«أيّام بيروت السينمائيّة»... موسم اللقـاءات السعيدة
بيار أبي صعب
عشر سنوات في تاريخ مهرجان سينمائي مستقلّ، توازي سنّ الرشد. هل كان مؤسسو جمعيّة «بيروت دي سي» يتصوّرون أن مبادراتهم الشبابيّة الطوباويّة ومغامراتهم المتحمّسة، ستسفر يوماً عن مؤسّسة حقيقيّة هي «أيّام بيروت السينمائيّة» التي تنطلق دورتها الخامسة يوم الجمعة المقبل ١٧ ت١؟
المهرجان (مرّة كلّ عامين) الذي يستند إلى مجلس استشاري واسع، وهيئة محترفة: مديرة إداريّة (هانية مروّة)، ومديرة فنيّة (إليان الراهب)، ومديرة علاقات عامة (زينة صفير)، يستضيف هذا العام خمسين فناناً وفنّانة من العالم أجمع: من عبد اللطيف قشيش إلى كاترين دونوف، مروراً بآن ماري جاسر وناديا كامل وخليل بن كيران ولطفي عاشور وهالة العبدالله وجيلاني السعدي وإبراهيم البطوط وطارق تيغيا وأنيسة داود وإيلودي بوشاس... وخصوصاً حفصيّة الحرزي، الممثلة التونسيّة المدهشة التي شقّت طريقها بسرعة مذهلة إلى العالميّة.
تكرّم الأيام مخرجاً تونسيّاً مميزاً (قشيش)، وتطلق أحدث الأفلام اللبنانيّة «بدي شوف» لجوانا وخليل جريج، وتقدم سينمائيّاً مصريّاً من كبار الجيل الثاني هو يسري نصر الله («جنينة الأسماك») الذي يأتي محاطاً بتجارب أخرى مشاكسة وحيّة من السينما المصريّة البديلة... فلسطين كالعادة في القلب مع آن ماري جاسر («ملح هذا البحر»)، إنما أيضاً من خلال أشرطة وثائقيّة (الأرض بتتكلّم عربي» لماريز غرغور، «خمس دقائق عن بيتي» لناهد عوّاد)، وقصيرة (هاني أبو أسعد).
سوريا تمثّلها هالة العبدالله في فيلمها الثاني «هيه لا تنس الكمّون» الذي يعد بالكثير من المفاجآت (يقال إنّها تحمل في علبتها السريّة دارينا الجندي)، كما يشارك عمّار البيك الباحث عن قوالب مختلفة في ظلال جان لوك غودار («جيروزالم اتش دي»)، وطبعاً عبد اللطيف عبد الحميد الذي يلمس بخجل، آليات المؤسّسة القمعيّة ــــ وإن بجماليات من زمن آخر ـــ في «خارج التغطية». حتّى العراق الذي يعاني الإنتاج السينمائي فيه من مشكلات كبرى، حاضر مع طارق هاشم (www.gilgameh.21) وعماد علي («شمعة لمقهى الشهبندر»)...
المغرب العربي الكبير متعدد الوجوه أيضاً. إضافة إلى عبد اللطيف قشيش الذي يأتي مع ممثلتيه، ويحاضر في التمثيل أمام الطلاب، ويعرض ثلاثيّته... هناك بين الضيوف التونسي جيلاني السعدي الذي يلتقي مع الجزائري طارق تيغيا («روما ولا انتوما») ــــ وربّما مواطنه عمرو حكّار («البيت الأصفر») ــــ والمغربي فوزي بن سعيدي («يا له من عالم رائع»)، يلتقون عند سينما قريبة بشكل مفاجئ من مواصفات «الواقعيّة الجديدة». ينبغي طبعاً أن نذكر لطفي عاشور (في فيلمه الروائي القصير «العزّ»، تونس)، وحبيبة جهنيني («رسالة إلى أختي»، الجزائر)، وليلى كيلاني التي تعود في «أماكننا الممنوعة» إلى السنوات الرماديّة في المغرب...
الأهمّ من كل ذلك أن «أيّام بيروت السينمائيّة» تظاهرة بات لها جمهورها الخاص، لأنّها تملك مشروعاً محدد الملامح، عربي المشاغل، طليعيّ الطروحات... وهذا ما يميّزها بشكل راديكالي عن تظاهرت أخرى تحمل فقاعات من الأوكسيجين إلى المشهد اللبناني، وما إن تنتهي «المناسبة» الاجتماعيّة، حتّى تمضي إلى أجنداتها الأخرى. مشروع «بيروت دي سي» يدافع عن سينما المؤلّف، ويعمل مع مختلف الشركاء على البحث عن وسائل بديلة للإنتاج والتوزيع... كذلك فإن هذه الدورة تأتينا بمفوم جديد تريده عابراً للأنواع والخانات التقليديّة: ألا وهو «الوثائقي الإبداعي» ... إليه تنتمي أعمال عدّة على البرنامج الحالي، في نهاية الأمر.
في هذا السياق يندرج فيلم سيمون الهبر «سمعان بالضيعة» الذي سيعرض في الافتتاح، ويتوقّع أن يكون من اللحظات القويّة في هذه الدورة. وثائقي طويل هو الأوّل للسينمائي الشاب الآتي من المونتاج. من خلال الشريط الذي ينتمي إلى «أركيولوجيا الحرب»، يغوص سيمون في ندوب الذاكرة التي لم تلتئم تماماً. يستعيد سيرة قريته التي هدمت في «حرب الجبل» ولم يعد إعمارها لأسباب كثيرة، ولا يقطنها اليوم سوى شخص واحد هو عمّه الذي يربّي الأبقار. الشريط جارح ومؤلم أحياناً، لأنّه يقول الأشياء بعفويّة وصدق لا يحسبان للأيديولوجيا حساباً. وقد تناهى إلينا أن أجهزة الرقابة تسنّ مقصّاتها كي تجتثّ منه بعض الأمتار «المثيرة للنعرات» حسب الحجّة الأبديّة...
والملاحظة الأهم، أن البرمجة في «أيام بيروت» غير مسكونة بهاجس «السبق»، أو الارتباط بالحدث السينمائي بأيّ ثمن. هناك أفلام جديدة وحديثة على البرنامج طبعاً، لكن المهرجان لا يجد أي حرج من عرض انتاجات قديمة نسبياً... إذ إن المعيار هنا هو كيفيّة تقديم التجارب في بيروت، والعمل على تجاورها وتحاورها وتكاملها في سياق مشترك، انطلاقاً من أسئلة المنظّمين ــــ ومعظمهم من السينمائيين ــــ ومشاغلهم الجماليّة والفكريّة، التقنيّة والإنتاجيّة. لذلك سنجد أن بين النشاطات الموازية محترفاً يقدّم ٦ مبدعين عرب خلاله مشاريع سيناريوهاتهم أمام بعض المنتجين، حلقة تدريب على كاميرا HD الرقميّة التي يمكن اعتبارها «سلاح السينمائي الفقير»، محاضرة عن التمثيل في السينما، وندوة شاملة عن «سينما المؤلّف» واقعاً ومرتجى...
ابتداءً من مساء الجمعة في «صوفيل» سيكون الموسم حافلاً باللقاءات السعيدة.
كاترين دونوف: تريد أن ترى (الهمجيّة)
دونوف ومروة في مشهد من الفيلمبعدما جاب المهرجانات من «كان» إلى «تورنتو»، يحط شريط «بدي شوف» رحاله في «أيام بيروت...». ماذا تستطيع السينما فعله للإحاطة ببشاعة الحرب، في عصر الفضائيات التي تعطينا الانطباع بمتابعة الحرب «على الهواء مباشرة»؟ سؤال يطرحه الثنائي جوانا حاجي ـ توما وخليل جريج، وينطلقان منه لإظهار قصور الصور المتدفقة عن الإحاطة بالمعاناة الإنسانية في قلب الكارثة. «لم ترَ شيئاً من هيروشيما» تردّد بطلة مارغريت دوراس Hiroshima mon amour. «أريد أن أرى» تقول بطلة «بدي شوف» النجمة الفرنسية كاترين دونوف. وبين الرغبة في الاطلاع والرؤية المستعصية، يتحرّك المخرجان اللبنانيان مستعيرين بعض قواعد «السينما الجديدة» الفرنسية وسماتها الأسلوبية: لا سيناريو مسبقاً، بل خلطة تزاوج بين التوثيق والتخييل، تتبع خطوات ممثلين ينطلقان بالسيارة باتجاه الجنوب وسط الدمار الذي خلّفه عدوان تموز/ يوليو ٢٠٠٦.
ما تستطيع السينما (وما لا تستطيع) استيعابه وقوله عن المعاناة ودمار الحرب، يحاول الفيلم إبرازه عبر لعبة مرايا متقنة، تجعله يقفز برشاقة بين السينما الروائية كما تجسّدها كاترين دونوف التي تريد أن تكتشف وترى، والسينما التوثيقية التي يجسّدها رفيقها في الرحلة ربيع مروة الذي يرافع ويحكي ويشتكي... فيما دونوف تكتفي بالإصغاء والمشاهدة. قوّة الشريط لا تكمن فقط في المقاربة المغايرة التي يعتمدها للإحاطة ببشائع الحرب، بل هو تأمل صادق لماهية الفن وجدواه وقصوره في مواجهة العنف والشر المتجذّرين في الذات البشرية!
8:00 مساء الأحد 26 ت1 الحالي، «صوفيل» ــــ وفي الصالات اللبنانية ابتداءً من 30 الحالي
... وجاسر تتسلّل إلى يافا في ستينية النكبة
صالح بكري وسهير حماد في مشهد من الفيلمإنّه الفيلم العربي الأكثر تميّزاً واستقطاباً على الصعيد العالمي خلال الموسم السينمائي الحالي، مع أنّ مخرجته الفلسطينية آن ماري جاسر اختارت موضوعاً شائكاً وإشكالياً بامتياز. في باكورتها «ملح هذا البحر»، أرادت جاسر تلخيص معاناة أبناء الشتات الفلسطيني على مدى 60 سنة من النكبة، عبر استعارة رمزية جسّدتها في قصة فلسطينية تدعى ثريا من مواليد بروكلين، تقرّر بعد وفاة جدها السفر لأول مرة إلى مسقط رأسه في يافا. لكن عقبات كثيرة تعترض وصولها إلى فلسطين التاريخية، فتستقر في رام الله. وإذا بها تكتشف أنّ البنك البريطاني ـــــ الفلسطيني الذي أودع جدّها كل مدّخراته في فرعه في يافا فتح فرعاً جديداً في الضفة، فتدخل في معركة قانونية لاسترجاع تلك المدخرات. وحيال مماطلات البنك، تقوم مع شابين فلسطينيين من مخيم الأمعري، بالسطو عليه، فتحصل على قيمة مدّخرات الجد مضافاً إليها فوائد الستين سنة المنصرمة!
ثم يتنكر الثلاثة في زيّ يهود ويتسلّلون إلى إسرائيل، لتزور ثريا بيت جدها في يافا، وتعوم في البحر الذي طالما حدّثها عنه جدها، ووالدها من بعده... وبعد رحلة طويلة ملأى بالمقالب التي تعكس في قالب تراجي ــــ كوميدي معاناة فلسطينيي الـ48، تتنهي مغامرة الشباب الثلاثة بالقبض عليهم وترحيلهم.
وكالعادة لدى المخرجين الذين يدخلون مجال السينما الروائية بعد سنوات من العمل التوثيقي، وُفّقت جاسر في تقديم شريط بعيد عن الخطابية، مفضّلةً الإمساك بتفاصيل الأشياء لتسلّط عليها نظرة مقرّبة تبرز الظلم الإسرائيلي والمعاناة الفلسطينية،عبر مقالب كافكاوية يتقاطع فيها الواقع بالخيال.
7:30 مساء السبت 18 الحالي ـــــ 7:00 مساء الأحد 19
تحيّة إلى رندا الشهّال
بعد «شاشات من رمل» (١٩٩١)، ابتعدت رندا الشهّال عن الكاميرا. ثم كانت «نهاية» الحرب الأهليّة، فالتجأت إلى عائلتها، باحثة في تاريخها السياسي العريق عن إضاءات ممكنة على الراهن. هكذا أبصر النور «حروبنا الطائشة» (١٩٩٥)، أجمل أفلام المخرجة الراحلة التي يوجّه لها المهرجان تحيّة خاصة. إضافة إلى «حروبنا الطائشة» (9:00 مساء السبت 18)، يعرض «خطوة خطوة» (6:30 مساء الأربعاء 22)
الأفلام القصيرة
بعضها يحمل تواقيع مخرجين بارزين، بينهم عبد الرحمن سيساكو الذي يخصّ بيروت بالعرض العالمي الأوّل لفيلمه «الكرامة». وهناك هاني أبو أسعد الذي يعود بـ «ولد وجدار وحمار» (الصورة) عن أولاد لا يجدون لتحقيق فيلمهم سوى كاميرا مراقبة قرب جدار الفصل العنصري! ونشير إلى «الطريق إلى الشمال» باكورة كارلوس شاهين و«العزّ» للتونسي لطفي عاشور. 10 مساء السبت 25
سلطة بلدي
طافت ناديا كامل العالم بفيلمها وأثارت نقاشات كثيرة... «سلطة بلدي» فيلم ذاتي مشرّع على جراح الذاكرة الجماعيّة، في مجتمعاتنا ذات النسيج الثقافي المركّب، لكن المسكونة بأهوال الحروب. في الحقيقة أمها ماري ليست مسيحيّة، بل يهوديّة، وهناك جزء من عائلتها في إسرائيل. ستخرق المحظور وتزورهم، تحت أنظار حفيدها الفلسطيني نبيل الذي يحاول أن يفهم. 7:30 مساء الجمعة 24
روما ولا أنتوما
هو فيلمه الروائي الأوّل (٢٠٠٦) حمل تباشير عودة إلى الواقعيّة الجديدة كما عرفتها السينما الجزائريّة مع مرزاق علواش أيّام «عمر قتلاتو...». يرصد طارق تيغيا الواقع اليومي لأبناء الجيل الشاب في الجزائر ممن لم يعد لديهم سوى حلم واحد هو الهجرة. رحلة، برفقة كمال وزينة، في العالم السفلي لمدينة لم تتخلّص بعد من أشباح السنوات السوداء. 10:00 مساء الاثنين 20
عرس الذيب
مخرج الفيلم جيلاني السعدي هو من ممثّلي اتجاه جديد في السينما التونسيّة، يبحث عن مواجهة مباشرة وحادة مع الواقع، بعيداً عن التنميقات الشكليّة التي طبعت جيل نوري بوزيد وفريد بوغدير... ثلاثة شبان تائهون في دوّامة الفقر والكبت والذكورة، وضحيّتهم المثلى ابنة الحومة (أنيسة داود)، ورحلة الانتقام في دوامة هاذية لا يمكن أن تهدأ إلا بالموت. 10:00 مساء الأحد 19
عين شمس
بعدما كانت عاصمة مصر خلال الحقبة الفرعونية، أصبحت منطقة عين شمس أكثر المناطق فقراً. يعرض المخرج الشاب إبراهيم البطوط تعقيدات النظام السياسي والبنية الاجتماعية والاقتصادية في مصر، من خلال شخصيّة فتاة تعيش في تلك المنطقة. والشريط الذي كتبه البطوط مع تامر السعيد، هو الثاني له بعد «إيثاكي» (2004). 10:00 مساء السبت 18 ــــ 7:00 مساء الثلاثاء 21.






