كتلة نيابية لرئيس الجمهوريّة صمام أمان لما بعد الانتخابات
أنطوان سعد
بينما يشحذ كل من المعسكرين السياسيين المتخاصمين في لبنان، ومن وراءهما في المنطقة والعالم، موازناته واستعداداته الإدارية واللوجستية لخوض الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع العام 2009 ـــــ ويقال إن أحد أحزاب الأكثرية يدفع شهرياً نحو أربعمئة ألف دولار ثمن دراسات واستطلاعات رأي ـــــ تتساءل أوساط سياسية مخضرمة مستقلة ومحايدة عن استعدادات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لهذه الانتخابات، وخاصة لما يمكن أن يترتب عليها من نتائج.
لقد سبق لرئيس البلاد أن أعلن نيته الابتعاد عن المعركة الانتخابية المرتقبة، ودعم مرشحين معيّنين في لوائح مستقلة، لكنه أفسح في المجال، في شكل غير مباشر، أمام من يشاء من النواب العتيدين، للانضمام إلى مسيرة العهد، والتكوكب حولها مع بعض الشخصيات السياسية والاقتصادية والفكرية، وكبار موظفي الدولة، لتشكيل نوع من الشهابية الجديدة. وذلك من أجل إعادة بناء الدولة اللبنانية التي لم تحظ بفرص جدية للإصلاح منذ أفول نجم الشهابية ابتداءً من صدور نتائج انتخابات عام 1968.
بيد أن الأوساط السياسية المشار إليها، تعتقد أنه ما لم يكن للرئيس سليمان مساهمة ما، فلن تظهر هذه الكتلة الوسطية التي يراد منها، إضافة إلى الدور الإصلاحي، أن تكون صمام أمان يخفف من تداعيات الصدام المتوقع في أية لحظة قبل الانتخابات، وخلالها، وبعدها، بين الطرفين. فاستطلاعات الرأي تشير إلى فوز هذا الفريق أو ذاك بنسبة ضئيلة جديدة لا تتعدّى ثلاثة أو أربعة مقاعد نيابية، وهذا يعني أن التجاذبات القائمة اليوم مرشحة للتفاقم مدة أربع سنوات جديدة. وليس في لبنان، من ذوي النيات الحسنة، من يتمنى له استمرار مثل هذه الحال، مدة أطول.
ذلك أن فوز الأكثرية الحالية يؤدي إلى تمسك الأقلية بمطلب الثلث المعطل بالحكومة وبسائر المطالب التي تجعل عجلة الحكم صعبة الدوران. أما فوز الأقلية فسوف يزيد من صعوبة الوضع لأنها إذّاك ستكون أمام خيارين: إما أن ترشح لتأليف الحكومة العتيدة أحد أقطابها من السنة المعارضين لنفوذ آل الحريري، فتشعر الطائفة في هذه الحال بنوع من الإحباط والاستياء مع كل ما يعنيه ذلك من تداعيات على الشارع السني، وعلى صورة الجمهورية اللبنانية في محيطها العربي والأسرة الدولية، وإما أن ترشح رئيس كتلة نواب المستقبل النائب سعد الدين الحريري، كما سبق أن نُقل عن لسان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وإذّاك سوف تطرح إشكالات عديدة وشروط متنوعة، في معسكري الفريقين المتخاصمين، من شأنها أيضاً أن تعقد المسائل أكثر مما هي معقدة، وتبقي عجلة الحكم صعبة الدوران.
أوساط قريبة من رئيس الجمهورية تؤكد أنه يأخذ هذه التساؤلات بالاعتبار، وتشير إلى أنه لم يجد عنها جواباً غير متابعة عملية الحوار، وتضيف: «إن الحوار، من وجهة نظر الرئيس، شيء مقدس في لبنان، وهو سيستمر إلى ما بعد الانتخابات المقبلة بغض النظر عن نتيجتها، وعمن سيربح الأكثرية وعمن سيكون أقلية في مجلس النواب العتيد».
في اعتقاد كثيرين، لا يكفي الحوار للخروج من المأزق على رغم اعترافهم بعدم توافر وسائل بديلة في الظرف الراهن، ولا سيما في ظل استمرار تأثّر كل من الفريقين المتخاصمين بالقوى الإقليمية المتنازعة إلى حد كبير، وعدم تمكن القيادات المسيحية من التفاهم في ما بينها على جملة ثوابت تسعى إلى إرسائها كل مع حلفائه المسلمين. لذلك يبقى أمام الأطراف السياسية خيار أخير لتأمين كتلة نيابية وسطية تساعد رئيس الجمهورية على امتصاص الاحتقان بين الطرفين المتنازعين، وعلى أخذ البلاد في اتجاه التهدئة والإصلاح، وهو أن تتفق في ما بينها على إعطاء رئيس البلاد حق تسمية ثلاثة أو أربعة مرشحين من كل فريق، ومن كل الطوائف، في الدوائر التي يتمتع فيها بأرجحية. وبذلك تكون لرئيس الجمهورية كتلة نيابية مؤلفة من ثمانية نواب، يضاف إليها من يمكن أن يفوزوا من المرشحين المستقلين في الدوائر الصغرى، قادرة على أن تؤدّي الدور الذي يطلبه كل من يريد الاستقرار في لبنان.





