ونتهاجم؟
الحلّ هو القول أنّ الكلّ في لبنان أوادم! لا قَتَلَة ولا فاسدون. لا لصوص ولا خَوَنة. لا مجانين ولا كذّابون. الشعب سعيد وجميعه قتيل. من لم يقتله الرصاص قتله الكلام (والسكوت) وحوادث السير الإجباريّة.
... وأنْ نمضي في نفاقنا فنؤكّد أنّ العدالة فخّ، وأنّ التيه أجمل، وأنّ مَن قَتَل سوف يَقتل ومَن قُتل سوف يظلّ يُقْتَل.
لو كنّا مجرّد شعبٍ صغير لكانت عقدتنا مثل عقدة جميع الشعوب الصغيرة: إرادةُ الظهور كعمالقة. لكنّنا شعب طوائف. (كنّا ثماني عشرة طائفة وأصبحنا، مع عملاء إسرائيل، تسع عشرة) وكلّ طائفة تريد نفسها سلطانة البرّ والبحر.

العدد ١٨٨٣