خواتم أنسي الحاج

أنسي الحاج عندما يَهمّ الموسيقار بوضع لحن فكأنما هو يعتزم الإتيان بما يُعوّض علينا... ما يُخفّف الألم في حَسَدنا للموسيقار هو استسلامنا لعجزنا عن تقليده. نُبْدل الحسد بالإعجاب. وكلّما كنّا أَحْسَد، كان إعجابنا أكبر. الموسيقار هو الدماغ الوحيد الذي نحسبُهُ قَلْباً.
العدد ٣٦
أنسي الحاج هناك كلام لا يُقال إلّا في البراري. وحدكَ، وجهكَ لوجه البرّيّة. كذئبِ الصدق على عرشه. *** قَبْل الشروق أو قبل المغيب، تَصِل، تَدْخل، وتُعْلن. لا شيء أعمق من إصغاء البراري. *** ماذا تعلن؟ ما يمور فيك ويحار، ما يُمزّق الضمير، ما يُخجّل ويُعاب. تعلن سرّك. تعلن الخوف الإعجاب الحبّ. الخوف من فقدان التوازن، من الارتطام في العتم بعضنا ببعض، من التشظي حماقةً، من الخوف، من فقدان التمييز بين النفاق والتسوية، فالثانية تَواضُع محبّةٍ بعيدة النّظَر، والأول خيانة.
العدد ٣٠
أنسي الحاج بعد حين، في المطارات الغريبة أو على السرير، تحضركَ فكرة كيف أنّ ما كان يتراءى لك خطيراً ويَرْتهن مواقفك، لم يعد مهمّاً. هبط هبوط الحمّى عند المريض. ويتجاذبك شعوران: واحد بأن الخطير إنما كان قدرتك على إضفاء الخطورة أو شدّة تجاوبك مع المؤثّرات، وآخر بفداحة بطلان الأشياء. ثم تنظر فترى «قدرتك» الآنفة الذكر مجرّد خداع للذات، وبرهاناً على ضعف مناعتك، ولعبةَ سراب أو سراب لعبة. والأشدّ إيلاماً هو أن «اكتشاف» هذه «الحقائق العارية» يحصل ببساطة مروّعة، بساطة لحظة إشراق هدّام، بساطة الموت بعد حصوله.
العدد ٢٤
أنسي الحاج كان يُظَنّ أن مصائر الدول الصغرى تبقى رهن الخارج حتى تلمع في سمائها أسماء عباقرة من أفرادها فتُقيم لها سياجاً معنوياً، يحميها لأنه يوسّع حدودها الروحية إلى ما هو أكبر من كبرى الدول. رموزها غطاؤها، إشعاعهم يُخجل القوة. لم يعد هذا فاعلاً في لبنان. الدسائس باشرت نَخْر المعادلة عشية بدء «الحروب» عام 1975، بتشويه سمعة أسماء جامعة للشعب، وبالترهيب والرشوة والاغتيال، مما لم تُروَ حكاياته بعد. ثم، مع تراكم الويلات وتوالي الانحدارات، لم يعد ثمة كبيرُ حاجة إلى أصابع الظلام: صارت بُنْيةُ المجتمع من الاهتراء بحيث تَخترقها أصغر رزمة لا من الإشاعة أو الرصاص بل من الدولار.
العدد ١٨
أنسي الحاج أحلى ما في الكََرَم ليس العطاء، بل كونه مُفسداً يتخفّى في مظاهر النبل. مشهد الطريدة أجمل في كل حين من مشهد الصيّاد، لأنّ تَخيُّل البراءة التي ستُغدر يعكس إمّا رغبةً فينا وإمّا توقّعاً وإمّا ذكرى. خيال الطفل ابن ذاكرته السابقة لولادته. لا تُسمّ ما تكره حتى لا يصغر نطاق الكراهية. ليبق ذلك في الصدر، حيث شهوة الانتقام مملوكة، والقتل موصول بالبعث فالقتل، ودم الضغينة يتدفّق وسط حراسة يؤمّنها مصدر متفهّم مجهول. الإغراء اثنان: واحد لاستمالة معشوق وآخر لإرضاء جمهور. الأول حلاله في حرامه والآخر حرامه في حلاله.
العدد ١٢
أنسي الحاج ما من فئة لبنانيّة لا تقيم روابط مع جهة خارجيّة. ظاهرة هي واحدة من آلامنا التي حوّّلها التفاؤل اللبناني، في المراحل الإيجابية، إلى مصادر غنى تظل محفوفة بالخطر. خطر التضخم وتجاوز الحدود. والخطر الأكبر: ضياع الذات في متاهات التغريب المطلق أو التشريق المطلق أو أي ارتهان مُطلق، حيث لا يعود للبنان معنى تعدّديته الخلاّقة الفذّة، بِنْت أصعب الحريات وأمّها. لا بأس إذاً في الروابط ما دامت روافد وجسور انفتاح وتلاقُح ثقافي. وقد نجح ذلك حتى في ظلّ الاستعمار العثماني. وفشل حين لم تستطع الفئة أو الفئات اللبنانية منع حليفها الخارجي من استغلالها ضدّ نفسها وضدّ سائر اللبنانيين.
العدد ٦