مناورة قوّاتيّة ناجحة تضع فرنجيّة في دائرة العرقلة
أنطوان سعد
عادت وتيرة عملية المصالحة بين القيادات المسيحية إلى الإيقاع الهادئ الذي كانت تريده الرابطة المارونية، في الأساس، عندما بدأت بمسعاها غداة حادثة بصرما. فبسفر البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير إلى روما، ورئيس الرابطة المارونية جوزيف طربيه إلى الولايات المتحدة، وكذلك سفر رئيس الجمهورية إلى السعودية المقرر بعد أيام، لا يمكن توقع تقدم عملية المصالحة من تلقاء نفسها، ولا سيما بعدما تبددت الأجواء الإيجابية المصطنعة التي أحيطت بها المبادرة والتي يبدو أيضاً أنها بند من بنود استراتيجية تسجيل النقاط بين الأطراف المتخاصمة.
فالرابطة المارونية، كانت في صدد مقاربة هادئة لهذا الملف الشائك، القديم ـــ الجديد، بدليل جولتها الواسعة على جميع القيادات السياسية المسيحية الأساسية والثانوية التي ليس لمعظمها أي علاقة بالإشكالات الميدانية، سعياً لتهيئة الأجواء الملائمة، ولم تكن لديها أوهام أو توقعات بنجاح سريع أكثر مما كانت تشعر بأنه يقع عليها واجب التصدي للتردي الواقع في العلاقات بين بعض الأطراف الحزبية المسيحية. ورأت الرابطة أن اجتماع النواب الموارنة في مقرها من شأنه أيضاً أن يزيد من الأجواء الإيجابية المواكبة لمسعى المصالحة. غير أن الأجواء الإيجابية المصطنعة والتسريبات الصحافية حول قرب انعقاد اجتماع المصالحة بين الوزيرين السابقين سمير جعجع وسليمان فرنجية، والإرباك الذي رافقها، كادت تطيح مبادرة الرابطة المارونية برمتها. وهذا ما جعل بعض المعنيين بهذه المبادرة يتذكرون النصيحة التي أعطاها البطريرك صفير، صاحب الخبرة الطويلة في مجال المصالحات بين القيادات المارونية، لوفد الرابطة الذي زاره لأخذ بركته: «عليكم العمل بحذر وهدوء حتى لا ينتج من المبادرة نتائج مغايرة لما تريدون تحقيقه».
ولا بد من الإشارة، في هذا المجال، إلى المناورة الناجحة التي قامت بها القوات اللبنانية في هذه المسألة، وتمكنت، من خلالها، من الخروج من دائرة التشكيك بحقيقة رغبتها في تحقيق المصالحة، وفي الوقت نفسه، وضع خصمها رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية في هذه الدائرة. فمنذ مبادرة الأساقفة الموارنة الأربعة المتعلقة بثوابت الكنيسة المارونية، وتوقيع ميثاق الشرف بين القيادات المسيحية، قبل نحو عامين، وصولاً إلى خطاب جعجع في ذكرى شهداء القوات اللبنانية، والمواقف التي تلته، كان واضحاً أن رئيس القوات غير متحمس للمصالحة قبل موعد الانتخابات النيابية المقررة في الربيع المقبل. فهو يظن أن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون يحتاج إلى غطاء المصالحة مع القيادات المسيحية الأخرى في بكركي من أجل استعادة المظلة المسيحية بعد تداعيات وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحرب تموز 2006، على شعبيته في الشارع المسيحي، ولذلك تهرّب من المصالحة.
بيد أن المصالحة بين حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي، ومن ثم مصالحة الحزب مع تيار المستقبل، وزيارة وفد منه لرئيس الكتلة النائب سعد الدين الحريري في قريطم، أحرجت جعجع الذي ربط في خطابه في الملعب البلدي في جونية، المصالحة بالتوافق على القضايا السياسية الكبيرة، في وقت كان فيه رئيس تيار المردة يبدي إشارات إيجابية متلاحقة قائمة على مبدأ اللقاء من دون شروط مسبقة. واستفاد جعجع من مبادرة الرابطة المارونية، وفاجأ الجميع بمضيه في المصالحة واستعداده لقبول الاجتماع بفرنجية في القصر الجمهوري بدلاً من بكركي بعدما كان يشترط رعاية البطريرك صفير لها. لا بل، أفرط في الأجواء الإيجابية والإيحاءات بقرب حصول اللقاء، إلى أن وقعت أوساط الوزير السابق سليمان فرنجية في الفخ الذي نصبته القوات اللبنانية لها، فتبارت في وسائل الإعلام على نفي موعد اللقاء، وعلى التمسك بشرط مشاركة العماد ميشال عون، كي تقبل بانعقاده، وظهرت تلقائياً في مظهر المعرقل وواضع الشروط بعدما كان تيار المردة في العامين المنصرمين مضرب مثل على فكرة المطالبة بالمصالحة من دون شروط.




