خواتم أنسي الحاج

لا يُصلح لبنان أحد. لم يصلحه كميل شمعون ولا فؤاد شهاب، ولا أصلحه «تدخّل» عبد الناصر أو حافظ الأسد. يستطيع الواحد من هؤلاء أن يترك عليه بصمة، سلباً أو إيجاباً، كحدّ أقصى. المتصرّفون الأجانب مرّوا به وبعدهم المندوبون السامون الفرنسيّون. ورؤساء جمهوريّة ما قبل الاستقلال. يأتي الرئيس بأحسن النيّات ويذهب بأسوأ اللعنات. لا أحد يُصلح لبنان.
واقعٌ أكبر من الحالمين ومن الثرثارين. لبنان مجموعة مكوّنات بعضها لا علاقة له ببعضها الآخر وقد يتناقض وإيّاه، ومع هذا تتعايش كلّها في ظلّ تسويةٍ قَبَليّة ابتكرتها الظروف القاهرة وصقلتها الدهور وبَلْوَرَتْها صيغةٌ سُمّيت تعايشاً وسُمّيت حضاريّة وهي بالفعل تعايش حضاري، ولو تخلّلته من حين إلى حين نوباتٌ همجيّة.
لبنان لا يصلحه أحد لأنّه كيانٌ فوضويّ يرفض فكرة الدولة. المتكلّمون على الدولة، وأنا منهم، يجهلون معنى لبنان ويجهلون معنى الدولة.

العدد ٢١٣١

كبرياء الإسكندر وآسيويّته
أحسّ الإسكندر أنّ هذه الكرة الأرضيّة عذراء ولا بدّ أن يستكشفها.
وراح يستكشف ويكتشف. وممّا وصل إليه لبنان ودمّر صور العاصية.
ومضت به القدم إلى الجبال الوحشيّة الهائلة العلوّ في آسيا.
وظلّ يشعر أنّ الحدود التي قطعها وهم وأنّ الأماكن التي يكتشفها ليس فيها شيء ممّا كان يتوقّعه.
كان الإسكندر المقدوني يبحث عن سراب.
لم تشبعه أثينا وظنّ أنّ «العالم» وراء «الحدود» ولا بدّ له أن يقبض عليه.
أحرق برسيبوليس العاصمة الثقافيّة لآسيا القديمة وللأمبراطوريّة الفارسيّة وأحرق معظم مخطوطاتها العلميّة والفلسفيّة التي لم تكن تُقدّر بثمن وكانت تعتبر من كنوز الحضارة.

العدد ٢١٢٨

نحن (العرب عموماً) نتذمّر كلّما قرأنا أو شاهدنا يهوداً يستشهدون بيهودٍ ويعلون شأنهم حتّى لتبدو الحضارة، لمَن لا يعرف أو لمَن يُغْسَل دماغه بسهولة، صناعة اليهود وحدهم. ولكن هل انتبهنا إلى كوننا نحن المسيحيّين العرب غالباً ما نعظّم شأن التنويريّين في عصر النهضة، وغالبيّتهم مسيحيّة، وبالكاد نتذكّر، مثلاً، مساهمات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده؟ وعندما نعرض للدور المهمّ الذي لعبه مسيحيّان في القرنين التاسع والعاشر هما حُنين بن إسحق ويحيى بن عُديّ، ألا ننسى أحياناً دوراً بالغ الأهميّة لعبه الوزير الفارسي جعفر البرمكي الذي تفوّق على أقرانه في الغوص على العلوم القديمة في شكلها الفارسي والهندي والبابلي بصورةٍ عامة، وشكلها الإغريقي واليوناني بصورةٍ خاصّة، كما ينوّه ماجد فخري في مقدمة كتابه: «تاريخ الفلسفة الإسلاميّة»؟

العدد ٢١٢٢

عدد القتلى اليوميّين في العراق: رئيس الحكومة يحذّر من اندلاع حربٍ أهليّة. هذا الحاصل اليوم ما هو؟ حضارةٌ أهليّة؟
نكاد ننسى الحرب في سوريا. الوحشيّة التي يتساقط بها القتلى في العراق بدأت تقنعنا بأنّنا لا نستحقّ معاملةً أفضل. وحوشْ ولمَ لا؟ أغبى ما في هذا أنّنا نحسب أنفسنا أسياد مصيرنا.

العدد ٢١١٦

عدد القتلى اليوميّين في العراق: رئيس الحكومة يحذّر من اندلاع حربٍ أهليّة. هذا الحاصل اليوم ما هو؟ حضارةٌ أهليّة؟
نكاد ننسى الحرب في سوريا. الوحشيّة التي يتساقط بها القتلى في العراق بدأت تقنعنا بأنّنا لا نستحقّ معاملةً أفضل. وحوشْ ولمَ لا؟ أغبى ما في هذا أنّنا نحسب أنفسنا أسياد مصيرنا.

العدد ٢١١٦

اتخذت حلقتا «حميميّة» (الانطباع الأوّل) طابعاً لم أرده لها، وآلمني أن يعتقد أصدقاء أنّي أغفلتهم بموقف استبعادي. لكنّها الذاكرة ولا شيء آخر. ذاكرة خائنة ومسوّدة للوجه. أورد هنا حلقة ثالثة، وأنا متأكّد من كوني سأنسى أيضاً مَن يجب أن لا أنساهم، وأرجو بهذا قَفْل تلك الحلقات، وأنا لا أدري بعد لماذا الذين سجّلت انطباعي عنهم لم يعجبهم ذلك:

العدد ٢١٠٤

يمتدح عبده وازن في كتابه الجديد «غرفة أبي» (منشورات «ضفاف») الذي سمّاه «رواية سيرذاتيّة» ناحتاً العبارة الأخيرة، يمتدح الأسود والأبيض: «صُوَر تفتح نافذة ولّدتها المخيّلة فتروح تلوّن المنظر كما تشاء، تلوّن العالم كما تحبّه أن يكون. ناهيك بجماليّة الأسود والأبيض، هذين اللونين المتنافرين اللذين يمتزجان امتزاجاً سحريّاً فيتناغمان خالقين لوناً ثالثاً لا هو بالأسود ولا هو بالأبيض». ويتابع متذكّراً صورةً لأبيه كانت بالأسود والأبيض ولوّنها مصوّر أرمني: «ما قُدّر بالأسود والأبيض لا يمكن تزييفه بالألوان. لم يكن لوناً الأسود والأبيض، كان قَدَراً. إنّه اللون الذي لا لون له، ليس هو بالأبيض ولا هو بالأسود بل هو كلاهما معاً، وكلاهما منفصلين».

العدد ٢٠٩٨

ذاكرتي الانطباعيّة كائن متكامل مستمرّ في زمن واحد رغم تواليه. لا شيء هنا يهرم. يحضرني الجميع، حين أذكرهم، في أوّل لحظة لقاء. لحظة متجمّدة إلى الأبد.

العدد ٢٠٩٢

الكتّاب اليوميّون
أطالع الكتّاب اليوميّين ويتزايد اعتقادي بأنهم جبابرة. هذه الغزارة، السلاسة، الحيويّة، التجدّد، كيف يتحمّلون مواكبة حكام وسياسيين ويتعاملون معهم بالتي هي أحسن، ولو تهكموا وفي الغالب دون تسميات. جبال من المقالات.

لا أتحدث عن الكتّاب الأسبوعيّين أو الموسميّين. اليوميّون، اليوميّون من أمثال أحمد شومان وميشال أبو جودة في عهده الأول أيام انطلاقه بلا قيود إلّا الرصانة. وأتحدث عن جوزف سماحة ومقالاته المشبَعة المشبِعة، وعن فؤاد حدّاد «أبو الحن» قبل نهاية لبنان الحرّ الرائع القديم، وعن عبد الله المشنوق والياس ربابي وفؤاد سليمان (تموز).

العدد ٢٠٨٦

أيّ عالم؟
عندما تحكيني عن العالم، مَن تقصد؟ أميركا وكندا وأوستراليا والبرازيل وأخواتها أم العالم الآسيوي الذي بدأ يثأر لنفسه أم العالم الأفريقي المقتول منذ قرون ويجرجر انقتاله وهو يرقص على أنغامه لا نكاية بالغرب بل ممارسةً لمزاجه وفرحة الوجود التي تسكنه ويجسّدها أكثر من جميع الشعوب.
عندما تقول «العالم» أوّل ما يتبادر إلى ذهني شارع المنزل، ساحة ساسين، مطعم الحلبي في انطلياس، ومكتبة أنطوان. منذ سنة لم أعد أفكّر في سوريا. اختار السوريّون أن يتقاتلوا حتّى يشبعوا. هذا، في النهاية، كان نوع حريّتهم.
وطبعاً لا أفكّر في معادلات لبنانيّة عاجزة أمام دولة كإيران من هنا ودولة كالسعوديّة من هناك. أعتقد أنّ لبنان منذ الطائف واستيلاء سوريا على كلّ ماكيناته بدأ يزول، ومع الهراوي ازداد اضمحلالاً، ومع لحود انتهى.

العدد ٢٠٨٠