جدار الصوت

يوم زينب *

لم أكن أعلم أنها ستكون المرة الأخيرة، تلك المكالمة الطويلة التي ثرثرنا فيها ضاحكتين من السرطان. جمعتنا زمالة المرض بعد زمالة المهنة والخيارات الحياتية. لكن حظي كان أفضل. فقد اكتشفت المرض باكراً. مع أنه سرق من عمري سنة بكاملها بين علاج ونقاهة، إلا أني شُفيت.

غربة اللغة الأم

لم أستطع أن أنسى تلك "الخبرية"، بدت لي كأنها نوع من الحكايا الأسطورية، كخرافات الغيلان والجنيات. قال: "كنت أعمل صبياً عند محلات الصفدي للقماش والملبوسات الرجالية في البلد، كان ذلك في الخمسينيات. يومها، دخل دركيان إلى المحل الشهير وحررا لنا مخالفة. لم أفهم السبب، لكني ناديت معلمي صاحب المحل، وكان يهودياً. ولما جاء وسألهم عن المشكلة قالوا له: لقد كتبت اسم محلك باللغة الأجنبية وبخط كبير ولم تكتب الاسم بالعربية. وهذه مخالفة للقانون، لأنه يجب أن تكتب اسم المحل باللغة العربية وبخط كبير فوق، وإذا أردت أضافة الاسم باللغة الأجنبية، فيجب أن تكتبه بخط أصغر وتحت الاسم بالعربية وليس فوقه حسب نص القانون"! ثم قال إن صاحب المحل بعد لأن دفع الغرامة (كانت خمس ليرات على ما أظن) أنزل اللافتة وأرسل للخطاط ليكتب له واحدة جديدة وفق متطلبات القانون وعلّقها كما قال الراوي "في اليوم ذاته".

حكي سرفيسات: حبال الهواء

في «الفان رقم ٤» المتجه الى الحمرا، والذي ينتهي خطه كما يعرف الجميع عند مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، تناهى الى سمعي حديث كان يدور خلفي تماماً بين راكبين. لم أكن أستمع إليهما في البداية. كنت شاردة على عادتي حين أستقل الباص، منصرفة الى مراقبة الناس والشوارع، متعتي الحقيقية! لكن، صوتهما علا ما إن توقفنا في الزحمة الخانقة، بعدما هدأ موتور الفان عن الدوران والضجيج بالطبع.
كان المتحدث كهلاً ببشرة غامقة السمرة وذقن خشنة تخللتها شعيرات بيض، كما زادت التجاعيد العميقة من خشونة مظهره. كان الرجل يتحدث بلهجة بقاعية متروية، وهو يفلت واحدة تلو إخرى حبات سبّحته الرخيصة، على طريقة وجهاء القرى. أما الثاني، أي المستمع، فقد كان موظف "سيكوريتي" من المنطقة ذاتها، حسبما بدا من اللهجة، يبدي اندهاشه بين الفينة والأخرى، بتعابير من نوع «والله؟» كنوع من التهذيب في الاستماع الى رجل بعمر أبيه.

تحرير في بلاد الأقزام

التفصيل البسيط الذي بقي عالقاً في ذهني من مشهد تحرير العسكريين المخطوفين، أي إصرار المخرج اللبناني على ارتداء المحررين بذاتهم العسكرية، قبل مثولهم أمام الكاميرات، إضافة الى ما أدلى به الجنود المحررون من مديح لخاطفيهم بعد تحريرهم، والصورة الجامعة في السرايا الحكومية، ربما كانت المفاصل الثلاثة التي تستوقف المراقب في مشهد تحرير العسكريين، من أسر «جبهة النصرة» في اليومين الماضيين.

الإعلام الشرس

ليست المرة الأولى، ولانها كذلك فليس من المسموح به التغاضي عن الأمر. ما الذي دهى وسائل الاعلام لاذاعة خبر الافراج القريب عن العسكريين المخطوفين لدى جبهة النصرة «خلال ساعات»؟ الم يتعظ الزملاء من المرات السابقة التي اعلنوا فيها اقتراب القضية من نهاية سعيدة، فتحول بـ«فضل» تسريبهم الخبر الى طريق مسدود؟
قد لا تتحمل الوسائل الاعلامية المسؤولية بكاملها، ولا شك ان امورا اخرى حدثت واعاقت مسار الأمور، لكن وضع هذا المسار تحت الضوء في هذا التوقيت الحساس، لا شك غيّر شيئا ما لم يكن في مصلحة المفاوض اللبناني.

شركة الاستقلال

"كل تلفوناتي عملتن ع الواقف احتراماً للنشيد" غرد أحد الظرفاء تعليقاً علي ما فعلته شركات الاتصالات المحتكرة لاتصالاتنا، عبر وضعها النشيد الوطني اللبناني كرنّة تلفون إجبارية لكل اللبنانيين! ثم كتب "بقترح ع وزارة الدفاع إنو تتقدم بطلب للطيران الروسي تيعملنا عرض عسكري يوم الأحد بمناسبة عيد الاستقلال!" مشيراً إلى تعطيل حركة الطيران المدني في مطار بيروت، بسبب المناورة التي فرضها هو الآخر علينا وعلى دول المنطقة البحرية الروسية الشقيقة بدون سابق تشاور!
هذه عينة فقط من تعليقات اللبنانيين الساخرة على احتفاء شركتي الاتصالات بذكرى الاستقلال، المضافة الى فولكلور النفاق الوطني السمج عن التعايش، غير المتورع عن الاحتفاء باستقلال يتبدى بوضوح نادر، زيفه. وهو زيف مضاعف الخطورة كونه يغطي استعماراً من نوع جديد، يشترك في ترسيخه "مجتمع دولي" وطبقة سياسية لا حد لفسادها!

باريس/ برج البراجنة

"العالم القديم انتهى والعالم الجديد تأخر بالظهور، وما بين العتمة والضوء تولد الوحوش".
أنطونيو غرامشي

في الطائرة العائدة بي الى ربوع الوطن الغارق في الزبالة، والمغطى بأسراب الذباب الأزرق، "مكرهة قليلاً" لأسباب صحية، كنت أتابع بشيء من الشرود سيرنا على الشاشة الديجيتال التي تبين للركاب فوق أي بلد نحلّق وكم تبقّى من الرحلة. الطائرة الروسية المنكوبة التي كان داعش قد أسقطها فوق صحراء سيناء، كانت في بالي وأنا أنظر الى الشاشة. قلت في نفسي: ما المانع من أن تكون هذه الرحلة هي التي اختارها داعش للانتقام من لبنان؟ كانت خاطرة عدت بعدها الى كتابي. لكن ما لم يخطر قط في بالي، هو أني أغادر باريس عشية تفجيرات رهيبة ستوقع ١٣٠ قتيلاً و٣٥٦ جريحاً، وأني أصل الى بيروت حيث سيستقبلني تفجير مرعب آخر في برج البراجنة سيسقط ضحيته ٤٣ قتيلاً و200 جريح.
كلنا اليوم، أكاد أقول، نشبه حالتي في الطائرة. نعيش لأننا نجونا من تفجير هنا أو هناك، حرب هنا أو اشتباك هناك، من دون أن يكون مكاننا الحالي، بين التفجيرين، آمناً بالضرورة.

وجع الهشاشة

«تخيم الجدية على قسمات العناصر الروس، ما يجعلك تشعر بأن في داخل كل منهم دولة عظمى قائمة بذاتها»، حسب قول أحد العسكريين السوريين».
فرّت الدموع من عيني وأنا أقرأ هذه الكلمات القليلة هذا الصباح في مقالة الزميلة مرح ماشي «الروس بين السوريين: نظرة فابتسامة». فوجئت لدرجة أني ضحكت من نفسي، ولم أفهم لم فرّت تلك الدمعة من دون أي فكرة قد تكون خطرت ببالي! شيء يشبه أن تمسَّ سلكاً كهربائياً عارياً دون انتباه. فهمت لمرة معنى أن «تفرّ» الدمعة من العين.

كلن يعني كلن؟

يحكى أن ساحرة مرّت في قرية، وألقت في بئرها تعويذة تجعل كلّ من يشرب من مائها مجنوناً. شربت القرية كلّها إلا الملك والوزير. هكذا لاحظ الأهالي (المجانين) أن ملكهم ووزيرهم اللذين لم يشربا من البئر، «أصيبا بالجنون». فكان نقاش فلسفي بين الوزير والملك: أنشرب من البئر ليرضى شعبنا عنا ويكفّ عن وصفنا بالمجانين؟ أم نحتفظ بعقولنا لنستطيع أن ندير البلاد ونُشفي الشعب من جنونه؟ لا إجابة في القصة، أو لنقل إني لا أذكر إن كانت هناك إجابة. إلا أن السؤال المحيّر فعلاً: ما الذي كان على الملك والوزير أن يفعلاه؟

Tattoo

كان لجدتي رحمها الله «تاتو». نعم كان على يدها عند المعصم. هي لم تكن تسميه كذلك. كان يسمى «دق». لا لم تكن جدتي «In»، كانت أميّة تحفظ الشعر وتقوله. لا يستقيم عرس أو عزاء من دون أشعارها الارتجالية وردّياتها. لم يكن «الدق» على معصم جدتي له غرض غير التجميل. لكن «الدق» على معصم «عمو جريس»، كان دينياً صرفاً يصوّر الصليب.

جدار ابن يومين

أول من أمس، ولد لنا جدار. احترنا في تسميته. نعته البعض بانفعال «جدار العار». وقال البعض الآخر: هذه صفة وليست اسماً. ثم، أشار علينا غيرهم بأن نسميه «الجدار العازل»، لكننا بقينا محتارين: من يشبه الوليد؟ سمّوه على اسم أبيه! قالوا. لكن، من هو أبوه؟

أسانسور محيّر

على باب المصعد، وقف بضعة أشخاص ينتظرون المصاعد الثلاثة لمبنى الجريدة. تكاثر الطلب على المصاعد بعدما انتقلت الى مبنانا في الكونكورد مكاتب التأشيرات لبلدان عدة. والمبنى مزدحم بالمصالح، حتى إن لدينا حضانة دولوكس، يصعد إليها الزبائن مع أطفالهم بالمصعد، إلى الطبقة الأولى!

زبالة ماري انطوانيت

-شو مالك؟ عم تضحكي؟
-ما شفت الاعلان؟ هلق بعدو مارق ع الاخبار.. يحرق عرض هالبلد..
-اي اعلان؟
-(تضحك وتمسح دموعها) تبع الزبالة. قال عم يوعونا كيف لازم نفرز الزبالة من المصدر. ايه.. قال هيك: لازم نحط الزبالة العضوية، يعني تبع الاكل والخضرة وهيك اشيا بكيس بلاستيك اسود ،والكرتون والورق بكيس اصفر، اما الازاز والمعادن فمحلها بالكيس الزهري.. انو ما فقعني شي الا الكيس الزهري. زهري يا الله! انت بتعرف وين في اكياس زهرية؟

ديكور مطابق للمواصفات

بالفعل، هو الديكور المناسب. لا حاجة إلى التشابيه ولا للبلاغة ولا إلى السجع ولا للنداءات «المتمسكنة» التي يلخصها الرحباني زياد بكليشيه الشعب «البريء» الذي يسأل كأنه لا يعرف: «وينيي الدولة». ها هي الدولة، حبيبي، تحت أنفك، هل تشم رائحتها؟ تمتع بلبنان، اخرج إلى الشرفة وانظر، لا داعي لـ"كشّ" الذباب أو الناموس أو حتى تلك الحشرات الطائرة التي لم نر لها مثيلاً من قبل، فهي وجدت وليمتها. وحين تحط عليك لا تفعل ذلك من أجل أن تمصّ دمك، أو لأنها جَوْعَى، بل لكي «تهضم».

تزريك على خطّ تماس

كان صوت السيد حسن يلعلع في الشارع تحت منزلي صباح هذا اليوم. كنت متجهة الى الشارع الرئيسي لأستقل "سرفيساً" الى المكتب، حين تناهى إليّ صوت السيد من بعيد. أخذت أفتش عن مصدر الصوت: هل هو المقاهي المحيطة بنا أم...؟ أصلاً السيد تكلم أمس فلم سيتكلم اليوم؟ هذا الحوار كان يدور في عقلي بشكل مستقل عن مركز اهتمامي، أي إيجاد سرفيس، الى أن اقتربت كثيراً من مصدر الصوت الملعلع إلى درجة لم يعد بإمكاني الانتباه الى غيره. وإذ بمصدر الصوت: شاحنة نقل أثاث كانت تقف تحت إحدى البنايات الفخمة في الشارع الجميل الهادئ والمؤدي الى المستشفى العسكري.

«سوحوا» في اليونان

اكتشفنا، كلبنانيين وعرب، في السنوات الأخيرة سلاح المقاطعة الاقتصادية، واستخدمناه بشكل متنامٍ، ولو أنه غير كافٍ، ضد إسرائيل. إلا أن هذا السلاح، الذي هو بمثابة سلاح الشعوب «الفردي»، أي بإمكان كل فرد تفعيله شخصياً بغض النظر عن موقف دولته، له وجه آخر يجعله، للمفارقة، أمضى وأكثر فاعلية.