خواتم أنسي الحاج

لماذا يتمكّن الموسيقيّون من التعبير بالموسيقى ولا يستطيع الكتّاب؟ لماذا يقدر الملاكمون والمصارعون أن يعبّروا بالضرب ولا يستطيع الكتّاب؟
ولنبقَ في الموسيقى، حتّى لا ننساق إلى الإفصاح عمّا سنندم عليه لحظةَ الإفاقة من ساعة الحقيقة.
أعتقد أنّ الأدباء إجمالاً يشعرون بالنقص حيال مؤلّفي الموسيقى. كبار الشعراء ماتوا وفي نفوسهم شيء من النوتة. ضاقت الأوزان بفكتور هوغو فابتكر بحوراً جديدة وضاقت ببودلير فلجأ إلى النثر. وناطح فاليري الرياضيّات والفيزيائيّات والفلسفة علّه يخترق الجبل إلى موسيقى أقرب إلى الموسيقى فباء بنظمٍ متحذلق لن يتبقّى منه الكثير. وجُنَّ ماللارميه باللفظة ــ لفظة «أزور» تحديداً ــ وراح يتقعّر ويوغل في التنظير حتّى انتهت محاولاته بخلاصةٍ عَدَميّة هي عبارة عن مغلَّف للعقم. لكنّ مالّلارميه نجح في جعل العقم مرادفاً للكمال.

العدد ١٩٩٦

لنفترض أنّ المرأة والرجل لم يُخْلَقا بعضهما لبعض. ولا عبرة في الانسجامات «الاجتماعيّة» أو الرضائيّة ولا في الانجذابات الخاطفة: الأولى اتفاقات تتعلّق بالتقاليد والمظاهر ولا تتّصل بالجنس والشغف، والثانية هي جوهر الموضوع، فكونها انجذابات خاطفة هو ما يطرح السؤال حول غلطة (أم لا غلطة) البناء على كون هذين الكائنين وُجدا ليتساكنا ويتحابّا ويحفرا الزمن بمسيرتهما المشتركة، أم أن ارتباطهما عقاب لهما.
لا ريب في وجاهة الانخطافات العابرة. لا ريب إلى حدّ الظنّ بأنّها قد تكون وحدها المحتملة، بل وحدها الطبيعيّة. إذا صحّ ذلك تكون لانهائيّة العلاقات حلالاً ورحمة ويكون الارتباط فريضة ظالمة للإنسان، والتساكن أشبه بتعايش السجناء في زنزانةٍ واحدة.

العدد ١٩٩١

هذه نهايات عصور. فلنتفاءل بها كممرّات إلى بدايات.
بعض النهايات كان يجب أن تحصل أيّاً تكن عواقبها. هناك أزمان يشكّل مجرد استمرارها اعتداء على الحياة وتورّماً في التاريخ.
فلنتفاءل بالنهايات. قد يتلوها ما هو أسوأ منها ولكنْ لا نخفْ: ما إن تُفْتح بوابة الانتهاءات حتّى يصبح التغيير أسهل الأمور. فلنغرق في تيّار التغيير، أفضل من أن نغرق في استقرار التخلّف.

العدد ١٩٨٥

أنا وأنت ناقصان

انظرْ إلى صور القتلى، مَن يَقْدر أن يَقتل هكذا؟
الجميع،
... إلّا أنا وأنت... لأنّنا ناقصان.
يجب أن ننتظر بشراً آخرين يتوقّفون عن فعل هذا،
بشراً ناقصين مثلي ومثلك،
ناقصي الصلابة، ناقصي العضلات، ناقصي البطولة، رخوين جبناء مثلي ومثلك.

العدد ١٩٧٩

في السنوات الأخيرة، وخلال العام الفائت بشكل خاص، تَصدَّرَ المشهد بروزُ المشايخ على الشاشات، متوتّرين من مصر إلى السعوديّة ولبنان، كلٌّ يفتي على اجتهاده وبعضهم يُكفّر القريب قبل البعيد. ولم تعد «الجزيرة» سبّاقة بالشيخ يوسف القرضاوي، فسائر الشاشات باتت حافلة بالعمائم.
أكبر الظنّ أنّ أمر اليوم صادر من الرياض، فمقابل السيّد حسن نصر الله يُراد رجال دين يسدّدون الإصبع ويرفعون الصوت ويتوعّدون. لقد طال استئثار نصر الله بالمنبر.

العدد ١٩٧٣

«علامات الدرب»
خلال مطالعة السيرة الذاتيّة «علامات الدرب» للصحافي العريق سليمان الفرزلي (صدرت في لندن عن «اللبنانيّون المتّحدون للصحافة والنشر»)، استوقفتني محطّات يرفع فيها الكاتب الستار عن أسرار تاريخيّة خطيرة. عاصر الفرزلي أغنى العقود بالأحداث وعرف أبطالها عن قرب، ولا سيما منهم أركان حزب البعث ابتداءً من مؤسّسه ميشال عفلق.
آخر مرّة اجتمع فيها الفرزلي إلى عفلق في قصر الرشيد ببغداد كانت عام 1975. كان مؤسّس البعث قد غادر لبنان عقب انفجار الحرب بعدما غادر سوريا عقب صدور حكم بإعدامه. وصول البعث إلى الحكم في العراق وسوريا عن طريق الانقلاب العسكري كان من مضاعفاته تلطيخ صورة عفلق. يقول الفرزلي: «أُسيء فهم أو تشويه فكرة عفلق الأمّ حول مبدأ «الانقلابيّة» لاستنهاض الأمّة.

العدد ١٩٦٨

ما يتلبّد يتبدّد
واحد من أمرين: إمّا أن يكون وراء تصعيد التجهّم الديني الإسلامي أصابع دُوليّة وإمّا أنّه ناتجٌ طبيعيّ من النسيج الاجتماعي والثقافي الإسلامي.
في الحال الأولى تصبح الظاهرة استجابة داخليّة لحربٍ على الإسلام غايتها تسريع إغراقه في التخلّف وتعطيل أيّ محاولة لعصرنته، سواء بالطراز البورقيبي وقبله الأتاتوركي ثم الناصري والبعثي، أو عبر ربطه بالحداثة التكنولوجيّة والاقتصاديّة كما حصل ويحصل في بلدان الخليج. يغدو التشدّد هنا قناعاً لطابورٍ خامس.

العدد ١٩٦٣

أزمة الصحافة
واجب الصحافة، عندما يتخندق الوضع بالشكل المتخلّف والطائفي المتفجّر الحالي، أن تصرخ في وجه الجميع. والبداية في وجه نفسها.
أثناء الحرب الأهليّة في لبنان كان هذا واجبها ولم تقم به بل خاضت حتّى الركب في التحريض على الفتنة. وبعضها خَلَط بين الحياد والجبن، ورأى في بيلاطوسيّته ترفّعاً، وما كان ذلك سوى هروب نحو شهادة الزور.
اليوم أسوأ.
كانت صحافة لبنان مدرسة للعرب وأمست، بعد ظهور صحافة الخليج وشاشاته، فرقاً لقبائل الانقسام ومافيات المال. كانت خليّة فكر وأدب وأضحت صورةً عن انحطاط السياسيّين وتعفُّن المجتمع.

العدد ١٩٥١

جبهات سنيّة متوتّرة بعضها في وجه بعض. إخوان مسلمون ضدّ سَلَفيّين وسلفيّون ضدّ تقدميّين (أو فقط محافظين مسالمين) وعلمانيّون ضدّ إخوان. وهّابيون يساندون الإخوان ووهّابيون يعارضونهم. لم تعرف المجتمعات الإسلاميّة السنيّة غلياناً كهذا منذ أقدم العصور. دون أن نذكر التوتّر السنّي _ الشيعي الواقف متأهّباً على الحافة في لبنان والمتقلّب بين سلمي وعنفي في البحرين والغارق في الدم بين العراق وسوريا وباكستان. فضلاً عمّا أخذته هذه الحمّى بطريقها من أقليّات العراق المسيحيّة وما تهدّد بأخذه من أقباط مصر.

العدد ١٩٤٥

ليكنْ باقي جسدكِ في مستوى عينيكِ.

■ ■ ■

نظرةٌ تسبق سقوطاً في الأحضان مع أنّها تقول غير ذلك.
نظرةٌ محجبَّة تزيح المعطف عن عري.
نظرةٌ ستخون لحسن حظّ البراءة.
نظرةٌ وَجَدَتْني.
نظرةٌ سوف أظلّ أبحث عنها فأجدها ولن تعود تجدني.

■ ■ ■

في نظرات الغريب يختلط الخجل بالوقاحة. من مسافةِ أمتارٍ في المقهى، بين طاولةٍ وطاولة، يأخذ التجاذب مداه. يتداعب الغريب والغريبة ويتعانقان بالعيون من وراء أكتاف رفاقهما. ثم ينفرط الجمع وتؤوب رياح الرغبة.
كم من حبٍّ اكتملَ بالنظر ثم ضاع إلى الأبد!

العدد ١٩٣٩