الملحق الاسبوعي: كلمات

اختر السيناريو الذي تريد، كانت تقول له، وهي لا تحب إلا السينما الصامتة!
يفكر بفيلم «مقصورة الدكتور كاليغاري» وهو مستعد تماماً أن يأكل حذاءه إن أرادت، ويتناول سيوره معكرونة كما فعل شارلي شابلن.

كلمات | العدد ٣١٠٢

«حب» للسوري وليد نظامي

رايموند كارفر
ترجمة أماني لازار

جرّبوا أن تفتحوا عشوائياً كتاب ريموند كارفر (1938-1988) «ما نتحدّث عنه عندما نتحدّث عن الحب»، صفحة 31 مثلاً ستقرأون: «في ذلك الصباح، كانت تصب الويسكي على بطني وتبدأ بلعقه. بعد الظهر، كانت تحاول أن ترمي بنفسها من النافذة». بكلمات زهيدة مُسنّنة، ينحت كارفر كائنات مترنّحة، بلا عمل أحياناً، بلا آفاق، ولا حس أخلاقي. يتعقب مصائر أشخاص من الطبقة الوسطى الأميركية، يعتمدون على الهوكي والسخرية وفضائح النجوم كي يعطوا معنى لحياتهم، لكنهم لا يفقدون الأمل في الإفلات من مصائرهم العادية. هولي عاملة نظافة في «موتيل»، تشرب كأساً أخرى من السكوتش كي تفهم أن «هذه ليست حياة» ومن ثم يصبح كل شيء مسبّباً للانهيار: برّاد معطّل، وجبة مع زميل عمل، بائعة فيتامينات تذرع الشارع جيئة وذهاباً... لكن لا شيء يحدث في قصص كارفر. وحين تدهس سيارة طفلاً يوم عيد ميلاده، ويلزم والداه القلقان سريره في المستشفى ناسين قالب الحلوى في المخبز، يتصل صاحب المخبز بالبيت ويترك رسائل غاضبة، هذا كل ما يحدث. أسهم كارفر في إحياء وتنشيط القصة القصيرة في الثمانينيات، قبل أن يصبح هو الآخر ضحية زجاجات السكوتش الفارغة ويصاب بسرطان الرئة. كتابه الأول «أرق الشتاء» صدر عام 1970، تلته مجموعة قصصية عام 1976 بعنوان «اصمت من فضلك» رسّخت مكانته كأحد أهم كتّاب القصة القصيرة في القرن العشرين وأظهرت النمط الجوهري القوي الذي بات يعرف بـ «الكارفري» مذكّراً بأسلوب جون شتاينبيك وإرنست همينغواي. الصوت المقتصد، المقتضب، المحايد عاطفياً والنبرة المحرّرة من الأوهام، نجدها أيضاً في ثماني مجموعات شعرية آخرها «سرعة الماضي الصاعقة» (1986) و«حتى الشلال» (1989).
«اِفْعَلي ذلك من أجلي هذا الصباح/ أسدِلي الستار وعودي إلى السرير/ أهمِلي القهوة./ سنتظاهر/ بأننا في الخارج، وعشّاق».

في المطبخ، صبَّ كأساً آخر ونظر إلى أثاث غرفة النَّوم في حديقته الأمامية. كانت الحشيَّة مجرَّدة من الملاءات المخططة كالحلوى والموضوعة إلى جانب وسادتين على خزانة الأدراج. فيما عدا ذلك، بدت الأشياء كما كانت في غرفة النوم ــ طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي ينام عليها من السَّرير، طاولة جانبية ومصباح للقراءة إلى جانب الجهة التي تنام عليها من السَّرير.

كلمات | العدد ٣١٠٢

«الحب يقتل» للفلسطيني أحمد يسري ديدبان (سيليكون على ورق عتيق ــ 100 × 70 سنتم ــ 2016)

سماءٌ صباحية داكنة يصعبُ تقسيمها إلى صور. لوحاتٌ حمراء على ألواحٍ مُنيرة من خشب ومعدن، واحدة منها تستندُ تحت البيتِ على العمودِ الذي مالَ من استنادي عليه.
مُفكراً فيما قيلِ منذ سنين عن أن الثورات رومانسيةٌ في أحد وجوهها، لذلك ترتدُ غالباً إلى بلاغة أعدائها، أسمعُ نشرة الأخبار الثالثة في الطريق نفسه الذي يقودني كل صباح إلى العمل في العتمة الـمُسدلة حتى منتصف النهار. أقودُ وعربات البلدية ترشُ الملح لتُذيبَ صقيع الفجر وتجرف ما اجتمع من ثلج الليل السابق. تحذيراتٌ متواصلة تقطع أخبار المذياع تُذكِرنا بضرورة تركيب إطاراتٍ شتوية وتُذكرُ أيضاً ــ كُلَّ صباحٍ في السابعة وخمسين دقيقة ــ بأن الملح المرشوش مع بقايا الثلج قد يجذبُ الأيائل، وعلى السائق أن ينتبه من أيلٍ يلعق هذا البردَ المالح ويكفي صدمه ليقتله ويقتل كل الركاب.

كلمات | العدد ٣١٠٢

لم يعرفوا البرد إلا في نشرات الأخبار،
والثلاجات الكبيرة في المحال التجارية
حيث لا ترف لأحدهم أن يقتني واحدة في بيته
هذا ما خبّروني به عن الإثيوبيين
أما هي
فظهرت في خيالي كلوحة لـ «غويا»
قبل أن تخاطبني هكذا
وجهاً لوجه

كلمات | العدد ٣١٠٢

ليس هذا ما توقّعته
كانتْ تنشرُ ملابسَ الغسيلِ يومياً على قوسٍ ملونٍ/ في كلّ قطعةٍ فصٌّ من الشمسِ يسقطُ على فمي، فيسيلُ قوسُ قزحٍ منه، ويرشُّ نوافذَ البيوتِ بنقاطٍ تضيءُ ظلالَ الشوارعِ والأزقةِ
الحبلُ المشدودُ يدقُّ جسدَ الجدرانِ وهي ترمي بياضاتِها عليه
يصلني هسيسُ نسيجِها، وأنا أغطُّ في نومٍ عميقٍ/ أذني مغروسةٌ في الوسادةِ
أشعرُ بصيوانِها يتراقصُ مع هفهفاتٍ بعيدة
يخفُّ جسدي ويعلو... ثم يعلو
ما عدتُ ألمسُ فراشي
التصقتُ بالسقفِ، ورحتُ أدورُ كالمروحةِ حتى ثقبتُه
وبدأتُ أعلو ثم أعلو... حتى هطلتُ على بياضاتِها مطراً جنيّاً
ليس هذا ما توقعته .....

كلمات | العدد ٣١٠٢

توضيح

أرجو ألّا تقول شيئاً غبياً الآن
كأن تدعوني إلى العشاء في الخارج
ما عيب الكنبة؟
يمكننا تناول العشاء عليها
شرب الشاي أو الويسكي إن احببت
أن نشاهد فيلماً مثلاً دون حتى الاضطرار للكلام

كلمات | العدد ٣١٠٢

«عيد الميلاد» للروسي الفرنسي مارك شاغال (80.5 × 99.5 سنتم ــ 1915)

«إنّها الحرب، الرجال بحاجة للجنس والنساء بحاجة للمال» بتلك البساطة، يختصر فيلم cold mountain الطريقة المثلى التي تمضي بها سنوات الحرب. الحب غائب، ما يدفعنا للاعتقاد بإمكانية حلول مشاعر أخرى مكانه. لكن، هل ثمّة في الدنيا ما يحلّ مكان الحب؟! بديل الحب هو الفقدان.

كلمات | العدد ٣١٠٢

اليوم
أكبركَ بعام
ما زلتُ قليلةَ النضجِ ولا أسعى لأكثر
ما زلتُ أخاطبُ الرجالَ كالنّساء
بتاءٍ مكسورة وبمعجمٍ يرتاح بين فواصل من التهكّم.

«لا ورود كيلا أحبّك»
رجاءٌ قديم حَجَبَ عنّا الأزهار الملوّنة
ولم يردع الذاكرة.

كلمات | العدد ٣١٠٢

My Time to go للمصري يوسف نبيل (جيلاتين الفضة ملون يدوياً ــ 39 × 52 سنتم ــ 2007)

هذه المرّة سينتصر الحطب على الحب. الطاء مخزن الدفء في هذا الزمهرير. سنغمض أعيننا كي لا نرى شجرة صنوبر عتيقة، تتهاوى تحت ضربات فأس حادة. إشعال الموقد بالحطب أكثر نجاعة من رنين كلمات الفالنتاين، فقد نلنا حصتنا بما يكفي من الأحمر، بالقذائف والبلطات والسيوف. خزّانات الماء فوق الأسطح بالأحمر أيضاً، لكنها فارغة. المازوت نبيذ السوري في عتمته الطويلة. كستناء البلاغة فائضة عن معجم الحب. الشموع لا تخص تمرينات الرومانسية بقدر ما تضيء سرداب المتاهة. السيئ في الأمر أنّ الكراهية تعمل بجدّ في شباط كما في أيلول، فلا مكان للعشّاق ولا للعناق في بلاد الخنادق التي بقليل من التراب تتحوّل إلى مقابر «هنا ترقد الجثث الممزقة بلا تواريخ مؤكدة لموعد الجريمة». دعك من بلاستيك الكلام وإعادة تدوير المشاعر في مطحنة الميديا، فلن يبقى في غربال الوقت ما يصلح للبقاء. العشّاق المتسكعون بجيوب مثقوبة، لا قدرة لديهم لإهداء وردة، سيكتفون بالسطو على شذرات عشاق قدامى متوفرة بغزارة في الأرشيف الالكتروني.

كلمات | العدد ٣١٠٢

أشياء تأتي على مهل

أفكرُ بك منذ ليلتين
إنها أشياء تأتي على مهل
لا نصاب بها دفعة واحدة
كلّ شيء ينفرط
الجدران
الكؤوس
والتفاح
ويصير خرزاً ملوناً يقفز حولي..
أجد الحب هكذا،
نحن في الحقيقة
نتحول حين الحب إلى كائناتٍ
يصعب جمعُها من جديد...

كلمات | العدد ٣١٠٢

أحمد شافعي
كلما أحببت
رأيت نفسي مع امرأةٍ
واقفين في شباكٍ،
أو شرفةٍ،
على شاطئ بحرٍ
أو في محطة في الفضاء.

ومن كل تلك النوافذ
تظهر الأرض كرةَ بلياردو
تنتظر دفعةً
تتدحرج ساطعةً إثرها
نحو ثقب أسود.

كلمات | العدد ٣١٠٢

أعادت «مريم الحكايا» (2002) علوية صبح إلى الكتابة بعد سنوات طويلة من الانقطاع منذ باكورتها «نوم الأيام» (1986). لكن الرواية التي تتمدد جذور سردها إلى «ألف ليلة وليلة»، صارت كالآس في أوراق الروائية اللبنانية (1955)، جاعلة منها أبرز الروائيات العربيات في الأدب الحديث.

كلمات | العدد ٣٠٩٧

المترجم السوري ورشة قائمة بذاتها

اللاذقية | حين تحدثنا معه على الفايسبوك وأخبرناه أنّنا نرغب في إجراء مقابلة معه، كان لطيفاً للغاية، لكنه سأل على الفور: هل الأسئلة جاهزة؟ لم يكن السؤال مباغتاً بالنسبة إلينا، فلطالما سمعنا وقرأنا أنَّ المترجم أسامة منزلجي يقتضب كثيراً في حديثه، ولا وقت لديه للخروج أو الجلوس والحديث مع الأصدقاء. يعيش عزلته التي اختارها في منزله في اللاذقية مع الكتب والترجمة والموسيقى. لم يعرف كيف يدلّنا إلى منزله.

كلمات | العدد ٣٠٩٧

صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر
ترجمة: أماني لازار

يروقني أننا لا نفعل الأشياء التي لا نفعلها. أحبُّ خططنا عند الاستيقاظ، عندما ينسلُّ الصَّباح خلسة على سريرنا مثل قطَّة من نور، خطط لا ننفذها قط لأننا ننهض متأخرين لفرط ما تخيلناها. أحب خدر عضلاتنا من التمارين التي نعدّها دون أن نؤدِّيها، النَّوادي الرياضية التي لا ننضم إليها أبداً، العادات الصِّحية التي ننشدها كما لو أن أجسادنا سوف تتوهج من بريقها ببساطة بمجرد توقنا إليها.

كلمات | العدد ٣٠٩٧

«سيسي» لفابريزيو أرييتا (أكريليك على كانفاس ــ 60×50 سنتم ــ 2016)

عدتُ، أمس، إلى منزلي في وقتٍ متأخر ولم تكن بي رغبة في العودة. في الشارع المؤدي إلى البيت، كان كل شيء نائماً، فيما عدا جندي صغير يبدو مراهقاً بنحافته وعينيه الكبيرتين، يحتضن نفسه، سلاحه معلق إلى كتفه وعيناه تدوران في اللاشيء.
كان الجندي جالساً على رف خشبي في نقطة مراقبة أمام بيت دبلوماسي أفريقي، وبضع شجرات على جانبي الطريق ما زالت صاحية، ساهرة لثرثرة لا يقطعها ضجيج مارة ولا سيارات. مشيتُ في هدوء، محاذرة أن أُحدث ضجيجاً، ثم تخيلتُ أن الأشجار لم يعجبها ذلك. ظَنَّت تمهلي رغبة في إغاظتها، فمرقتُ بسرعة، حتى أن الحلزون النائم في قلادة مستديرة أضعها حول رقبتي خرج من قوقعته، ومد رقبة طويلة بقرنين إلى أعلى وقال: «اهدئي، لست مستعجلاً على العودة، لم أكتفِ بعد»، فابتسمت، وطمأنته أننا سنكمل ما بدأناه في البيت.

كلمات | العدد ٣٠٩٧