خواتم أنسي الحاج

قال لي صديق قريب جدّاً وعارفٌ جدّاً، قال لي مدهوشاً إنّ أحدهم أبلغه أنّي «مسيحي».
لم أعرف إذا كان يقصد «مسيحي» سياسيّاً أو دينيّاً وممارسةً أو تعصّباً.
أجبته، لأنّ قوله سؤال، إنّي مسيحي مثلما المسلم مسلم حتّى لو دُعي عمر فاخوري أو عبد الله العلايلي، والدرزي درزي حتّى لو كان فريد سلمان. هويّاتنا الدينيّة هويّاتُ جالياتٍ تتبادل الخوف، ولا معنى لها إلّا عند أهل التقوى. الآخرون، «المثقّفون» و«المتحرّرون»، يحتقرونها ضمناً ويستعملونها للتجارة والانتخابات والتوتير _ أو العكس، وحال التزوير واحدة.
هل أنا مسيحي كما هو أحمد الأسير سنّي؟ قطعاً لا. أنا ضدّ كلّ أحمد أسير في طائفته، وضدّ التعصّب والانغلاق. حلمي أن يصهر كلّ لبناني إيجابيّات كلّ التعدديّات فيه.

العدد ٢٠٧١

الوجوه رموز
الرموز خالدة، يقول المحلّل النفسي كارل غوستاف يونغ، صديق فرويد ثم المفترق عنه.
...والوجوه أيضاً خالدة.
الوجوه هي الرموز.
لا وجه إلّا هو رمز.
وما نحبّه في الآخر هو ما يعنيه لنا هذا الرمز.
قد نقع على رأسنا عندما يضلّلنا الرمز _ الوجه فنتّجه صوب أهداف خاطئة في الشخص، لكنّ هذا لا يعني أنّ صاحب الوجه «مستحيل» أن يصادف رمزه، فيلتقي السراب بالماء والمتوهَّم بجسده والظلّ بالضوء.

العدد ٢٠٦٥

يتوقّف المرء حائراً أمام مشهد ملحمي يسقط فيه يوميّاً مئات القتلى بين سوريا والعراق منذ سنين وعندما يلتقي أحداً من البلدين لا يلمس في ردود فعله شيئاً ممّا كان يتخيّل. وإذا أتيح لأحدنا أن يلتقي مسؤولاً، عسكريّاً أو سياسيّاً، يحادثه عن مجازر البلدين لا يلمس لديه إحساساً بالذنب أو بالفظاعة، بل يُفاجأ بصلابة أعصابه وجمود قلبه وكأنّه ولد في العنف وعاش في العنف ومِنْ حكْم الأقدار أن يموت بالعنف.

العدد ٢٠٥٩

إذا أُريد لبلدنا أن يبدأ بأن يصبح دولة فلا بدّ له من حكم فاشستي. ماذا أقصد بفاشستي؟ أقصد بشير الجميّل سابقاً وميشال عون لاحقاً. بلدٌ سائب كلبنان لا يقوّمه غير دكتاتور. لا نخف من الدكتاتوريّة. يذهب الدكتاتور وتعود الفوضى التي نسمّيها حريّة، لكنّه يكون قد أرسى أسس دولة وضبط الموظفين مدّة من الزمن.
بالانتظار لا حقيقة في لبنان. لأنّه لا حريّة في لبنان. هناك حريّة أن يشتم الواحد الآخر ولكن ليس هناك حريّة أن يشتم الواحد نفسه وحزبه وزعيمه.
الدكتاتوريّة لن تأتينا بالحريّة لكنّها ستعرّفنا على قيمتها تحت سلطة الدولة وليس في شوارع الزعران.

العدد ٢٠٤٧

عينا فاتن حمامة أجمل من عيني الجوكوندا.
ليس في وجه الممثّلة المصريّة غموضُ ابتسامةِ الإيطاليّة، لكنّ فيه إشراق الطفولةِ الخالدة الغموض في شفافيّة براءتها.
تظنّ أنْ ليس في وجهها غير العذوبة والأنوثة، لكنّك لا تلبث أن تكتشف السخرية، سخرية لطيفة أخويّة، وسخريةٌ متمرّدة كهبّةِ نسمةِ حرير، وسخريةٌ إذا غضبت فكشجرةِ وردٍ تُزايدُ على الريح التي تراقصها.

العدد ٢٠٤١

الموافقة فالمَيْل فالشغف فالوَلَه...
ثمّة مَن عاقَب الإنسانَ سلفاً قبل المعصية. الله لا يعاقب. ليس بحاجة إلى الشرّ. مَن، إذاً؟ عوقب الإنسان إذْ خُلِق من طين. هناك مَن تسلّل وراء الله ودسّ في «التأليف» نشازاً. مجهول. المجهولُ كائنٌ ثالثٌ مخيف. هناك حروب وجرائم يقترفها مجهولون ويظلّون إلى الأبد مجهولين. لماذا لا يكون خالق الإنسان من طين عوَض الهواء أو النار فريقاً مجهولاً؟ إنّ إبليس نفسه استفظع الأمر. ما معنى أن تكون الكائنات الأخرى من هواء أو نار ويكون المخلوق الأحبّ، نظريّاً، الذي يقال إنّ الله خلقه على صورته ومثاله، من تراب؟ تراب الجماجم والأفاعي والديدان، التراب المُهدى للأقدام؟
... وأن تُصنعَ المرأة من ضلع الرجل إنّما هو وحلٌ يُصنعُ من وحل.

العدد ٢٠٢٣

عين يعقوب

لا أعرف مدى تأثّر يعقوب الشدراوي بستانيسلافسكي وبرخت ومسرح العبث، لكنّي شاهدتُ ممثّليه يبذلون أحرّ ما في عروقهم على الخشبة. كانوا يأخذون أيّ دور كان ويحوّلونه إلى معاناة شخصيّة. وكانت اللغة (الشعر، الأدب) هي عجينهم وألوانهم وخطوطهم وكرة قدمهم، كما فعل بقصيدتي «العاصفة» في «اعرب ما يلي»، أشهر بداياته في بيروت.
دائماً يموت الفنّانون والأصدقاء في الأوقات غير المناسبة. ولكنْ ما هي الأوقات المناسبة؟ كان يعقوب، لو قلنا له مثل ذلك، سيبتسم تلك الابتسامة المازجة بين القوّة والطيبة، ويُشعركَ على كلّ حال أنّه يحبّك.

العدد ٢٠١٨

«الكتاب»
أتصفّحُ ديوان «الكتاب» لأدونيس. الجزء الأوّل. (صدر الجزء الثاني بترجمته الفرنسيّة قبل أسبوع). كتابٌ مهيب. لا أجرؤ بعد قراءته أن أعتبر نفسي كاتباً عربيّاً. كتاب كهذا يفضح أمّيتي. كيف يكون كاتب عربيّاً ويجهل ما تنضح به عروق أدونيس عن الإسلام؟ ما يكابده؟ ما اقتطع شطراً عظيماً من حياته في استنطاقه ومجادلته والتصارع وإيّاه؟ تكاد كلّ ملاحظة فيه أن تكون معجماً مصغّراً. عن الإسلام؟ بل عن الجاهليّة وكلّ العرب. والأخطر في أوضاعنا المتفجّرة أنّ هذه التفاصيل باتت جزءاً من الحديث المتداول لأجيال اليوم، وبمعانيها التي على رؤوسها القتال.

العدد ٢٠١٢

العربُ أمّةٌ نادمة. رفضوا تقسيمات سايكس _ بيكو واليوم يبكون عليها ويرفضون التقسيمات الجديدة. التقاسم البريطاني _ الفرنسي يسقط أمام التقاسم الإسرائيلي _ الأميركي _ الإيراني _ التركي. شرق أوسط جديد وأمم متّحدة جديدة. أين العرب؟
في الخليج. عقلاء ينتظرون. عربُ مصر وشمال أفريقيا والهلال الخصيب يؤدَّبون حتّى الترميد. عربٌ مكروهون لقوّتهم ومكروهون لضعفهم. عربٌ مأسورون لغناهم ومأسورون لفقرهم. واحرَّ قلباه.

العدد ٢٠٠٦

في فيلم «انتر سيكسون» لم يكن الممثل ريتشارد جير (أو غير، عذراً لا أعرف) محظوظاً. فبعد سنين من الزواج بشارون ستون تعرّف بلوليتا دافيدوفيتش منتقلاً من براثن امرأةٍ فاتنة إلى مخالب طولاء (على وزن حولاء وعرجاء). قد تكون هذه الممثّلة دافيدوفيتش فعلاً، وهذا من حقّها ويناسبها ويلائم تكاوينها الخشنة، ولكن من الصعب أن تكون لوليتا. اسم لوليتا يوحي بل يقتضي حجماً ناعماً وسنّاً مراهقة وإباحيّة في تقصير التنوّرة وغنجاً في أكل البوظة. ودافيدوفيتش هذه ماردٌ قاطع الأسنان ذات تجاعيد لا تشجّع على شيء من الحلمسة. وجير أكثر أنوثةٍ منها دون ريب، خاصّةً عندما يمشي ويترقوص.

العدد ٢٠٠٠